تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

كيف تم خلق عيسى بن مريم 5؟


حاولنا التعرض في الجزء السابق من مقالتنا هذه للسؤال المربك التالي: لماذا طُلِب من مريم هذه المرة أن تهز بنفسها الشجرة لتساقط عليها الرطب فتأكل منها بعد أن كان الرزق يأتيها إلى المحراب من عند الله مباشرة؟
وزعمنا القول أن مهمة مريم (كتحضير جسمها الفيزيائي) قد انتهت عند هذه المحطة، فلم تعد مؤهلة لرزق خاص يأتيها من السماء مادام أنها قد انتهت من حمل المسيح ووضعه. فأصبح باستطاعتها أن تأكل الآن مما يأكل منه الناس وتشرب مما يشربون (للتفصيل انظر الأجزاء السابقة)، فنحن نعلم أنه ما أن فرغت مريم من وضع غلامها حتى أمرت بأن تهز إليها بجذع النخلة لتساقط عليها رطباً جنياً
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا                                     مريم 25
فافترينا القول بأن الجذع ليس ما نعرفه نحن على أنه ساق الشجرة الذي يخرج من الأرض، فمريم لا تستطيع أن تهزه، فذاك أمر ربما ينوء بالعصبة أولى القوة من الرجال، ناهيك أن تكون مريم مأمورة أن تهزه إليها (وَهُزِّي إِلَيْكِ)، فإن كان هز الجذع ممكنا، فهل هزّه إليها (أي باتجاهها) يمكن أن تقدر عليه من هي في حالتها تلك؟ من يدري!!!
فانتهينا إلى الاستنباطات التالية المفتراة من عند أنفسنا:
1.     الجزء الذي تحت الأرض من الشجرة – كما ذكرنا سابقاً- هو قرارها:
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ             إبراهيم 26
فنحن نفهم من الآية الكريمة أن ما تبقى من الشجرة في الأرض بعد أن تكون قد اجتثت من فوق الأرض هو قرارها
2.     الجزء الثابت من الشجرة فوق الأرض الذي لا يتحرك هو أصل الشجرة
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ
3.     الجزء الذي يرتفع في السماء من الشجرة هو فرعها، فالفرع يبدأ عند آخر أصل الشجرة حيث يبدأ ذلك يتحرك بتأثير عامل خارجي كحركة الرياح مثلاً
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ
4.     الجزء المتدلي من الشجرة الذي يحمل الرطب (الثمر) من الشجرة هو الجذع (أو ما نسميه نحن خطأ بالغصن)
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا                                    
5.     لا شك عندنا أنه في حين أن للنخلة فرع واحد، فإن لها أكثر من جذع، فها هو فرعون يتوعد السحرة بعد أن آمنوا برسالة موسى ليصلبنهم في جذوع (مفرد جذع) النخل:
قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ           طه 71
وحاولنا بناء على ظنونا هذه أن نتخيل عملية هز مريم لجذع النخلة على النحو التالي:
مريم موجودة على ربوة (حيث المكان المرتفع والماء القريب: وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)، النخلة تنبت من أدنى الربوة وتتسلق جذوعها التي تحمل الثمر لتصل أعلى الربوة حيث تجلس مريم مع طفلها، فتتدلى تلك الجذوع على مريم لتوفر لها الظل من أشعة الشمس (فالبشر عادة ما يستظلون بظل الشجرة ليبتعدوا عن الحر: وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ)[1]. وتكون تلك الجذوع التي تحمل الرطب قريبة إليها، فتمسك مريم بواحدة من تلك الجذوع لتهزه إليها (أي باتجاهها)، فتساقط الرطب عليها لتأكل هي منه.
وانتهى ذلك الجزء من هذه المقالة عند الحديث عن المكان الذي وضعت فيه مريم غلامها المسيح عيسى بن مريم، وقد بدأنا ذاك النقاش منطلقين من بعض جوانب حياة مريم بنت عمران خاصة ما جاء عنها في الآية الكريمة التالية:
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ                       المؤمنون 50
فلقد كان للمسيح وأمه مأوى (وَآوَيْنَاهُمَا)، وحصل ذلك في مكان مواصفاته على نحو أنه (رَبْوَةٍ) تتصف بأنها (ذَاتِ قَرَارٍ) و (وَمَعِينٍ)، فتخيلنا المكان الذي تواجدت به مريم مع طفلها على أنه مكان مرتفع محاط من كل جانب، ولا يمكن الخروج منه إلا باتجاه واحد، ويتوافر فيه ماء معين. وقد كان ذلك المكان مثالياً لمريم حينئذ لأنه يمكّنها من أشياء كثيرة هي بحاجة لها، نذكر منها:
1.     الأمان، فالمكان مرتفع لا يتم الوصول إليه إلا من اتجاه واحد، لذا تبقى مريم مترقبة باتجاه واحد لا تخشى أن يراها أحد من كل اتجاه، فلا تنشغل بمراقبة المكان بدل أن تنشغل بنفسها
2.     وجود الماء
3.     وجود الطعام
وانتهى ذلك الجزء من المقالة بطرح التساؤل التالي: فأين هو ذلك المكان؟
وسنحاول (إن أذن الله لنا بشيء من علمه) أن نتابع الحديث عن قصة مريم مبرزين بعض التساؤلات التي نظن أن الفكر الديني السائد قد أخفق في تبيانها، ولنبدأ الحديث عن المكان الذي وضعت فيه مريم غلامها المسيح عيسى بن مريم، فأين - يا ترى- هو ذلك المكان؟
رأينا: نحن نظن أن وضع مريم لغلامها المسيح عيسى بن مريم قد حصل في ذلك المكان القصي الذي انتبذت به مريم وليدها الذي كانت تحمله، كما نفهم من الآية الكريمة التالية:
فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا                                             مريم (22)
وحصل كل ذلك بعد أن جاءها رسول ربها ليهب لها غلاماً زكيا:
قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا                     مريم (19)
السؤال: أين هو ذلك المكان القصي الذي انتبذت به مريم غلامها؟
رأينا المفترى: نحن نفتري الظن أنه المكان نفسه الذي أسري بمحمد إليه:
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1)
وهو المكان نفسه الذي نادى فيه ربك موسى:
وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)
وفيه توجد تلك الربوة التي تطلّ على الواد المقدس الذي نادى ربك موسى فيه:
          إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى                                            النازعات (16)
 حيث أمره فيه أن يخلع نعليه عند تلك النار التي آنسها:
إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)   طه
فالنار كانت مشتعلة مِن جانب الطور:
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)
وحصلت المناداة لموسى مِن جانب الطور الأيمن:
وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52)
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)
وهو الطور الذي رفعه الله فوق بني إسرائيل بعد أن أخذ ميثاقهم:
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63)
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ (93)
وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (154)
حيث حصلت المواعدة لبني إسرائيل عنده:
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80)
وهناك كان أيضاً ميقات موسى وسبعين رجلاً من قومه مع ربهم:
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)
وهناك بعثهم الله من بعد موتهم:
          ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ                         البقرة (56)
وظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المنّ والسلوى:
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ                                                     البقرة (57)
ولو راقبنا مفردة الغمام في النص القرآني لوجدنا أن الغمام يأتي مصاحباً على الدوام للذات الإلهية:
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ                                                     البقرة (57)
هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ                                                                         البقرة  (210)
وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26)                                       الفرقان
وذلك المكان يقع – برأينا- على مشارف القرية التي طلب الله من بني إسرائيل أن يسكنوها ويأكلوا منها حيث شاءوا، ويقولوا حطة، ويدخلوا الباب سجدا:
وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161)
وهناك بدّل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم:
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ (162)
فرفضوا أن يدخلوها، فحرمها الله عليهم أربعين سنة:
يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23) قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)
وعندما حصل ميعاد الله لموسى - كما افترينا في أكثر من مقالة سابقة لنا- حصل ذلك أيضاً في الأرض التي باركنا فيها للعالمين، وهي الأرض التي تقع بين مدين من جهة ومصر من جهة أخرى. فالمتدبر للنص القرآني يجد أن لقاء موسى الأول مع ربه حصل وهو عائد إلى أرض مصر مع أهله من أرض مدين، وأن لقاءه الثاني تم بعد خروج موسى مع قومه من أرض مصر متوجهاً إلى الأرض التي كتب الله لهم، أليس كذلك؟ فموسى إذاً – نحن نفتري القول- يعلم المكان الذي سيجد به ربه، فذهب مسرعاً إلى ذلك المكان، فهو يقع على الطريق بين مدين ومصر، ولكن أين هو؟
وعلى مشارف تلك القرية يقع – برأينا- ذلك الطور الذي أقسم الله به:
وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2)
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2)
وهي المنطقة الجغرافية نفسها التي حصلت فيها قصة إبراهيم مع الطير بعد هجرته إلى ربه:
          وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ                                 الأنبياء (71)
فالله هو من أمر إبراهيم أن يأخذ أربعة من الطير على وجه التحديد ليجعل على كل جبل منهن جزءاً لأن تلك المنطقة كانت – برأينا- محاطة بجبال أربعة، فلقد كان لكل جبل منهن جزءا:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
فإبراهيم قد هاجر من بلاده الأصلية وحط به الترحال هناك:
          وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)
وعلى الرغم من أن الاثنين (إبراهيم ولوط) انتهت بهما الرحلة إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين، سكن إبراهيم في قرية وسكن لوط في قرية أخرى، فوقع العذاب على قوم لوط ولم يقع على قوم إبراهيم. ونحن نفتري الظن أن إبراهيم قد سكن في تلك القرية التي أسري بمحمد إليها، ووضعت مريم غلامها فيها، وواعد الله موسى فيها.
كما نزعم الظن بأنها هي جنة المأوى حيث أسكن الله آدم وزوجه فيها بعد أن خلقهما ونفخ فيهما:
وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35) 
افتراء خطير جداً جداً: ونحن نفتري الظن بأنه في ذلك المكان كانت الشجرة التي أكل منها آدم وزوجه فانتهت بشريتهما وابتدأت إنسيتهما فيها، ومن الشجرة نفسها – نحن نفتري القول- أمرت مريم أن تأكل بعد أن انتهت مهمتها في حمل المسيح عيسى بن مريم كلمة الله.

تحديد المكان على الخريطة
أولاً، لو تدبرنا السياقات القرآنية في تحدد أسماء الأماكن الجغرافية كما يقررها الله في كتابه العزيز (وتجاوزنا تقسيمات اتفاقية سايكس- بيكو للمنطقة قليلاً) لوجدنا أن هناك ثلاث مناطق رئيسية وهي:
-        مصر: حيث فرعون (وهو المكان الذي ولد فيه موسى ونشأ حتى بلغ أشده وآتاه الله حكماً وعلماً وهرب منه بعد أن قتل الرجل)
-        مدين: حيث شعيب (والمكان الذي هرب إليه موسى فرعى فيه الغنم وتزوج فيه)
-        المنطقة الفاصلة بينهما: حيث رب موسى (المكان الذي واعد فيه موسى ربه، وهي نفسها التي آنس عندها النار)، وهذه المنطقة الجغرافية هي محط بحثنا هنا، وهي التي نظن جازمين أنها تسمى بالنص القرآني بسيناء
فلو حاولنا إسقاط هذا الفهم على الخارطة الجغرافية لزعمنا القول أن المنطقة التي تقع إلى الغرب من نهر النيل هي أرض مصر، وأن الأرض التي تقع إلى الشرق من نهر النيل حتى نهر الأردن شرقاً هي سيناء، أما الأرض التي تقع إلى الشرق من نهر الأردن فهي مدين( وهي وتشمل –برأينا- بادية الشام وشمال جزيرة العرب)


ثانياً، كما حاولنا أن نسوّق في مقالة سابقة لنا (ما دلّهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته 14: باب القطر) بأن سبأ تقع إلى الجنوب من جزيرة العرب، وهي المنطقة التي جاءت منها المرأة صاحبة العرش العظيم التي تملك قومها إلى سليمان الذي كان يسكن في ظننا المنطقة الواقعة على أطراف جزيرة العرب الشرقية والمطلة على بحر العرب والمحيط الهندي. كما ظننا أن المنطقة التي تقع بين سبأ من جهة الجنوب والأرض التي باركنا فيه للعالمين من الشمال هي تلك القرى الظاهرة التي ترد في الآيات الكريمة التالية، وهي – في ظننا- بلاد عاد وثمود من بعدهم:
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18)  
انظر الخريطة السابقة مرة أخرى:

