تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ (4): باب الجسد


افتراءات زعمناها في الأجزاء السابقة من هذه المقالة:
-        الدابة التي أكلت منسأة سليمان هي ناقة الله التي بعثها إلى ثمود "قوم صالح"
-        ناقة الله إلى ثمود لم تكن من فصيلة الأنعام لأنها كانت مبصرة، والأنعام بطبعها لا تبصر وإن كانت ترى
-        صارت  تلك الناقة "ناقة الله" على وجه التحديد لأنّ الله – نحن نفتري القول- تقبلها عندما قدمت قرباناً له، فالله لا يتخذ ولكنه يقبل.
-        كان ابن آدم المقتول (نبي الله إدريس) من قبل أخيه القاتل (إسرائيل) هو من قدّم تلك الناقة قرباناً لله لفض خلاف  بينه وبين أخيه (للتفصيل انظر مقالتنا لماذا قدّم نبي الله لوط بناته بدلاً من ضيوفه؟)
-        تقبل الله ذلك القربان (الناقة) وذلك بأن أكلته النار المقدسة، فالقربان تأكله النار، فصارت "ناقة الله"
-        بعث الله تلك الناقة إلى ثمود كآية، فلم يتمكن قوم صالح أن يذبحوا الناقة أو أن يقتلوها وجل ما فعلوا هو أنهم مسّوها بسوء عندما عقروها
-        زعمنا أن "العقر" هو الخروج من المكان لفترة محددة ثم العودة إلى نفس المكان مرة أخرى
-        كان لابد للناقة المبصرة التي عقرت أن تعود إلى الديار ولو بعد حين
-        بقيت ناقة الله إلى ثمود تأكل في أرض الله لأنها لم تقتل ولم تذبح ولكنها عقرت
-        بعد أن بعث الله تلك الناقة كآية لقوم صالح، أصبح صالح "رسول الله"، فتشارك في تلك الصفة مع موسى وعيسى ومحمد فقط، وذلك لظننا أن ورثة هؤلاء الأنبياء والرسل على وجه التحديد هي كلمة الله (وسنتحدث عن هذا بشيء من التفصيل بعد حين بحول الله وتوفيقه)، فكانت كلمة الله باقية لا تفنى.
-        لما مرت الناقة بمنسأة سليمان التي كانت هي أصلاً عصا موسى قامت بأكلها، فأنهت بذلك عهداً من الملك لن يؤتى لأحد من بعد سليمان
-        نتيجة: لقد أكلت "ناقة الله" عصا موسى، لأن عصا موسى التي اهتزت كأنها جان بعد أن ألقاها موسى في النار بأمر رباني ما كانت لتنتهي دون قوة أكبر منها
-        ربما يرشدنا مثل هذا الزعم للتفكر بالسبب الذي من أجله أقدم موسى على حرق عجل السامري بالنار (وهو ما سنعود إلى الحديث عنه –إن أذن الله لنا الإحاطة بشيء من علمه- في المقالات الخاصة بقصة موسى بحول الله وتوفيقه)
أما بعد،
انصبّ جل النقاش السابق حول الظن المفترى بأن ذهاب ملك سليمان كان مقترناً بأكل الدابة لمنسأته، وزعمنا أن في ذهاب تلك المنسأة ذهب جزء كبير من الملك الذي لا يمكن أن يعود – نحن نفتري القول- إلا بعودة تلك المنسأة، وربما يثبت مثل هذا الظن ما تؤكده الأحداث التي تلت على الفور موت سليمان وذهاب منسأته: فما الذي حصل للقوم بعد موت سليمان؟
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)
هذه هي الآية 14 من سورة سبأ، ولو دققنا فيها مليّاً لوجدناها تصور لنا أن موت سليمان كان مصاحباً ومتزامناً مع ذهاب المنسأة بالأكل من قبل الدابة، ثم تأتي الآيات التي تليها على الفور لتنبين لنا ما حل بسبأ (المملكة التي حكمتها امرأة كانت قد ظلمت نفسها قبل أن تسلم مع سليمان لله رب العالمين)
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)
فالجن (ومنهم الشياطين) التي حُكِمت بمنسأة سليمان ما أن تبينت أن سليمان قد مات حتى انتشروا في الأرض يعيثون فساداً فيها، ولو دققنا في السياق القرآني نفسه لوجدنا أن الشياطين لم يكونوا منظوين تحت حكم سليمان طواعية، فلقد كانوا في العذاب المهين:
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)
فلقد كان سليمان يذيقهم (بإذن من ربه) من أصناف العذاب إن هم زاغوا عن أمره بتلك المنسأة:
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ                           سبأ 12
سؤال: كيف كان سليمان يذيقهم من عذاب السعير؟
رأينا: نحن نظن أن من معاني السعير هي أداة التعذيب مصداقاً لقوله تعالى:
إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا                                                        الإنسان 4
فالسلاسل والأغلال والسعير هي أداواة التعذيب، لذا نحن نفتري الظن أن سليمان كان يذيق من يزغ عن أمره من الجن بمنسأته التي كانت سعيراً عليهم، لعلمنا من السياقات القرآنية أن الجن يعذبون بالسعير حتى في نار جهنم:
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ                                                                                   لقمان 21
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ                                    سبإ 12
إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ       فاطر 6
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ  الملك 5
نتيجة مفتراة: لقد كانت المنسأة هي سعيراً ينزل على من يزغ عن أمر سليمان من الجان، وبذهاب تلك المنسأة ذهب ذلك الجزء من الملك، لذا نحن نفتري القول أنه لم يعد بعد موت سليمان هناك من الناس من يستطيع أن يذيق الجان من عذاب السعير.