ثالثاً، لو أمعنا التفكر في الآيات الكريمة التي تتحدث عن ما حصل في ذلك اللقاء الشهير لموسى مع ربه، ربما نستطيع التعرف على جغرافية المنطقة قيد البحث أكثر. فبعد أن شعر موسى بالقرب الإلهي منه تجرأ ليطلب الرؤيا المباشرة للذات الإلهية، ولو كان موسى يستطيع أن يتحمل المشهد لحصل له ذلك، ولكننا نعلم من صريح اللفظ القرآني أن الله قد تجلى للجبل كاختبار لقدرة موسى على التحمل، وما أن تجلى الله لذلك الجبل حتى جعله دكاً
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ                                    الأعراف 143
ولو حاولنا أن نربط ذلك بمكان تواجد موسى حيث هو في الواد المقدس طوى:
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى                      طه 12
إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى                                            النازعات 16
ربما نستطيع أن نستنبط أن المكان (الواد المقدس) كان محاطا بتلك الجبال الأربعة، ولكن الله طلب من موسى أن ينظر إلى واحدة منها (لأن موسى لا يستطيع أن ينظر إلى الجبال الأربعة معاً مادام أنه متواجد في الواد الذي يجمع بينهما)، وما أن يتجلى الله لذلك الجبل حتى يجعله دكاً. لتكون النتيجة الافتراضية على النحو التالي: لقد غاب واحد من الجبال الأربعة وبقيت المنطقة محاطة بجبال ثلاث فقط.
والذي يمعن التفكر في الموقف الذي حصل لموسى يدرك على الفور أن موسى كان ينظر إلى الجهة التي لم يكن يتواجد فيها الإله لأنه لا يستطيع أن ينظر مباشرة إلى التجلي الإلهي مادام أن الله قد طلب منه أن ينظر إلى الجبل، فموسى ينظر الآن إلى الجبل الذي سيتجلى الله له، ولا شك عندنا أن الإله سيتجلى للجبل من الجهة المقابلة، أي التي لم يكن موسى ينظر إليها، فأين كان الإله بالنسبة لموسى؟
نحن نعلم من سياقات قرآنية كريمة أخرى أن قدوم الإله يأتي دائماً من الجهة الشرقية:
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69)
ومن تلك الجهة الشرقية يتشقق الغمام المصاحب لقدوم الذات الإلهية:
          وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا (25)
هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (210)
فتتحقق بذلك الإحاطة الإلهية من الوراء:
          وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ (20)
لذا يكون موسى – نحن نتخيله في تلك الساعة- ينظر إلى الجهة الغربية، مادام أن مصدر التجلي الإلهي قادماً من الشرق، وربما يصدق ظننا هذا ما جاء في الآية الكريمة التالية:
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ        القصص 44
وهناك في المكان نفسه، نحن نفتري الظن- حصلت الرؤية المحمدية في النزلة الأخرى:
وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)  عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16)[2]
وهو المكان نفسه – برأينا- الذي وضعت فيه مريم غلامها المسيح عيسى بن مريم:
          وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ                       المؤمنون 50
ومن تحت تلك الربوة حيث الواد المقدس والنار، جاءها صوت المنادي:
          فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا                                مريم 24
فكان السري الذي جعلها الله تحتها يحرسها حتى رحلت في اليوم التالي، تاركة المكان ومتجهة إلى محرابها الذي كان موجوداً بين القوم:
          فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)
وإذا ما صدّقنا افتراءنا بأن مريم قد أكلت في تلك اللحظة من تلك الشجرة، فإنها قد أكلت من الشجرة التي تخرج من طور سيناء وتنبت بالدهن وصبغ للآكلين:
وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ (20)
وفي تلك اللحظة فقط انتقلت مريم إلى طور جديد فأصبحت من الأناسي، وما بقيت على بشريتها الأولى حيث كانت تأكل من رزق من عند الله:
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)
فظننا أن مريم لم تكن تأكل من طعام أهل الأرض قط، لذا كانت بشرا خالصاً بالضبط كما كان آدم عندما خلقه ربه:
          وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28)
وما أن أسكنه الجنة حتى أمره أن يأكل منها هو وزوجه حيثما شاءا باستثناء شجرة واحدة:
وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35)
وما أن أكل آدم من تلك الشجرة حتى نسي وأصبح إنسيا (بعد أن كان بشرا):
          وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)
وهذا في ظننا المفترى ما حصل مع مريم بنت عمران، فلقد بقيت محافظة على بشريتها (فلم تكن من الأناسي) حتى استطاعت أن تحمل كلمة الله المسيح عيسى بن مريم الذي هو بمفردات القرآن الكريم بشر (وليس إنسيا)، فالمقارنة عقدت في كتاب الله بين عيسى بن مريم وآدم فقط:
          إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59)
افتراء من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن عيسى بن مريم لم يكن يوماً إنساناً عاديّا مثلنا، أو بكلمات أكثر دقة نقول أن عيسى بن مريم ليس من الناس بدليل الاستنباط الذي يمكن أن نخرج به من الآية الكريمة التالية:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)
فمن كان من الناس فعليه أن يكون قد خُلِق من ذكر وأنثى، وهذا بالضرورة يجعل التالية أسماءهم يخرجون من هذه القائمة، وهم:
1.     آدم
2.     زوج آدم
3.     عيسى بن مريم
فهؤلاء جميعاً – برأينا- ليسوا من الناس، وقد تحدثنا في مقالات منفصلة عن النساء، وزعمنا القول بأن النساء (ومنهم زوج آدم) ليسوا من الناس بدليل قوله تعالى:
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)
(للتفصيل انظر مقالاتنا: ثلاثية المرأة، زواج المتعة، تعدد الزجات1، تعدد الزوجات2، ماذا ستفعل النساء في الجنة؟)
لذا سينصب النقاش هنا على آدم وعيسى فقط، مفترين القول بأنهما ليسوا من الناس مادام أنهما لم يخلقا من ذكر وأنثى.
ولكن قبل الولوج في هذا المبحث فلابد من العودة على تأكيد الفكرة التي طرحناها بخصوص مريم بنت عمران وهي أنها عاشت منذ يومها الأول ترزق برزق من عند ربها، فكانت تهيأ جسميا لأن تحمل المسيح عيسى بن مريم (كلمة الله)، فكان المسيح بشرا (ولم يكن إنسيا)، وما أن فرغت من حمله ووضعه حتى عادت لتؤمر بأن تأكل من أكل أهل الأرض، وكان أقرب شيء إليها في ذلك المكان هي تلك الشجرة التي تخرج بالدهن وصبغ للآكلين:
وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ (20)
فأصبحت تعاني مما تعاني منه نساء الأرض وهو المخاض:
          فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23)
فجاءها الأمر الإلهي بأن تأكل من الرطب الجني لوحدها:
فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26)
ولكنّها لم تؤمر أن تطعم المسيح منه، لأن المسيح كان يأكل من مائدة السماء (أي من رزق من عند ربه)، وهذا الذي نظن أنه قد دفع بالحواريين أن يطلبوا منه المائدة:
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112)
فالمائدة التي أكل منها المسيح مع الحواريين كانت هي المناسبة الأولى والأخيرة التي شارك فيها عيسى بن مريم غيره طعامه، لذا نحن نرد مفهوم الفكر المسيحي السائد حول قصة العشاء الأخير ظانين أنه كان العشاء الأول والأخير، فالحواريون بنص القرآن طلبوا أن تنزل عليهم المائدة للأسباب الواردة في الآية الكريمة التالية:
          قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)
لذا نحن نتخيل الموقف على النحو التالي: يرى الحواريون رسولهم عيسى بن مريم لا يشاركهم الطعام، فيتعجبون من أمره، ويسألوهم عن ذلك، فيرد عليهم بالقول بأنه يأكل من رزق من عند ربه (كما كانت تفعل والدته في المحراب)، وهنا يطلب الحواريون البرهان ليروا تلك المائدة بأم أعينهم، فيأكلوا منها (نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا)، ولا يبقى في قلوبهم شك من ذلك (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا) ويصدّقوا قول نبيهم (وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا)، وليكونوا هم الشهداء على ذلك للعالمين (وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ).
(للتفصيل حول موضوع المائدة انظر الأجزاء السابقة من هذه المقالة)
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: إن ما يهمنا طرحه حتى اللحظة هو افتراءنا الخطير الذي مفاده أن المسيح عيسى بن مريم  ليس بإنسان مثلنا (كما صور ذلك معظم أهل الدراية من أمة الإسلام)، ونحن نظن أيضاً أنه ليس بإله (كما افترى كذباً أهل العلم من النصارى)، ولكنه – برأينا- بشر، وكفى.

باب المسيح: تساؤلات
إن نقاشنا هذا يفضي إلى طرح تساؤلات كبيرة جداً، نذكر منها:
-        من هو المسيح؟
-        لماذا سمي بالمسيح؟
-        من الذي سمّاه المسيح؟
-        لماذا سمي بعيسى بن مريم أيضا؟
-        كيف يختلف المسيح عنا؟
-        الخ
من هو المسيح؟
جواب: نحن نظن أن الإجابة على هذا التساؤل موجودة في الآية الكريمة التالية:
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً (171)
المسيح هو إذن:
1.     عيسى بن مريم الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
2.     رسول الله رَسُولُ اللّهِ
3.     كلمته ألقاها إلى مريم وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ
4.     روح منه وَرُوحٌ مِّنْهُ
وسنحاول في هذا الجزء من المقالة الخوض في هذه القضايا تباعاً، فالله وحده أسأل أن يأذن لي الإحاطة بشيء من علم من لدنه لم أكن أعلمه من قبل، ولا ينبغي لأحد غيري، إنه هو السميع العليم.
أما بعد،
لا شك عندنا أن المسيح هو نفسه عيسى بن مريم وأن عيسى بن مريم هو المسيح نفسه، لكن هذه الحقيقة تجلب في ثناياها التساؤل التالي: لماذا يحمل هذا الرسول الكريم اسمين اثنين (الْمَسِيحُ  عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
رأينا المفترى: نحن نظن أن هذا الرسول الكريم كان اسمه الْمَسِيحُ  قبل أن يصل إلى بطن مريم ليصبح عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فقد جاء – في ظننا- من عند ربه بهذا الاسم (أو لنقل الصفة)، وما أن ألقي إلى مريم حتى أصبح اسمه عيسى بن مريم، لذا فإن فإننا نظن أن هذا الرسول الكريم قد مرّ بمرحلتين:
-        المرحلة الأولى عندما جاء به رسول رب مريم كـ كلمة فألقاها إلى مريم وحينها كان اسمه المسيح فقط
-        المرحلة الثانية بعد أن ألقي إلى مريم فأصبح عيسى بن مريم
لكن هذا الطرح يثير على الفور التساؤل التالي: ما معنى المفردة (الْمَسِيحُ)؟ أو بكلمات أكثر دقة: لماذا سمي الْمَسِيحُ أصلاً؟
جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن السبب في ذلك يعود إلى طبيعة خلق المسيح عيسى بن مريم، ولكن كيف ذلك؟
جواب: نحن نظن أنه من أجل فهم طبيعة آلية خلق المسيح فلابد من ربطها بطريقة خلق آدم من ذي قبل، فالمقارنة بين المسيح وآدم معقودة في الآية الكريمة التالية:
          إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59)
فالمدقق في الآية الكريمة يجد أن تمثيل عيسى بآدم جاء في هذه الآية الكريمة ليبين صراحة طريقة الخلق، وهي التراب (خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ)، لذا نحن نتجرأ على تقديم الافتراء الخطير التالي: لقد كانت مادة خلق عيسى (كما كانت مادة خلق آدم) هي التراب[3]. فكلاهما خلق من تراب، ولكن هناك اختلاف في آلية الخلق التي حصلت لكل منهما، فكيف تم خلق كل منهما؟
رأينا: لقد تم تحويل التراب الذي خلق منه آدم إلى طين:
إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)
ولا شك عندنا- أن الله هو من وضع يديه بنفسه في خلق آدم:
          قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75)
وهنا يثار التساؤل التالي الذي نحاول جاهدين الوصول إليه وهو: إذا كان الله قد خلق آدم بيديه، فهل خلق الْمَسِيحُ بيديه؟
رأينا: كلا، لكننا نظن أن الذي حصل في حالة المسيح هو أن الله قد مسح على التراب الذي خلق منه الْمَسِيحُ بيديه، بدليل أنه أصبح المسيح، فالمتدبر لمادة مفردة " الْمَسِيحُ " يجد أنها مشتقة من المسح كالتي تحصل في حالة التطهر من الجنابة:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)
أو التطهير للصلاة:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)
فالمسح يتطلب- برأينا- استخدام اليد لتقع على الممسوح كما في حالة الوضوء، لذا نحن نتصور المشهد على النحو التالي: يأتي الأمر الإلهي بخلق المسيح، يحضر التراب الذي سيخلق منه المسيح، يمسح الله بيديه على ذلك التراب ليطهره، فيكون الْمَسِيحُ بأمر ربه بكن فيكون (خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، وما أن يتطهر ذلك التراب بعد أن مسحه الله حتى يحمله رسول رب مريم ليهب لتلك المرأة غلاماً زكيا:
          قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)
فينفخ ذلك الرسول التراب في فرج مريم:
وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)
فتحمل مريم ذلك التراب (أو المسيح) في بطنها، وتنتبذ به مكاناً قصيا:
          فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22)
وعند تلك النخلة يأتيها المخاض، وتضع رسول الله وكلمته الْمَسِيحُ، فيكون (بالإضافة إلى أنه المسيح يكون) عيسى بن مريم.




باب المسيح: كلمة من الله
سؤال: إذا كان المسيح تعني أن الله قد مسح على التراب الذي خلق منه المسيح بيديه، فكيف يكون كلمة منه وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ؟
إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)
وكانت واحدة من مهام يحيى بن زكريا أن يصدق بتلك الكلمة:
فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)[4]
ففي حين أن المسيح هو كلمة الله التي ألقاها إلى مريم (بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) كان دور يحيى بن زكريا يقتصر على تصديق تلك الكلمة (بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ)، لذا سنطرح التساؤلات الآن على النحو التالي:
-        لماذا المسيح وحده هو كلمة من الله؟
-        لِم لَم يكن محمد أو موسى أو إبراهيم، الخ كلمة من الله؟
-        لم جاء يحيى ليصدق بتلك الكلمة؟
-        الخ.
رأينا: نحن نظن أن الإجابة على هذا التساؤل يمكن أن تستنبط من الآية الكريمة التالية:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)
فمما لا شك فيه عندنا أن المسيح كمحمد وكموسى وكإبراهيم هو رسول الله (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ)، ولكن السؤال الذي تثيره الآية الكريمة السابقة هو: أين هم قوم المسيح إن كان رسول الله؟ أليس كل رسول يرسل بلسان قومه كما تشير الآية الكريمة (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ)؟ فهل كان لعيسى بن مريم قوم ليبين لهم بلسانهم؟
رأينا: كلا وألف كلا، لم يكن لعيسى بن مريم قوم ليبين لهم بلسانهم، فهو قد بعث إلى بني إسرائيل ولكنه ليس من بني إسرائيل، انظر الآية الكريمة التالية جيداً:
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (6)
فالآية تشير بصريح اللفظ أن عيسى كان رسولا  إلى بني إسرائيل ولم يكن رسولاً من بني إسرائيل كما كان الحال بالنسبة لجميع رسل الله. انظر مثلاً صيغة الخطاب عن نوح:
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ (71)
وعن إبراهيم:
وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (16)
وعن موسى:
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)
وعن لوط:
وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ (80)
وعن محمد نفسه:
تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)
وعندما تفقدنا صيغة الخطاب على نحو "يَا قَوْمِ" وجدنا أنها قد وردت في كتاب الله على لسان كل رسول أرسله الله إلى الناس باستثناء عيسى بن مريم:
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (65)
وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (85)
السؤال: فهل هذا – يا سادة- من قبيل المصادفة؟ ولماذا لم ترد هذه الصيغة على لسان عيسى بن مريم؟ ولو تدبرنا الخطاب الوارد في كتاب الله عن عيسى بن مريم لوجدنا الفصل واضحاً بينه وبين بيني إسرائيل الذي أرسل إليهم:
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (6)
افتراء خطير من عند أنفسنا: نحن نعتقد أن عيسى لم يتوجه إلى بني إسرائيل على أنهم قومه، لذا نحن نظن جازمين أن عيسى بن مريم لم يكن له قوم، فهو لا ينتمي لنا نحن الناس، ولكنه – كما أسلفنا- بشر، وكفى.

تبعات هذا الظن
السؤال: ماذا يفيد مثل هذا الهراء الذي تقول؟ يرد صاحبنا.
رأينا: نحن نظن أن هذا التصور ربما يساعدنا (إنْ صحّ) في تفسير كثير جداً من الظواهر التي رافقت رسالة المسيح عيسى بن مريم، وربما تساعدنا في تصحيح الغلط الذي نظن أن أهل الديانة النصرانية قد وقعوا فيه، وكثير من الغلط الذي نعتقد جازمين أن أهل الدراية من أهل الإسلام قد أشكل عليهم. وسنحاول أن نتعرض لها تباعاً.
المبحث الأول: عيسى بن مريم لم يتحدث لغة قوم قط
المبحث الثاني:  وجود يحيى متزامنا من عيسى
المبحث الثالث: عيسى بن مريم هو الوحيد الذي له حواريين
المبحث الرابع: عيسى بن مريم هو الوحيد الذي جاء كتابه (الإنجيل) بأكثر من نسخة

المبحث الأول: عيسى بن مريم لم يتحدث لغة قوم قط
نحن نفتري الظن بأن عيسى بن مريم لم يكن يتحدث لغة الناس (لسان) الذين حوله قط، وهذا الظن نابع من المشاهدات التالية:
1.     مادام أن كل رسول قد أرسل بلسان قومه، لم يكن لعيسى بن مريم قوم حتى يتحدث بلسانهم، فهو قد أرسل إلى بني إسرائيل، ولكنه لم يكن يتحدث لغة بني إسرائيل، وإلاّ لكان كتابه (الإنجيل) الذي جاء به عبرانياً ككتاب موسى
2.     لقد تحدث عيسى ابن مريم منذ اليوم الأول لولادته، لذا فهو لم يتعلم لسان قوم بعينهم، وهنا برأينا وقع الغلط الأكبر في الفهم عند كل من سبقنا من أهل الدراية، فهم قد ظنوا أن عيسى بن مريم قد تحدث بلسان قوم أمه الذين أتتهم مريم تحمله إليهم:
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)
فظن المفسرون أن عيسى قد تحدث بلغة القوم عندما أشارت إليه أمه:
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)
ولعلي أحسب أن علماءنا الأجلاء قد ظنوا أن القوم قد تحدثوا مع عيسى، وأنهم قد فهموا ما قاله الصبي لهم.
افتراءات من عند أنفسنا: نحن نحاول أن نسوق للفهم البديل المفترى التالي:
1.     لم يتحدث عيسى بلسان القوم الذين أتتهم أمه تحمله إليهم، ولكنه تحدث بلسانه الخاص به،
2.     لم يفهم القوم ما قال المسيح عندما تحدث بلسانه الخاص به.
الدليل
إن المتدبر للنص القرآني يجد على الفور أن القوم لم يتكلموا مع الصبي قط، فهو الذي بادرهم بالحديث مباشرة بعد أن أشارت إليه أمه:
قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)
ونحن نظن أنه كان يجب على من يقرأ مثل هذا في كتاب الله أن يتساءل قائلاً: لِم لَم يرد القوم الخطاب على الصبي؟ لِم لَم يحصل حوار بينهم وبينه؟ فهل يمكن أن يترك علماء بني إسرائيل – يا سادة- هذه الفرصة الذهبية لتطير من بين أيديهم دون أن يستفيدوا منها؟
رأينا المفترى: لقد غرق الفكر المسيحي في الحديث عن حياة عيسى في طفولته وخاصة عن مولده، ثم تراهم يغرقون حتى الثمالة من جديد للحديث عن عيسى بن مريم الشاب في سن ما يسمونه "بالكرازة"، أي فترة بث تعاليمه الجديدة. فهم إذاً يتحدثون عن عيسى الصبي الذي في المهد، ويتحدثون عن عيسى الشاب المعلم المحدّث الناشر لتعاليم الدين الجديد، ولكن كتبهم لا تكاد تذكر شيئاً عن حياة المسيح في صباه (أي ما بعد سن المهد وقبل سن الكرازة)، فأين يا ترى هذا الصبي الذي يتحدث في المهد؟ كيف نشأ بين القوم؟ وهل كان علماء بني إسرائيل سيغفلون عن هذا الصبي طيلة هذه الفترة من الزمن؟ هل كانوا سيتركونه وشأنه وهم الذين يعلمون خطره على ديانتهم اليهودية؟

وبالمثل، بماذا حدّث الفكر الإسلامي الشائع عن حياة المسيح الوسطى؟ إن جلّ ما تناقله الفكر الإسلامي السائد عن هذا الرسول الكريم هو ميلاده ووفاته (بالضبط كما فعل أهل الديانة النصرانية من قبلهم)، فأين يا ترى قصة المسيح في صباه وشبابه؟ ألم يتعرض القرآن الكريم مثلاً لقصة موسى بالتفصيل الكامل حتى قبل بعثته؟ ألم يخبرنا ماذا فعل موسى عندما هرب من بيت فرعون؟ ألم يتحدث القرآن عن قتل موسى للرجل وهروبه إلى مدين وزواجه هناك ورعايته الغنم؟ وماذا عن قصة يوسف أيضاً؟ ألم تكن أحسن القصص في كتاب الله؟
السؤال المربك لي: لماذا اكتفى الفكر الإسلامي بسرد قصة المسيح في بدايتها (ولادته) وفي نهايتها (وفاته) فقط؟
افتراء خطير جداً من عند أنفسنا: نحن نظن أن طرحنا الجديد المفترى من عند أنفسنا (والبديل للفكر السائد الذي نظن أنه خاطئاً) ربما يحل مثل هذه الإشكالية، ولكن كيف ذلك؟
رأينا: إذا استطعنا أن نتصور أن المسيح لم يكن يتحدث لسان (لغة) قوم ما، فإننا نستطيع أن نفهم السيناريو على النحو التالي: عندما أتت مريم قومها تحمل المسيح، استغرب القوم وجود الغلام بين يديها وهي تحمله، فاستفسروا منها عنه:
          فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)
فأشارت إلى الغلام ليخاطبوه ويتحدثوا معه:
          فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)
فكان الاستنكار والاستغراب هو ردة فعلهم الأولى، أي مستغربين أن يتحدثوا لمن كان في المهد صبيا، فهم لم يعهدوا أحداً يتحدث في المهد من ذي قبل، وهنا يلجم لسان القوم مباشرة عندما بادرهم الغلام من تلقاء نفسه بالحديث قائلاً:
قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)
ونحن نظن أنه قد نطق بهذا الكلام بلغته الخاصة وليس بلغتهم، فتعجوا من أمره لأنه بالفعل يتحدث بلسان (لغة) ولكنه ليس كلسانهم (كلغتهم)، وإلاّ لربما جرى – برأينا- تبادل الحديث بينهم وبين الغلام. لذا كان هذا هو السبب- في ظننا- الذي ربما أسكتهم فلم يستطيعوا أن يردوا له الخطاب، ولتوضيح الفكرة نضرب المثال التالي:
تخيّل نفسك في السوق، ووجدت قوماً يتحلّقون حول غلام يتحدث بلغة ليست بلغة القوم أهل ذلك السوق، ألا تعلم حينها أن الغلام يتحدث بلغة ما (لسان) وأنه قادر على الكلام؟ لكن السؤال الذي يجب أن يثار عندها:
-        هل فهمت كلام الغلام ما دام أنك لا تعرف لغته؟
-        وهل تستطيع أن ترد عليه القول مادام أنك لا تفهم ما يقول؟
رأينا: كلا وألف كلا. وهذا ما نظن أنه قد حصل في حالة المسيح مع القوم. لقد تحدث المسيح بكلام، فعلم القوم أنه يتحدث بلسان مختلف عن لسانهم، لذا لم يفهموا ما قال الغلام حينئذ، ولم يستطيعوا أن يردوا عليه القول. فسكت الغلام وسكت القوم أجمعون.
ونحن نظن أنه لو فهم بنو إسرائيل الكلام الذي قاله الغلام حينئذ لما تركوه وشأنه حتى يكبر ويشتد عوده، لأن الغلام أعلنها منذ اللحظة الأولى أن الله قد آتاه الكتاب وجعله نبيا:
          قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)
ونحن نتخيل أنه لو فهم نفر من بني إسرائيل ما قاله الغلام في تلك اللحظة لما ترددوا في قتله، فمن كانت سيرتهم قتل أنبياء الله، ومن فعلوا المستحيل للتخلص من عيسى بن مريم يوم أن حدّثهم بتعاليم الدين الجديد ما كانوا سيترددون عن فعل ذلك لو علموا خبر ما قال لهم المسيح في تلك اللحظة:
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157)
ولكن لمّا سمع القوم قولاً لم يفهموا فحواه، لم يستطيعوا أن يبتوا أمرهم فيه. فبعد أن تفقدنا السياقات القرآنية وجدنا ملحوظة نظن أنها غاية في الأهمية في طبيعة خطاب الرسل مع أقوامهم، والملحوظة تتمثل في أن الخطاب كان يجري بين الرسول على نحو أن الرسول يقول للقوم شيئا، فيرد القوم عليه بقول من عندهم كما حصل في حالة نوح:
          قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32)
          قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116)
وإبراهيم:
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)
ولوط:
          قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167)
و شعيب:
قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)
قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91)
و صالح:
          فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77)
وموسى:
قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)
ولكننا لم نجد مثل هذه الصيغة قد وردت في كتاب الله بخصوص المسيح عيسى بن مريم، فليس هناك نص يبين أن القوم قد توجهوا بالخطاب مباشرة إلى رسولهم، وما حصل ذلك إلا مع الحواريين بعد أن أوحى الله إليهم مباشرة:
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112)[5]
فالمتدبر للنص القرآني يجد أن الحوار جرى بين عيسى بين مريم وهؤلاء النفر من الناس (الحواريين) بعد أن حصل الوحي المباشر من الله لهم، فكانوا حواريين. (وسنرى بعد قليل بحول من الله وتوفيق منه سبب تسميتهم بالحواريين)
ولكن بنو إسرائيل لم يكونوا ليتقبلوا رسولاً ليس من قومهم، ولما كان عيسى بن مريم ليس منهم (بل رسولا إليهم)، ولما كان عيسى لا يتحدث لغة يفهموها، كان لابد من وجود شخص موثوق من بينهم يصدق بعيسى بن مريم ككلمة من الله، فما حصل ذلك إلا على لسان يحيى (بن زكريا) ليصدق بتلك الكلمة:
فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)[6]

المبحث الثاني: وجود يحيى متزامنا من وجود المسيح
غالباً ما تناقل أهل الديانة النصرانية خبر يحيى (أو يوحنا المعمدان كما تفضل بعض طوائفهم تسميته) على أن مجيئه كان ضرورة لتصديق رسالة عيسى بن مريم، ولكننا نطرح عليهم التساؤل التالي: هل يحتاج عيسى بن مريم إلى شخص آخر ليثبت صدقه؟ فهل من كانت مكانته بمكانة المسيح (ابن الله كما يظنون) يحتاج إلى إنسان عادي ليثبت له تلك المكانة؟ فهل أحتاج أنا كمسلم مثلاً أن أبحث عن ما قاله أبو بكر أو ما قاله عمر ليثبت لي صدق محمد؟ وماذا يشكل كلام أبي بكر أو عمر أو أي شخص آخر مقارنة بكلام محمد؟
فافهموا - يا سادة- ما سأقول لكم: إن كلام محمد بالنسبة لي كمسلم هو حجة على كل من سواه من بني البشر، وليس هناك إنسان مهما بلغ من العلم يمكن أن يضيف إليّ يقينا إذا ما قال محمد شيئا. وهذا بالضبط ما أظن أنه يجب أن ينطبق في حالة المسيح عيسى بن مريم، فكلام المسيح بالنسبة لي حجة بحد ذاته، وهو لا يحتاج إلى كلام غيره ليثبت صدق ما يقول، فما دام أن المسيح قد قال فهو صادق، والمسيح – لاشك- صادق فيما يقول سواء شهد له غيره بذلك أم لم يشهد.
والحالة هذه، كيف يمكن أن يكون يحيى بن زكريا مصدقاً بكلمة الله المسيح عيسى بن مريم؟
رأينا: نحن نظن أن طرحنا السابق ربما يحل هذه الإشكالية على النحو التالي: عندما لم يكن المسيح يتحدث بلسان القوم (قوم زكريا)، فهم لم يجزموا أمرهم فيه، والمسيح نفسه لم يتحدث إليهم بلسانه إلا في حالتين كما تشير الآية الكريمة التالية:
إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)
ونحن نفهم أن كلام عيسى بن مريم للناس لم يحصل إلا في هذين الموطنين وهما:
1.     عندما كان في المهد       (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ)
2.     عندما كان كهلا            (وَكَهْلاً)
ونحن نفتري الظن بأن كلام المسيح عيسى بن مريم في هذين الموطنين قد جري بلسان عيسى بن مريم نفسه وليس بلسان القوم الذين من حوله، لذا كان يصعب عليهم أن يفهموا ما يقول وإن كانوا متيقنين أنه كان يقول شيئا ما، وبكلمات أخرى نقول: لقد كان حديثاً من عيسى بلسانه إلى القوم الذين لا يعرفون لسان عيسى بن مريم، وقد كان جل كلام عيسى منصباً على القول:
1.     في المهد:         قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا
2.     كهلا:             وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ
مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا          سِحْرٌ مُّبِينٌ (6)
ولما كان بنو إسرائيل لا يستطيعون أن يفهموا كلام عيسى هذا لأنه كان بلسان غير لسانهم، كانوا بحاجة إلى من يستطيع أن "يفسر" لهم كلام المسيح عيسى بن مريم، فكان يحيى هو حلقة الوصل بين المسيح وبني إسرائيل، فهو الذي صدق بتلك الكلمة (أي قطع شك بني إسرائيل باليقين أن هذا الغلام هو المسيح نفسه الذي جاء ذكره في كتبهم)[7]، وكان الحواريون هم حلقة الوصل بين المسيح والناس كافة.

المبحث الثالث: وجود الحواريين مع عيسى بن مريم
نحن نعلم من مجمل العقيدة بأن عيسى بن مريم هو رسول الله الوحيد الذي كان له حواريين، فلم يكن لنوح ولا لـ إبراهيم ولا لـ موسى ولا حتى لـ محمد حواريين، فلم - يا ترى- كان لعيسى بن مريم على وجه الخصوص حواريين؟
رأينا: نحن نظن أن وجود الحواريين مع عيسى بن مريم كانت ضرورة قصوى مادام أن عيسى بن مريم لم يكن من قوم بعينهم ليتحدث لسانهم، لذا كان بحاجة إلى من "يشارك" في إيصال رسالته إلى الناس الذين لا يتحدث لسانهم، فكان بحاجة إلى أشخاص محددين يستطيعون أن يكونوا حلقة الوصل بين عيسى من جهة والقوم الذين أرسل إليهم من جهة أخرى، فكان الحواريون:
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)
أولاً، إن المتدبر للنص القرآني يجد أن عيسى بن مريم لم يسمع قول الكفر من أفواه القوم ولكنه فقط أحس بذلك (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ)، السؤال: كيف أحس عيسى الكفر منهم؟
رأينا: نحن نظن أن الإحساس لا يتم بالقول ولكنه يحدث بالشعور:
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)
فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ (12)
ثانياً، لقد طلب عيسى من نفر من الناس أن يكونوا أنصاره إلى الله:
قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ
فلم يجد أحدا ليكون له نصيرا إلى الله، ولكنه وجد الحواريين يقولون له بأنهم أنصار الله مباشرة:
          قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
نتيجة: لم يكن الحواريون أنصاراً لعيسى بن مريم ولكنهم كانوا أنصار الله.
ولما كان الحواريون أنصار الله مباشرة وجدنا في كتاب الله الآية الكريمة التالية:
          وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)
نتيجة: جاء الوحي مباشرة من الله للحواريين أن يؤمنوا به وبرسوله، فآمنوا وأصبحوا مسلمين.
وهناك حصل مباشرة أن طلب الحواريون أن يأكلوا مما كان يأكل رسولهم منه، فجاء في الآية التي تلت الآية السابقة قول الحق:
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112)
وكان تعليلهم لذاك على النحو التالي:
          قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)
فكانت النتيجة على النحو التالي:
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)
نتيجة: أكل الحواريون من المائدة واطمأنت قلوبهم وعلموا أن رسولهم قد صدقهم وكانوا على ذلك من الشاهدين.
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: لمّا كان الله هو نفسه من أوحى إلى الحواريين، استطاع الحواريون أن يفهموا لغة الوحي[8]، وبالتالي استطاعوا أن يفهموا كلام رسولهم ويفصلوه (ويترجموه) إلى الناس بلسانهم، فكانوا بمثابة حلقة الوصل بينه وبين الناس بما أوحى الله إليهم.

المبحث الرابع: لماذا الإنجيل على وجه التحديد متوافر بأكثر من نسخة واحدة؟
لعل في هذا المبحث أخطر الافتراءات التي نقدمها من عند أنفسنا على العقيدة، لذا فإني أطلب من القارئ الكريم أن لا يتابع القراءة بعد هذا السطر (إلا إن رضي أن يأخذ هذا الكلام على أنه رأي فكر فقط).
أما بعد،
نحن نظن أن أهل الدراية من أبناء المسلمين قد افتروا على أهل الديانة النصرانية ما لا يمكن لأحد أن يتحمله، عندما ظنوا أن أهل هذه الديانة قد عمدوا إلى كتابهم الإنجيل فغيروا به ما شاءوا أن يبدلوه حتى انتهى به أن يكون أكثر من نسخة. فأهل الدراية من أبناء المسلمين يستخدمون الحجة في تعدد نسخ الإنجيل على أنه دليل على صدق دعواهم بأن أهل هذه الديانة قد "بدلوا" كلام الله، أليس كذلك؟
رأينا: نحن نظن أن هذه هي الأكذوبة الأكبر التي تسلح به من ظن نفسه أنه من أهل الدراية من أبناء المسلمين، فطعن في معتقدات الآخرين زورا وظلما، متهما إياهم بخيانة الأمانة، ونسب إلى نفسه فقط مسؤولية حفظها. فتسلح بالآية الكريمة التالية ليروج لفكره الذي نظن أنه خاطئ بأن الله قد تعهد لهم فقط (دون خلق الله جميعا) حفظ كتابهم:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)
وتسلحوا – بالمقابل- بالآيات الكريمة التالية ليروجوا لفكرهم الذي نظن أنه أيضاً خاطئ بأن غيرهم من الأمم قد شطت بعيدا فلم تحفظ كلام الله الذي أنزل إليهم:
أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ (75)
مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46)
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)
رأينا
أولا، لم يُجِبْ أهل الدراية من أبناء المسلمين عن التساؤل الجوهري التالي: لماذا يتعهد الله لهم من دون الأمم الأخرى بحفظ كتابهم؟ ولم لم يتعهد لغيرهم بذلك؟ أليست تلك هي فكرة شعب الله المختار ولكن بمنطقهم؟
ثانياً، لم يُميِّزْ أهل الدراية من أهل الإسلام بين التحريف والتبديل، فتحدثوا عن التحريف بمعنى التبديل وخلطوا المعاني فضاعت الأفكار. فالآيات الكريمة السابقة تتحدث عن تحريف الكلم وليس عن تبديله (وهذا ما سنتناوله بعد قليل بحول الله وتوفيقه)
ثالثاً، أتهم أهل الإسلام النصارى بالتبديل لوجود أكثر من نسخة للإنجيل، وغفلوا في الوقت ذاته أن التوراة (وهي الأقدم) لا زالت نسخة واحدة. فهل يعقل أن يحصل التبديل على الإنجيل ليخرج بأكثر من نسخة بينما يبقى التوراة نسخة واحدة؟ فمن الذي بدل وغيّر بالإنجيل؟ ولم لم يفعل ذلك في التوراة؟
رابعاً، لو دقق أهل الدراية النظر في الآيات الكريمة السابقة التي تتحدث عن التحريف لوجدوا أن من قام بذلك هم اليهود وليس النصارى:
مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46)
السؤال: مادام أن اليهود هم من قاموا بفعل التحريف، فلِم لَم تصبح التوراة (كما الإنجيل) أكثر من نسخة؟
جواب: ربما يرد بعض أهل الدراية من مشايخنا العلماء بالقول بأن اليهود قد حرّفوا وبدلوا في الإنجيل الذي لم يكن كتابهم ولكنهم لم يبدلوا كتابهم التوراة؟
رأينا: لكن يا سادة، هل أمة النصارى سلبية لهذه الدرجة ليتركوا غيرهم يفعلون ما يشاءون بكتابهم وهم في سبات عميق؟ فهل يستطيع أحد أن يحرف كتابنا نحن (المسلمين) مادمنا موجودين؟ أنا أفهم أن من يقوم بالتحريف أو التبديل هو من تقع عليه المسؤولية، فلا أظن أن أمة تقبل أن يقوم غيرها بفعل شيء في معتقداتهم وحتى في تراثهم الشعبي ويبقوا هو صامتين لا يحركون ساكنا. من يدري!!!

فهمنا البديل: لماذا يتوافر الإنجيل بأكثر من نسخة؟
رأينا المفترى: نحن نظن أن الإنجيل على وجه التحديد يجب أن يكون أكثر من نسخة، ونعتقد جازمين أن القرآن الكريم – حسب فهمنا بالطبع- يثبت هذه الحقيقة. ولكن كيف ذلك؟
أولا، نحن نظن بادئ ذي بدء أن الله عادل لا يمكن أن يتحيز لأمة على حساب أمة أخرى، فإذا كان الله قد تعهد بحفظ كتابنا (كما يظن أهل الإسلام) فلابد أنه قد تعهد بحفظ كتاب غيرنا.
ثانيا، نحن نظن أن الله لم يتعد بحفظ قرآننا قط، ولكنه تعهد بحفظ الذكر، والآية الكريمة صريحة بلفظها:
          إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)
وشتان- في رأينا- بين الذكر والقرآن، فلو كان الله قد تعهد بحفظ القرآن، لوجدنا آية صريحة في كتاب الله تتحدث عن ذلك بصريح اللفظ (للتفصيل في الفرق بين القرآن والذكر، انظر مقالتنا تحت عنوان ماذا كتب في الزبور؟)
ثالثاً، لابد من التميز بين التحريف الذي تحدث النص القرآني عنه، وهو ما قامت به الأمم السابقة:
أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)
والتبديل الذي لا يستطيع بشر أن يقوم به مادام أن الله قد أثبت استحالة ذلك في أكثر من موطن من كتابه الكريم:
          لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)
وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27)   
نتيجة: لا يستطيع اليهود ولا النصارى ولا المسلمون أن يبدلوا كلام الله لأن تلك سنة كونية اختطها الله بنفسه، ولكنهم يستطيعون جميعاً أن يحرفوا كلام الله.
رابعاً، نحن نحمل العقيدة التي مفادها أننا نحن (المسلمين) قد حرفنا كلام الله كما حرفت الأمم الأخرى كلام الله. فالتحريف لا يقتصر على أمة بعينها بدليل قوله تعالى:
أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ (75)
خامساً: التحريف هي صنعة العلماء، فلا يمكن أن يتم التحريف إلا من قبل من كان عنده علم:
أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)
نتيجة مفتراة مهمة جداً: لقد حرّف اليهود والنصارى كلام الله ولكنهم لم يبدلوه، لذا فإننا نعتقد جازمين أن الإنجيل (كما التوراة) لم يتبدل فيه كلمة واحدة لأن ذلك مستحيل مادام أن الله قد تعهد بنفسه بأن لا تبديل لكلماته، ولكن تلك الكلمات قد حُرِّفت. ولكن كيف ذلك؟
افتراء من عند أنفسنا: نحن نعتقد جازمين أن التحريف يكون بتغير المعاني وليس بتغيير الألفاظ، لذا فإن الرسالة اليهودية قد شُوِّهت بمعانيها، وكذلك الرسالة المسيحية، وكذلك رسالة الإسلام، فكلنا في الهمّ شرق (كما يقول حكيمنا).
التحريف والتبديل
غالباً ما تغنى أهل الإسلام بأن القرآن نسخة واحدة، بينما الكتب الأخرى كالإنجيل مثلاً هو أكثر من نسخة، وقد ثارت تساؤلات عديدة حول هذه القضية: هل الإنجيل كالقرآن؟ هل قام عيسى بن مريم بتفصيل الكتاب بلسان قومه؟ لماذا نحن المسلمين نملك نسخة واحدة من القرآن بينما لدى أهل الديانة المسيحية أكثر من نسخة من الإنجيل؟ وهكذا.
جواب: لا أريد أن أدخل في جدلية صحّة الكتب المقدسة، ولكني سأقصر الإجابة هنا على سؤال واحد وهو: لماذا يوجد نسخة واحدة من القرآن بينما يوجد أكثر من نسخة من الإنجيل على وجه الخصوص؟
للإجابة على مثل هذا التساؤل نرى وجوب رد التهمة التي يلقيها أهل الإسلام جزافاً على الأمم الأخرى أولاً، ولكن لماذا؟
رأينا: غالباً ما ظن أهل الإسلام أن أتباع الديانات السماوية الأخرى قاموا بتحريف كتبهم بطريقة تبديل الكلمات، وقد حاولنا في مقالات سابقة لنا تبيان استحالة أن يقوم بشر بتبديل كلمات الله، مصداقاً لقوله تعالى:
          لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ                                                                                                             يونس (64)
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ                                                          الأنعام (34)
          وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ            الأنعام (115)
          وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا    الكهف (27)
لذا، نحن نظن أن أهل الديانات الأخرى قد حرفوا كلمات الله ولكنهم لم يبدلوها لأنهم ببساطة لا يستطيعون القيام لأن الله قد تكفل بنفسه بأن لا تبدّل كلماته. لكننا نعود إلى رد التهمة التي يلقيها أهل الإسلام على غيرهم بطرح السؤال التالي: إذا كان هؤلاء القوم (كما يظن أهل الإسلام) يحرفون كلام الله (بمعنى التبديل الذي يفهمه أهل الإسلام) فلماذا فعلوا ذلك بالإنجيل ولم يفعلوا ذلك بالتوراة؟ أي لماذا هناك أكثر من نسخة من الإنجيل بينما لا يوجد إلاّ نسخة واحدة من التوراة؟
جواب: لو كان كلام أهل الإسلام صحيحاً في أن ديدن تلك الأقوام هو تحريف كلام الله بمعنى تبديله، لفعلوا بالتوراة ما فعلوه بالإنجيل، ولربما كان هناك نسخ عديدة من التوراة كما أن هناك نسخ عديدة من الإنجيل. ولا ننسى أن التوراة كانت بين أيديهم فترة أطول من الزمن، فلو قام القوم بتبديل كلمات الله (بالمعنى الذي يفهمه أهل الإسلام)، لكان الأحرى أن يفعلوا ذلك على مدى الآلاف السنين والتوراة بين أيديهم، ولو راقبنا النص القرآني جيداً لوجدنا أن التحريف كان من صنعة يهود:
مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً                                                   النساء (46)
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ     المائدة (41)
وهنا سيطرح الجميع علينا التساؤل التالي: ما الذي فعلته الأمم السابقة إن لم تكن فعلاً قد أدخلت وحذفت وبدّلت ما أنزل الله عليهم؟
الجواب: لقد حرفت الأمم السابقة كلام الله ولكنها لم (ولن تبدله)، وكفى.
سؤال: ما الفرق بين التبديل والتحريف؟
جواب: التبديل هو – كما ذكرنا سابقاً- إحلال شيء جديد مكان شيء قديم سبقه، وهناك آيات كثيرة في كتاب الله ربما تثبت ظننا هذا، كإحلال الذي هو أدنى محل الذي هو خير (وذلك باستبداله):
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ                 البقرة (61)
وكذلك إحلال الكفر محل الإيمان:
أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ                                                                             البقرة (108)
وتبديل الخبيث بالطيب:
وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا                                                                                            النساء (2)
وتبديل الجلود بجلود غيرها:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا                                                           النساء (56)
واستبدال قوم بقوم غيرهم:
إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ                                                                               التوبة (39)
أو تبديل هذا القرآن بغيره:
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ                                                                                    يونس (15)
أو تبدل الأرض بغير الأرض في ذلك اليوم المعلوم:
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ         إبراهيم (48)
أو تبديل غلام بغلام خير منه:
وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81)                                                الكهف
أو إحلال الأمن مكان الخوف:
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ                                       النور (55)
أو إحلال الحسنات محل السيئات:
إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا                                                                                               الفرقان (70)
أو تبدل زوج مكان زوج:
لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا                                                           الأحزاب (52)
عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا                                                                   التحريم (5)
أو تبديل الجنتين بجنتين:
فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ                                                                            سبأ (16)
نتيجة: التبديل يكون عن طريق إحلال شيء جديد مكان شيء سابق.
أما التحريف فهو قصة أخرى تحصل بطريقة مختلفة عن التبديل، لذا سنطرح التساؤل التالي على الفور: ما هو التحريف؟
لننطلق في نقاشنا الذي نحاول من خلاله الوصول إلى معنى التحريف من الآية الكريمة التالية:
أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ                                                                          البقرة (75)
لنثير التساؤل التالي: كيف يشهد الله بأن فريق منهم كان يسمع كلام الله ثم يحرفونه (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ)؟ ولا ننسى كذلك أن الآية الكريمة تؤكد أن هذا التحريف كان يحصل بعد أن يعقلوه (مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، فهو تحريف عن علم (وليس عن عدم دراية أو عن جهل)، أليس كذلك؟ 
إن هذه الآية الكريمة تجلب إلى انتباهنا حقيقتين كبيرتين جداً حول التحريف الذي حصل للكتب السابقة وهما:
1.     أن التحريف لم يكن صنيعة كل من اتبع تلك الديانات وإنما هو صنيعة فريق منهم (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ)، لذا سنثير التساؤل التالي: إذا كان من يقوم بالتحريف هو فريق منهم، فماذا كان يفعل الفريق الآخر (أو الفرق الأخرى إن كان هناك أكثر من فريقين)؟ إننا نفتري الظن بأنه من باب الاستحالة أن يكون كل أتباع تلك الديانات قد قبلوا ما قام به فريق منهم. فلو قام فريق منهم بالتحريف (كما فهمه أهل الدراية من أتباع ديانة الإسلام) لما سكت عن ذلك بقية الناس من أتباع تلك الديانة.
2.     أن التحريف لم يكن عن جهل وإنما كان مقصوداً لذاته بعد أن كان من يقوم بتلك الصنعة على علم (ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
والآن لنطرح السؤال التالي: من الذي كان يقوم بالتحريف إذاً؟
الجواب: إن صحّ ما نزعم فإن التحريف كان صنيعة أهل العلم في تلك الديانات، أي العلماء.
ولو أمعنا التفكير في كل الآيات التي تتحدث عن تحريف الكتب السابقة لوجدنا أن الذي كان يقوم بتلك الصنعة هم أهل العلم فقط، أو (لنقل) من وضعوا أنفسهم في موضع المدافع عن الدين، وهم لا شك من يسمّون أنفسهم بأهل الشريعة، الذين تنقاد لهم العامة انقياد القطيع للراعي:
مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا                                النساء (46)
فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ                                                            المائدة (13)
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ                                                                         المائدة (41)
إذاً، فهم أصحاب القرار الديني الذين يوجّهون الناس على أخذ هذا وترك ذاك "يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواإنهم أهل الفتوى الدينية أو أهل صكوك الغفران في العقائد السابقة، ولا أخال أن العامة يستطيعون التصدي لمثل تلك المهمة، لأنّه لابد أن تكون لمن يقوم بمثل هذا العمل الخطير شرعيّة وقبول عند الناس، فآية الله على الأرض- أو من هو في مكانته كالقسيسين والرهبان والحبر الأعظم ومن هم من هيئة كبار العلماء- هو فقط من يستطيع القيام بتحريف كلمات الله.

ولكن توقف يا رجل، ما الذي تقول؟ أتق الله! وهل يحرف أهل الشريعة كلام الله؟ وكيف يفعلون ذلك؟
فنرد بالقول: تمهل لترى بنفسك، ولكن بشرط أنْ نفهم أولاً معنى تحريف الكلام، أي كيف يتم تحريف الكلام؟
إنّ تحريف الكلام – حسب فهمنا للنص القرآني- لا يتم بتبديله، ولكنه يتم بطرق أخرى: أولها استبدال المعاني وليس استبدال الألفاظ، وثانيها إخفاء ما يسبب الإشكال عند الناس. وهذا ما سنناقشه تباعاً في الحال.
التحريف باستبدال المعاني وليس باستبدال الألفاظ
قد لا يختلف الكثيرون في أنّ واحدة من أهم مهام أهل الشريعة هي تبيان معاني الألفاظ في الكتب المقدسة للناس، فعلماء المسلمون يفسرون ألفاظ القرآن لأتباع هذه الديانة، وهكذا يفعل علماء اليهود والنصارى، وربما جاءت الحاجة إلى ذلك بسبب ما وقع الناس فيه من إشكالية في فهم النص الديني، فلا يستطيع كل الناس فهم النص الديني كما يجب من تلقاء أنفسهم (لأنهم ببساطة قد أوكلوا لغيرهم القيام لهم بالمهمة)، عندها يلجئون- مضطرين- إلى من يسمون أنفسهم أهل الشريعة لتبيان معاني الألفاظ الموجودة في الكتب المقدسة كالتوراة والإنجيل والقرآن. وهنا تبدأ قصة التحريف الأولى. خصوصاً عندما يقوم كل من تصدى لهذا العلم بإعطاء رأيه دون دليل عليه من الكتاب نفسه. ولنقدم بعض الأمثلة على ذلك.
-        فلو ذهبنا إلى أهل الدين لنسألهم عن مفردة في كتاب الله، لوجدنا كل فرقة وكل طائفة تفهمها وتحاول أن تقنع الناس بفهمهم ذاك، فلو ذهبنا إلى أهل الشريعة في الإسلام وسألناهم عن معنى البقرة التي وردت في قصة موسى مع بني إسرائيل لما عدمنا فرقة منهم أن تقول أن البقرة هي عائشة زوج النبي، ولكن لو سألناهم عن دليلهم على ذلك لما وجدناهم يقدمون دليلاً على زعمهم ذاك من كتاب الله نفسه، بل جلّ ما يفعلوه هو أن يرددوا على أسماعنا بأن هذا ما قاله فلان وذاك ما قاله علاّن (من مشايخهم الذين تلقوا العلم عنهم)، فيا سبحان الله: البقرة هي عائشة عند بعضهم (رضي من رضي وغضب من غضب)، وهي بالتأكيد ليست عائشة عن الفرق الأخرى (رضي من رضي وغضب من غضب)، أليس هذا تحريف لكلام رب العالمين؟ من يدري!!!
-        ولو سألنا عن (ما يرغب أن يسميها أهل الإسلام بـ)حادثة الإفك، لوجدنا فرقة منهم تقول أن آيات التبرئة من الإفك قد نزلت بحق عائشة، بينما لا تنفك فرق أخرى أن تقول أنها نزلت بحق مارية القبطية، ولو سألنا كل طرف عن دليله، لما عدم كل طرف أن يحشد عشرات الأدلة على قوله، ولكن الحقيقة التي لا يمكن المجادلة فيها هي أن أدلتهم تخلو جميعاً من دليل واحد من كتاب الله نفسه، أليس هذا تحريف لكلام الله؟ من يدري!!!
-        ولو سألتهم عن معنى مفردة الأهل في قوله تعالى:
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)
لقالت فرق منهم أنّ ذلك بيت النبي محمد باستثناء زوجته عائشة، فالأهل بالنسبة لهم هم أبناء النبي وبناته وأحفاده وحتى خالاته وعماته وأبناء عمومته (خصوصاً فرع العباس) إلاّ عائشة، سبحان الله!، ولكن ألم تقرءوا – يا سادة- قول الله تعالى:
          قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا ۚ قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا ۖ لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32)
فإذا كانت مفردة الأهل لا تشمل الزوجة، فلم يضطر الإله أن يذكر زوجة لوط بصريح اللفظ، لقد كان الأولى بالإله – إن صح قولكم- أن يقول لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ وكفى، فالزوجة –حسب فقهكم- يشمل الجميع إلا الزوجة، أم هي فقط عائشة على وجه التحديد؟! أليس ذلك تحريف لكلام الله؟ من يدري!!!
ثم ألم تقرءوا - يا سادة- في كتاب الله أن موسى قد سار بأهله من مدين، فمن يا ترى كان برفقته إن لم تكن زوجته التي تزوجها في مدين:
فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ            القصص (29)
-        ولو سألنا جميع علماء الفرق الإسلامية سؤالاً كهذا: لماذا تزوج الرسول بذاك العدد من النساء في مخالفة واضحة لما فهموه من النص الديني لتعدد الزوجات الذي يقتصر على العدد أربعة؟ لقالوا تلك خصوصية للنبي، وفي الوقت ذاته هم يعلّمونا ليل نهار أن الخير كل الخير في إتباع سنة محمد، وذلك بأن لا نترك صغيرة ولا كبيرة فعلها النبي إلا ونفعلها، لم إذاً تمنعونا – نحن نتساءل فقط يا سادة- من أن نتزوج بمثل العدد الذي تزوج به محمد؟ هل عندكم من دليل من كتاب الله يستند إليه قولكم؟ أم هو فقط ما ورثتموه عن مشايخكم؟ أليس هذا تحريف لكلام الله؟ من يدري!!!
-        ولو سألناهم عن عمر نوح لقالوا أنه عاش 950 عاماً في الوقت الذي نجد أن الله يقول في كتابه:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ                                                                                              العنكبوت (14)
ولو استدركتهم بالقول أن الله لم يقل أن نوح قد عاش 950 عاماً، بل ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولا يجوز أن نطرح العام من السنة، لردوا على الفور: وما الفرق؟ ولرأيت في وجوهم الحيرة ويكأنهم يقرؤون الآية الكريمة لأول مرة بعد أربعة عشر قرناً من التنزيل، أليس هذا تحريفاً لكلام الله؟ من يدري!!!
-        ولو سألنا غالبية علماء المسلمين (وخاصة أهل السنة والجماعة الذين يروجون للتمسك بحرفية الدين) عن معنى مفردة رجالاً في قوله تعالى:
          وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ       الحج (27)
لما ترددوا في القول أن ذلك يعني راجلين (أي يمشون على أرجلهم)، فنقول لهم: كيف لنا – إن صح زعمكم- أن نحج بالسيارة أو الطائرة أو الباخرة إذاً؟ ألا يدعونا الله إلى الحج راجلين، فما بالنا نركب كل وسائط النقل من الدابة حتى الطائرة؟ وكيف بمحمد نفسه (وهو من نزلت عليه هذه الآية) يحج البيت راكباً على دابته إن كان فعلاً ما تقولونه صحيحا؟ والأهم من ذلك، دعنا ننظر إلى خارطة العالم: أليس هناك قارات بأكملها تفصل بينها وبين جزيرة العرب محيطات من الماء، فكيف بأولئك القوم سيقدمون إلى الحج راجلين (ماشين على أقدامهم)؟ أليس هذا تحريف لكلمات الله؟ من يدري!!!
-        فلو سألنا الغالبية الساحقة من أبناء المسلمين عن معنى مفردة عاقر في الآية الكريمة التالية:
          وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا مريم (5)
لظنت الغالبية الساحقة من أبناء المسلمين أنها تعني المرأة التي لا تنجب، ولو استدركتهم بالسؤال التالي: فما العقيم إذاً كما ترد في الآية الكريمة التالي:
          فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29)؟
لرأيت الدهشة بادية على وجوهم وكأنهم يقرؤون تلك الآيات للمرة الأولى في حياتهم. نعم، بعد أكثر من 1400 سنة من ترداد هذه الآيات صباح مساء لازلنا نعجز عن إجابة أسئلة بسيطة جداً مثل هذه، ولكن لماذا؟
الجواب: لأننا انشغلنا عن ألفاظ القرآن نفسها بتحريفات من يظنون أنفسهم أنهم أهل العلم مصداقاً لقوله تعالى:
ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن التحريف – يا سادة- لا يكون بتغير اللفظ أو استبداله، بل بترك اللفظ على ما هو عليه وإشغال الناس بمعناه الخاطئ الذي أراده أهل العلم أن يكون في النص الديني، وليس المعنى الصحيح للفظ الحقيقي الموجود في كتاب الله كما أراده الله. لقد قال لنا نفر من أهل الراية (سادتنا العلماء) أن هذا يعني كذا، وذاك يعني كذا، فصدّقناهم وأنزلنا كلامهم درجة من القداسة التي أصبح من المتعذر معها أن نضعها مرة أخرى للنقاش، وأصبح رأيهم ويكأنه حجة على كلام الله، فمن يستطيع البوح أن ابن عباس قد أخطأ أو أن أبن عمر قد جانب الصواب أحياناً؟ ومن يجرؤ أن يدّعي أن واحداً من أهل البيت قد كانت طبائعه أقرب إلى طبائع أهل الأرض؟ ومن يستطيع البوح أن هناك – ولو من الناحية النظرية- مجالاً متوافرا في هذا الدين لمذهب خامس يختلف ويضيف إلى مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأبن حنبل؟ ومن يستطيع أن يبوح – ولو من باب ما رأى في المنام- أن أهل العلم قد أخطئوا جميعاً في مسألة ما من أحكام الوضوء أو الصلاة أو الحج أو الصدقة أو الذبيحة أو النكاح أو ما يؤكل وما لا يؤكل، الخ؟
نحن نظن أنه لو فعل واحد من أبناء المسلمين وأدعى شيئاً من ذلك، لنصّب أهل الشريعة من أنفسهم آلهة على الأرض، وأصدروا عليه الحكم الأزلي بالخلود في نار جهنم (هذا إن كنت تستحق عناء المحاكمة أصلاً كما فعلوا لرشيد الجراح وأمثاله). نقول لهؤلاء جميعاً مقولتنا التي كررناها مرات ومرات: أسألكم بالله إذا كانت مفاتيح الجنات في جيوبكم فلا تفتحوا لنا أبوابها متى طرقناه عليكم بعد يوم الحساب)

الدليل
وقد يقول من يريد الحجة (وليس المجادلة): وأين الدليل على كلامك بأن التحريف هو حمل الكلام على غير معناه الصحيح مع الاحتفاظ باللفظ؟
الجواب: نقول بأننا يمكن أن نستنبط ذلك من قول الحق في كتابه الكريم:
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ                                                                    الأنفال (16)
فالمتحرّف للقتال لا يترك ساحة المعركة وإنما يحاول أن يغير طريقته في القتال، فهو عندما يجد أن الأعداء قد يتغلبوا عليه إن هو أصر على المكوث في وضعه ذاك وهو ولم يعد قادراً على مواجهتهم من هذا الجانب وبالحال التي هو عليها، ما يكون منه إلا أن يتحرف للقتال، أي يحاول المواجهة بطريقة أخرى، فيصبح التحريف أقرب إلى المناورة والمراوغة، وهكذا يفعل – برأينا- سادتنا ومشايخنا ممن يسمون أنفسهم بالعلماء، فهم ما أن يجدوا أن ما نشئوا عليه من أفهام عشرات بل مئات السنين لم يعد يخدم مصالحهم، وأصبح فجوة واضحة في موقفهم، لا يترددون قيد أنمله في أن يطرحوه وراء ظهورهم، وينتقلوا إلى الهجوم من جديد ولكن بأدوات وأسلحة وطرق جديدة، وبكلمات أكثر دقة، فهم على الدوام قادرون أن يتحرّفوا.
ثانياً، لو قرأنا الآية الكريمة التالية من كتاب الله لوجدنا أنها تصوّر – برأينا- حالهم أحسن تصوير:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ                       الحج (11)
فالذي يعبد الله على حرف لا ينفك أبداً عن تغيير مواقفه حسب الظروف والأحوال، فإن كان خيراً رأيت منه كل إمارات الاطمئنان والثبات، وما أن تصيبه فتنة من الله حتى ينقلب على عقبيه على الفور وكأن خيراً لم يصبه قط. أليس هذا هو التقلب في الأهواء حسب الأحوال؟ أليس هذا هو التحريف.

تحريف الكلام بإخفائه وعدم إظهاره للناس
أما الطريقة الثانية في تحريف الكلام فتكون بإخفائه وعدم إظهاره على الناس، وقد أكد الله أن هذه الفعلة الشنيعة كانت من صنيعة أهل الكتاب:
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ                                           المائدة (15)
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ           الأنعام (91)
نعم، لقد كانت تلك سياسة متبعة عند بني إسرائيل: إخفاء كثير من الكتاب (وليس تبديل الكلمات)، فالكلمات الأصلية موجودة في الكتاب ولكن قلّ من يعلمها من الناس بسبب محاولة علماؤهم الدءوبة على إخفاءها، فهم يروجون فقط لما ترغب أنفسهم أن يروجوا له، ويخفون ما لا يريدون للعامة أن يطّلعوا عليه.
-        فلو أنت حدّثت عامة المسلمين عن حديث رضاع الكبير، لوجدت الوجوم على وجوههم متى أخبرتهم أن هذا حديث في الصحاح.[9]
-        ولو أنت حدثتهم عن محاولة النبي الصعود إلى رؤوس الجبال في محاولة للانتحار، لكان الاستغراب أكبر على وجوههم متى أخبرتهم أن هذا موجود في حديث الوحي الذي يبدأ به أحد الصحاح، ولكن، هل قرأ أحدهم ما في هذه الكتب؟[10] ألم يتركوا ذلك لأهل العلم ليقرؤوه لهم؟ ولكن هل أخبر أهل العلم القصة كلها للناس؟ أم اكتفوا فقط بما يرغبوا هم أن يطلعوا العامة عليه؟ أليس هذا هو فعل إخفاء ما في الكتاب الذي جاء ذمّه صريحاً في كتاب الله؟ من يدري!!!
إننا نرى في قول الحق مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ دليلا واضحا على أنهم لم يبدلوا ما في الكتاب (أي لم يزيدوا عليه ولم ينقصوا منه شيئاً)، وذلك لأن من يقوم بفعل الإخفاء لا يستطيع أن يقوم بذلك إن لم يكن هناك شيء موجود أصلاً ليتم إخفاءه. ولنستطرد قليلاً في محاولة منا فهم معنى الإخفاء كما يرد في النص القرآني، ولنستعرض الآيات الكريمة التالية لنرى أنه عندما تخفي شيئاً فلا بد أن يكون موجوداً أصلاً:
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ                                                                     البقرة (271)
فكيف يمكن أن تخفي صدقة إن لم يكن هناك صدقة أصلاً؟
والإخفاء يتطلب استخدام وسيلة لتغطية الأمر، كما في قوله تعالى:
وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ                                                                                    النور (31)
فالمرأة تخفي زينتها، ولا بد من استخدام حاجز أو وسيلة لتغطية الأمر، فالمرأة تستخدم جلبابها (أو ثوبها أو خمارها، سمّه ما شئت) لإخفاء زينتها.
نستطيع أن نزعم – بناءً على ما فهمناه من هذه السياقات القرآنية- أنه لابد من توافر أمرين اثنين في استخدام مفردة الإخفاء: أولهما أنك عندما تريد أن "تخفي"، لا بد أن يكون هناك شيء موجود أصلاً لكي تخفيه، قال تعالى:
إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا                                الأحزاب (54)
إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ                     آل عمران (5)
رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ                                                                                        إبراهيم (38)
وثانيهما استخدم وسيلة لتغطية ذلك الأمر، وتتمثل تلك الوسيلة بالحاجز الذي يحول دون الوصول إلى الشيء المخفي كغطاء المرأة:
وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ                                                                                النور (31)
وقد يتم إخفاء الشيء في النفس:
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ                       البقرة (284)
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِنْكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ                                                    آل عمران (154)
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا            الأحزاب (37)
أو في الصدر:
قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ                                                           آل عمران (29)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)
يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ                                                غافر (19)
نعم، لقد أخفى علماء اليهود والنصارى في أنفسهم وفي صدورهم الكثير من علم ذلك الكتاب عن العامة، فليس كل ما في صدورهم وأنفسهم مدار نقاش ومعرفة لعامة الناس. وقد احتلت هذه السياسة "القذرة" حيزاً كبيراً في تفكير كثير ممن نصّبوا من أنفسهم علماء أهل الإسلام تحت ما روّجوا له بفقه "عدم إثارة الشبهات" أو "التقيّة"، فما يدور بينهم قد لا ينقل الكثير منه إلى العامة، ويكأن لسان حالهم يقول: قولوا للناس هذا ولا تقولوا للناس ذاك، ويكأن دين الله بالنسبة لهم شيء وللعامة شيء آخر. أليس هذا تحريف لكلام الله؟ من يدري!!!
لا بل فقد وصلت الجرأة بالكثير الكثير منهم إلى نعت من يحاول أن ينبش في قضية شائكة (لأنهم قد عجزوا عن فهمها) بأنه شخص يثير الشبهات حول الدين، ولا أظن أنهم وجدوا تهمة لإلصاقها بكل شخص يتعرض لمثل هذه القضايا (كـ رشيد الجراح وأمثاله) أفضل من تهمة إثارة الشبهات، فهو (ومن على شاكلته) في رأيهم شخص يثير الشبهات حول دين أبائهم وأجدادهم، وهدفه – حسب ظنهم- هو أن يصد الناس عن دين الله، لذا فهو شخص مارق، غالباً ما يكون – في نظرهم- منفّذاً لأجندة الأعداء المتربصين بهذا الدين. وكما قال أحد مشايخهم في برنامج تلفزيوني (يرعاه المتكسبين باسم الدين كما يتكسب غيرهم بقنوات الدعارة والخلاعة)[11] إن هذا الدكتور الذي في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة اليرموك (بجوز مش أنا!) لم يعهد مثله في عشيرته الطيبة التي يعرفها هو (أي شيخنا الجليل) خلال حياته العسكرية الطويلة التي صاحب خلالها أناساً طيبين من هذه العشيرة، ولكنه – يضيف ذلك العالم الجليل- لا زال لا يفهم كيف يخرج مارق مثل هذا الزنديق (يقصد دكتور اللغة الإنجليزية) من هذه العشيرة الطيبة! إذاً، الدين عندهم - يا سادة – مرتبط بالعشيرة. فهل ترون أن فكر هذا الشيخ الجليل يختلف عن فكر سادة قريش الذين جهزوا الجيوش لمحاربة دين محمد لأنه ببساطة سفه عقائدهم؟!
فإذا ما نبش رشيد الجراح وقال تعالوا نتدارس ما يشذ عن قواعدكم اللغوية الموجودة في كتاب الله، قالوا أن هذا الشخص إنما يقصد إثارة الشبهات حول الدين. ونسوا (أو ربما تناسوا) أننا نحاول أن نذكرهم بـ "التفاهات" التي وضعوها من عند أنفسهم وربطوها بكتاب الله، حتى أصبح الكثير منهم (والعامة من الناس من ورائهم) يظنون أن القدح فيها قدح في كلمات الله. فهم قد شقوا عن صدور العالمين، وعلموا أن هؤلاء الناس (من مثلي) ينطبق عليهم قول الحق:
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ"
لكنهم هم بالطبع من لهم الحق بالنبش بما يريدون وترك ما لا يريدون لأنهم من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله:
وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
رأينا: لما كان دين الله هو الحق، فإننا نعتقد أن ليس فيه ما يجب إخفاءه، ولما كان محمد هو المتبع الأول لشريعته فليس في سنته ما يستوجب السكوت عنه، لذا فإننا نرفض جملة وتفصيلاً فقه "عدم إثارة الشبهات" عن الطرف الأول من أهل الإسلام كما نرفض جملة وتفصيلاً فقه "التقية" عند الطرف الآخر. فهذه ليست من عقيدتنا، فدين الله يجب أن يطّلع على تفاصيله كل عباده بغض النظر عن درجة علمه، ونحن نعتقد جازمين أن من يخفي شيئا من العقيدة (صغيرا كان أم كبيرا) ينطبق عليه قول الحق الذي جاء ليفضح ما كان يفعل أقرانهم من أهل العلم في الشرائع السابقة:
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ           الأنعام (91)
عودة على بدء: إننا نظن أن ما يقوله أهل الإسلام عن معنى "تحريف" الكتب السماوية الأخرى ليس أكثر من محض هراء لا حجة عليه من كتاب الله، ولكن هذه النتيجة تعيدنا مرة أخرى إلى السؤال نفسه ولكن بطريقة جديدة: لماذا يوجد هناك أكثر من نسخة من الإنجيل على وجه التحديد بينما لا يوجد إلاّ نسخة واحدة من التوراة ونسخة واحدة من القرآن؟
رأينا المفترى: لمّا كان عيسى بن مريم لا يتحدث لغة قوم بعينهم، لم يكن هو من فصّل الكتاب إنجيلاً آراميا[12]. فعيسى بن مريم لا ينتمي إلى قوم حتى يفصّل لهم ما نزّل إليهم بلسانهم وذلك لأنّ مهمة الرسول أن يبين للناس ما نزّل إليهم بلسان قومه:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ                                                                     إبراهيم (4)
فعندما وجه عيسى بن مريم الخطاب إلى بني إسرائيل، لم يتوجه لهم بالخطاب على أساس أنهم قومه:
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ      الصف (6)
وعندما توجه الله بالخطاب إلى عيسى ابن مريم، جاء كلامه على نحو أن من كان حوله هم الناس (وليس قومه):
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ                                                              المائدة (116)
نتيجة وافتراء: لم يكن لعيسى بن مريم قوم حتى يبيّن لهم ما نزّل إليهم من ربهم بلسانهم.
سؤال: من الذي بيّن لبني إسرائيل ما نزّل إليهم من ربهم بلسانهم إن لم يكن فعلاً هو عيسى بن مريم؟
جواب: إننا نظن أن القرآن الكريم يقدّم لنا إجابة قد تستنبط من قوله تعالى:
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)
فالوحي جاء للحواريين من الله، لذا فهم من كانوا يملكون ما جاءهم الوحي به (وهو – في رأينا- الذكر)، الأمر الذي مكّنهم من القيام بنقل كتاب الله كما آتاه الله لعيسى بن مريم إلى قومهم (مادام أن عيسى بن مريم ليس منهم):
وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ                 المائدة (46)
إلى كتب يفهمها الناس الذين كانوا حول عيسى بن مريم، ولما كان هناك أكثر من واحد من الحواريين الذين جاءهم الوحي من ربهم، كان من الطبيعي أن يخرج كل واحد منهم بنسخته من الإنجيل الذي آتاه الله عيسى بن مريم.
السؤال: لماذا هناك أكثر من نسخة من الإنجيل إذاً؟ ولماذا هناك فقط نسخة واحدة من التوراة ونسخة واحدة من القرآن؟
افتراء خطير جداً جداً جداً: نحن نظن أن ذلك يعود إلى من أوحيت إليه تلك الكتب، ولكن كيف ذلك؟
رأينا:
1.     لقد أوحي التوراة إلى موسى، فخرجت على لسان موسى نسخة واحدة فقط بلسان قوم موسى (عبرانياً)
2.     لقد أوحي القرآن إلى محمد فخرج القرآن نسخة واحدة على لسان محمد بلسان قوم محمد (عربياً)
3.     لقد أوحي الإنجيل إلى الحواريين فخرج أكثر من نسخة على لسان الحواريين بلسان قوم الحواريين (آراميا)
إن هذا الطرح يقودنا إلى الافتراء الأكثر خطورة في تاريخ أمة الإسلام وهو: القرآن كلام الله ولكنه قول محمد[13] (وسنتحدث عن هذا لاحقاً بحول الله وتوفيقه، فالله أسأل أن يؤتيني رحمة من عنده وأن يعلمني من لدنه علما لا ينبغي لأحد غيري إنه هو العليم الحكيم)

باب: عيسى بن مريم كلمة الله
نحن نقرأ في كتاب الله أن المسيح عيسى بن مريم هو كلمة الله التي ألقاها إلى مريم، أليس كذلك؟
إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ                                                 آل عمران (45)
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً                                                                                                النساء (171)
السؤال: كيف يكون المسيح كلمة؟ وما معنى أن يكون المسيح كلمة من الله؟
رأينا: للإجابة على هذا التساؤل فلابد من معرفة معنى الكلمة، فنحن نظن أنه غالباً ما خلط الناس بين الكلام والكلمة، فظنوا أن الكلام يحمل على الكثرة بينما الكلمة هي المفردة الواحدة من الكلام، وهذا ما نظن أنه قد سبب – برأينا- الإرباك والضبابية في الفهم، ولكن كيف ذلك؟
افتراء من عند أنفسنا 1: نحن نظن أن الكلمة لا تعني المفردة الواحدة، فمفردة "كتاب" مثلاً ليست كلمة وإنما هي مفردة فقط.
افتراء من عند أنفسنا 2: نحن نظن أن الكلمة هي القول الكثير شرط أن يؤخذ جملة واحدة فلا يتجزأ.
الدليل
أولاً، نحن نظن أن الدليل على زعمنا هذا يمكن استنباطه من الآية الكريمة التالية:
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)
فالمتدبر للنص القرآني يجد أن الكلمة التي يجب أن ندعو أهل الكتاب إليها هي: أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ، أليس كذلك؟
السؤال: كيف يمكن أن نفهم أن هذا القول بمجمله هو كلمة (تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
ثانياً، إذا كانت الكلمة تعني المفردة الواحدة (كما قد يظن البعض)، فكيف يمكن أن نفهم ما جاء في قوله تعالى:
إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)
السؤال: ما هي كلمة الله التي هي بلا شك العليا؟ وما هي كلمة الذين كفروا التي هي بلا شك السفلى؟ أليس كل ما جاء من عند الله من قول هو الكلمة العليا؟ أليس كل ما قاله الذين كفروا هي كلمتهم السفلى؟ ثم إن شئت، اقرأ قوله تعالى:
وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)
ثم أليست هذه هي كلمة (أو على الأقل جزء من) الكفر:
يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (74)
ثم انظر إلى هذه الكلمة الطويلة التي قالها بعضهم:
حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)
فهل هذه مفردة واحدة أم قول كثير؟
ثم انظر – إنْ شئت- إلى ما قاله إبراهيم ككلمة:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28)
افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أن القول (بغض النظر عن عدد مفرداته) يشكل كلمة مادام أن مصدره واحد وفحواه واحد:
          وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)
فقول ربنا هو كلمة، وهو لا شك أنه الكلمة التامة صدقا وعدلاً. كما أن كل جزء من قول ربنا هو أيضاً كلمة، فما سبق من قول ربنا هو كلمة:
وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19)
إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ (19)
وكلمة العذاب هي كلمة:
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71)
وكلمة الفصل هي كلمة:
أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21)
وكلمة التقوى هي كلمة:
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26)
نتيجة: نحن نظن أن كلمة العذاب كجزء من كلمة ربنا هي كلمة، وكلمة الفصل هي كلمة، والكلمة التي سبقت من ربك هي كلمة، وكلها بمجموعها تشكل الكلمة التامة صدقاً وعدلاً، ولتوضيح الفكرة أكثر نحن نتصورها كالشجرة التي ضربت بها مثلاً في الآية الكريمة التالية:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)
فكلمة الله هي بمجملها كلمة طيبة كالشجرة الطيبة، وأن قرارها وأصلها وفرعها وكل جذع فيها هي أيضاً كلمة طيبة.
وبالمقابل فإن كلمة الذين كفروا كالشجرة الخبيثة بمجملها، وبقرارها وبأصلها وبفرعها وبجذوعها:
          وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ (26)
السؤال: كيف يكون المسيح كلمة من الله؟
نحن نظن أن المسيح بمجملة كان (كما نتصوره) جذع من تلك الشجرة الطيبة التي أصلها طيب وفرعها في السماء، وكان ذلك الجذع  بحد ذاته كلمة.
ولتبسيط الصورة نضرب المثال التالي: إذا ما كان هناك حفل خطابي تم إدراج أكثر من خطيب على لائحة المتحدثين، فإن كل منهم سيلقي كلمة في ذلك الحفل، فنحن لا زلنا نقول في لغتنا الدارجة بأن الخطيب قد ألقى كلمة في المؤتمر مثلا، فهل يعني ذلك أنه قد تلفظ بمفردة واحدة؟
رأينا: كلا وألف كلا، لأن كلمة الخطيب قد تمتد ساعات، وقد تكون مكتوبة على صفحات كثيرة من الورق، ففي البارحة مثلاً ألقى محمد مرسى (رئيس جمهورية مصر العربية المنتخب) ألقى كلمة استمرت حوالي ساعتين ونصف، فتخيل معي عزيزي القارئ حجم المفردات التي خرجت على لسانه عندما ألقى تلك الكلمة. ولكنها في نهاية المطاف كانت كلمة، أليس كذلك؟
وبمثل هذا المفهوم الذي نتصوره نقول أن المسيح منذ اليوم الأول لولادته وحتى وفاته لم يصدر عنه إلا طيبا، ولم يقع في محظور قط، ولم "يعاتبه" الله في شيء إطلاقا، فكان كلمة واحدة.
الدليل
نحن نفهم أن المسيح كان رسول الله كما كان نوح وإبراهيم وموسى ومحمد:
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً                                                                                                          النساء (171)
ولكن المتدبر لسيرة رسل الله جميعا (باستثناء المسيح عيسى بن مريم) يجد مفارقة عجيبة بين جميع رسل الله من جهة والمسيح بن مريم من جهة أخرى، وتلك الملحوظة تتمثل – كما نفهمها- في أن جميع رسل الله قد وقعوا في حياتهم في محظور ما، فها هو نوح يخاطب ربه في ابنه، فينهاه الله بأشد عبارات الزجر، ويتوعده بأن لا يكون من الجاهلين:
وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)
وها هو رب إبراهيم يخاطب إبراهيم ليبدي ما كان في قلب إبراهيم من الريبة:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)
وها هو موسى يكز الرجل فيقضي عليه، ويقر بالظلم الذي ارتكبه بحق نفسه:
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)
وها هي المواقف تتالى على محمد:
          يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1)
والله نفسه هو من أبدى ما أخفاه محمد في نفسه:
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37)
والله نفسه هو من أوقف محمد عند حده حتى لا يذهب بعيدا، فشرع له أن يتحلل من يمينه:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2)
والله هو نفسه من أكد أن محمد كان من قبل هذا القرآن من الغافلين:
          نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)
وهو نفسه من أخبرنا أن محمداً كان ضالا فهداه الله:
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7)
السؤال المربك لي: لِم لَم يأتي شيء كهذا بحق المسيح عيسى بن مريم؟
رأينا المفترى: نحن نظن أن السبب في ذلك يعود لأن المسيح كان كلمة من الله، فلا أظن أن من كان جذعاً مأخوذاً من تلك الشجرة الطيبة يمكن أن يصدر عنه شيء إلا ويكون طيباً، ونحن نتخيل المسيح عيسى بن مريم (في هذا الجانب) بالضبط كالقرآن الكريم، ففي حين أن القرآن الكريم هو كلمة الله التي نطق بها محمد، فخرجت تامة صدقاً وعدلاً، كان المسيح بحد ذاته كلمة الله بصبغتها البشرية. لذا لمّا كان كل ما جاء في القرآن صحيحاً على إطلاقه كان المسيح بن مريم بحد ذاته صحيحاً على إطلاقه، فحياة المسيح على – عكس جميع رسل الله- كانت كلها بمثابة قرآن يستشهد به. وهذا لا يصير لأي رسول آخر.[14]
باب الإنجيل: ما هو الإنجيل؟
لو تدبرنا الإنجيل (أو العهد الجديد بنسخه المتعددة) لوجدنا أنه في مجمله سرد لسيرة حياة المسيح عيسى بن مريم، فليس فيه أحكاما للميراث والطلاق ونحوها، أو الشعائر كالصلاة والصدقة والحج والصوم، الخ. لذا نحن نظن أن الإنجيل بأكمله (وبنسخه المتعددة) هو التعبير المباشر لتلك الكلمة وهي المسيح نفسه (التي امتدت سنوات من الزمن). فهو عبارة عن تفصيل ذاك الجذع من الشجرة الطيبة. فكل نسخة من ذلك الكتاب المقدس تروي جانباً من تلك الكلمة (المسيح). وكلها مجتمعة تشكل تلك الكلمة التي ألقاها الله إلى مريم،  لذا لا يجوز أن يؤخذ بعضها ويترك بعضها لأن في ذلك تحريف لتلك الكلمة. فحتى يُفْهَم المسيح كـ كلمة من الله، لابد من التعرض لنسخ الإنجيل جميعها كوحدة واحدة، وللتمثيل على ذلك نضرب المثال التالي من القرآن:
نحن نعلم أن قصة نبي الله ورسوله موسى مثلاً قد وردت في كتاب الله في سورة البقرة، ووردت في سورة النمل وطه والقصص، وعشرات السور الأخرى، وهنا نطرح السؤال التالي: هل نستطيع أن نفهم قصة موسى بمجملها من مكان واحد في كتاب الله؟ هل نستطيع أن نكتفي بما جاء في كتاب الله عن قصة موسى في البقرة؟ هل نأخذ سورة القصص مثلاً كتفصيل لقصة موسى؟
رأينا: كلا وألف كلا، فحتى نستطيع أن نفهم قصة عيسى بن مريم بجميع جوانبها وتفصيلاتها، فلابد من التعرض لها في كل موطن جاء ذكر لها في كتاب الله. والأهم من ذلك هو ربطها بالسياقات القرآنية الأخرى التي تشكل معها جميعا كلمة الله التامة صدقاً وعدلاً. وهذا بالضبط ما نفهمه من قصة المسيح عيسى بن مريم ككلمة من الله، فلابد من أن تؤخذ تلك الكلمة من كل نسخ الإنجيل التي كتبها الحواريون.
لكن هذا الطرح سيثر تساؤلات جمة حول الموضوع نذكر منها:
-        من هم الحواريون؟
-        لماذا جاءت تسميتهم بالحواريين؟
-        كم كان عددهم؟
-        لماذا كتبوا الإنجيل؟
-        بم كتبوا الإنجيل؟ بأي لغة كتبوه؟ وبأي وسيلة؟
-        لِم لَم يكتب عيسى الإنجيل بنفسه؟
-        أين ذهب الحواريون بعد وفاة عيسى بن مريم؟
-        هل يعقل أن من تآمر على عيسى بن مريم سيترك الحواريين وشأنهم؟ وهل يعقل أن من أقدم على قتل يحيى (كما تقول رواياتهم) سيترك الحواريين وشأنهم؟
-        أين ذهبت تلك النسخ من الإنجيل التي كتبها الحواريون؟
-        ما هي اللغة التي كتبت بها؟
-        كم عدد تلك النسخ؟
-        لم اختفت تلك النسخ من الإنجيل بلغتها الأصلية؟
-        ما علاقة الحواريين بيحيى؟
-        ما علاقة عيسى بن مريم بيحيى؟
-        لماذا جاء يحيى في زمن عيسى بن مريم؟
-        وماذا كان يمكن أن يحصل لو لم يكن هناك يحيى نبيا من بني إسرائيل في نفس زمن عيسى بن مريم الذي كان رسولاً إلى بني إسرائيل؟
-        الخ
هذه هي التساؤلات التي سنتعرض لها (بحول الله وتوفيقه) في الجزء القادم من هذه المقالة، فالله وحده أسأل أن يأذن لي بعلم لا ينبغي لغيري إنه هو السميع المجيب.

المدّكرون:        رشيد سليم الجراح
                   علي محمود سالم الشرمان
                   30 حزيران 2013        
بقلم: د. رشيد الجراح





[1] فها هو موسى يتولى إلى الظل بعد أن سقا لهما:
فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ            القصص (24)
وما دام أن هناك رطباً بالنسبة لمريم فهو وقت أواخر الصيف حيث تكون الحرارة لازالت مرتفعة.
[2] نحن نظن أن الرؤية الأولى حصلت عندما جاءه الوحي أول مرة في مكة، فكانت تلك هي النزلة الأولى، وحصلت الرؤية مرة أخرى عند هذه النزلة الأخرى حيث جنة المأوى.
[3] وهذا برأينا يجلي اختلافاً جوهريا واضحاً بيننا نحن الناس من جهة والمسيح من جهة أخرى تتمثل في أن المسيح لم يمر بمرحلة النطفة:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)
[4] سنتحدث بعد قليل عن العلاقة بين المسيح ويحيى طارحين التساؤل التالي: لماذا تواجد يحيى بن زكريا في نفس زمن المسيح؟
[5] ورد خطاب مباشر لعيسى بن مريم من الله مباشرة على النحو التالي:
إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (110)
[6] سنتحدث بعد قليل عن العلاقة بين المسيح ويحيى طارحين التساؤل التالي: لماذا تواجد يحيى بن زكريا في نفس زمن المسيح؟
[7] ونحن نفتري الظن أنه في تلك اللحظة فقط بدأ نفر من بني إسرائيل يدبرون المكيدة ضده.
[8] نحن نفهم الوحي الذي حصل للحواريين كـ ذاك الذي حصل لأم موسى:
قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38)
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)
(دعاء: اللهم ربي أسألك وحيك لي بعلم الكتاب تفسيرا وتأويلا وتفصيلا)

[9] روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَة رضي الله عنها: 

(َأنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ كَانَ مَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ وَأَهْلِهِ فِي بَيْتِهِمْ ، فَأَتَتْ تَعْنِي ابْنَةَ سُهَيْلٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ وَعَقَلَ مَا عَقَلُوا وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا، وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "َأرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ، وَيَذْهَبْ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ"، فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ : إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُهُ ، فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَة).
[10] روى البخاري في حديث عائشة في حديث بدء نزول الوحي، قال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، وحدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر، قال الزهري فأخبرني عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : " ... ثم لم ينشب ورقة أن توفي ، وفتر الوحي فترةً حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - حزناً غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه  تبدّى له جبريل فقال: يا محمد،  إنك رسول الله حقا. فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل، تبدّى له جبريل فقال له مثل ذلك)
[11] وإن شئت فانظر في فضائياتهم الخاصة بهم كيف تنشطر الشاشة إلى قسمين: تظهر في جانب منها آيات الله وأحاديث رسوله بصوت أفضل المقرئين، وتظهر في الجانب الآخر دعايات تكبير القضيب والثديين، وشد الوجه والمؤخرة، مدعومة كلها بعناوين الطب النبوي البديل، من يدري!!!
[12] انظر كيف أن القرآن قد فصّل عن الكتاب عربياً:
كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)
[13] سنحاول في مقالاتنا القادمة (بحول الله وتوفيقه) التعرض للتضارب الظاهري الذي تثيره الآيات الكريمة التالية متى ما قرئت معاً:
وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ (6)
            إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ    الحاقة (40)
وجل النقاش سيكون حينئذ منصباً على التفريق بين القرآن كـ كلام والقرآن كـ قول (فالله ربي أسأل أن ينفذ مشيئته لي الإحاطة بشيء من علمه لا ينبغي لغيري إنه هو العليم الحكيم)
[14] نقول لمن أراد أن يجادل في ذلك، ويرى أن هذا يصير لمحمد مثلاً، نقول له عليك بالعودة مثلاً إلى حديث تأبير النخل:
قال الإمام مسلم في كتاب الفضائل:

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِىُّ وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ وَتَقَارَبَا فِى اللَّفْظِ وَهَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ قَالاَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلاَءِ؟ فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِى الأُنْثَى فَيَلْقَحُ

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا أَظُنُّ يُغْنِى ذَلِكَ شَيْئًا

قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ فَقَالَ:

إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ فَإِنِّى إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلاَ تُؤَاخِذُونِى بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّى لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
وقال الإمام أحمد في المسند:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَرَرْتُ مَعَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فِى نَخْلِ الْمَدِينَةِ فَرَأَى أَقْوَامًا فِى رُءُوسِ النَّخْلِ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ فَقَالَ مَا يَصْنَعُ هَؤُلاَءِ قَالَ يَأْخُذُونَ مِنَ الذَّكَرِ فَيَجْعَلُونَهُ فِى الأُنْثَى يُلَقِّحُونَ بِهِ فَقَالَ مَا أَظُنُّ ذَلِكَ يُغْنِى شَيْئًا فَبَلَغَهُمْ فَتَرَكُوهُ وَنَزَلُوا عَنْهَا فَلَمْ تَحْمِلْ تِلْكَ السَّنَةَ شَيْئًا فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ ظَنَنْتُهُ إِنْ كَانَ يُغْنِى شَيْئًا فَاصْنَعُوا فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَالظَّنُّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ وَلَكِنْ مَا قُلْتُ لَكُمْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ
وقال الإمام مسلم أيضا:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرُّومِىِّ الْيَمَامِىُّ وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِىُّ قَالُوا حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِىِّ حَدَّثَنِى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَالَ قَدِمَ نَبِىُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ فَقَالَ مَا تَصْنَعُونَ قَالُوا كُنَّا نَصْنَعُهُ قَالَ لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ قَالَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ رَأْىٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ قَالَ عِكْرِمَةُ أَوْ نَحْوَ هَذَا قَالَ الْمَعْقِرِىُّ فَنَفَضَتْ وَلَمْ يَشُكَّ
وقال أيضا:
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ كِلاَهُمَا عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ قَالَ فَخَرَجَ شِيصًا فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ مَا لِنَخْلِكُمْ قَالُوا قُلْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ
أو حديث القضاء بين الناس بما كان يسمع منهم (وإن كنا نحن نتحفظ على ما جاء في متن هذا الحديث):

حدثنا أبو بكر قال حدثنا وكيع قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم تختصمون إلي ، وإنما أنا بشر ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم ، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة



حدثنا أبو بكر قال حدثنا وكيع قال حدثنا أسامة بن زيد الليثي عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت : جاء رجلان من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم يختصمان في مواريث بينهما قد درست ليس لهما بينة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم تختصمون إلي ، وإنما أنا بشر ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم ، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه ، فإنما أقطع له به قطعة من النار ، يأتي بها إسطاما في عنقه يوم القيامة ، قالت : فبكى الرجلان وقال كل منهما : حقي لأخي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إذ فعلتما فاذهبا واقتسما وتوخيا الحق ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه


حدثنا أبو بكر قال حدثنا محمد بن بشر الغنوي قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أنا بشر ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فمن قطعت له من حق أخيه قطعة فإنما أقطع له قطعة من النار [ ص: 357 ]
فنحن نرى أن متن هذا الحديث يتعارض مع صريح اللفظ في قوله تعالى:
فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (65)