فلقد كانت تلك المنسأة – حسب زعمنا- تشغل حيزاً كبيراً من ملك سليمان ولكنها بكل تأكيد لم تكن تمثل كل ملكه، فلقد كان ملك سليمان يشمل الجن والإنس والطير:
          وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ                             النمل 17
فما أن مات سليمان حتى كانت الجن أول الهاربين من ملك سليمان:
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)
فأخذوا يعيثون فساداً في مملكة سليمان، وما أن اتبعهم نفر من الإنس حتى كانت النتيجة أن بدل الله سبأ جنتيهم بجنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل:
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)
افتراء من عند أنفسنا: لقد استجاب الله دعاء سليمان بأن لا يكون لأحد من بعده ملكاً كملك سليمان بأن ذهبت تلك المنسأة التي من خلالها يمكن السيطرة على الجان، فما عاد ممكناً اخضاعهم لحكم الناس، ولو تأملنا السياق القرآني جيداً لوجدنا أن دعاء سليمان ربه كان على نحو أن لا يهب الله لأحد من بعده ملكاً كملك سليمان، الأمر الذي يرشدنا إلى نقطتين جوهريتين في النقاش وهما:
  1. أن طلب سليمان كان يخص ملك من سيأتي بعده، فهو لم يطلب ملكاً أعظم من ملك من سبقه، ولكنه يسأل الله أن لا يكون هناك ملك كملكه فيمن يأتي من بعده، حتى وإن كان ولد سليمان نفسه (وإن كنا نظن أن سليمان لم يرزق بالولد). فنحن نظن أن ذا القرنين مثلاً قد أوتي ملكاً ربما كان أعظم من ملك سليمان (انظر مقالاتنا السابقة: جدلية المجاز والحقيقة في القرآن و مصادر التشريع في الإسلام)، ولكن أصبح من المتعذر على أحد من بعد سليمان أن يحصل على مثل ملكه، الأمر الذي سيدعونا لاحقاً أن نناقش عن السبب الذي دفع بسليمان أن يطلب من ربه مثل هذا الطلب.
  2. لما كانت المنسأة تمثل جزءاً من ملك سليمان وليس ملك سليمان كله، لم يأتي ملك سليمان دفعة واحدة، وهذا يدعونا إلى أن نتذكر الذي حصل قبيل دعوة سليمان ربه أن يهب له ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده:
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35)                                                    ص
فلقد كان ملك سليمان حتى اللحظة غير مكتمل بدليل أنه دعا الله أن يهب له ملكاً لا يكون لأحد من بعده بعد تلك الحادثة حيث يجد سليمان جسداً وقد ألقي على كرسيه، فكيف حصل ذلك؟
رأينا: نحن نظن أن الذي دفع بسليمان أن يدعو ربه أن يهب له ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده هو حادثة ذلك الجسد الذي وجده سليمان وقد ألقي على كرسيه إلقاء، ولكن كيف؟
تساؤلات
-        ماهو ذلك الجسد الذي وجده سليمان على كرسيه؟
-        متى ألقي ذلك الجسد على كرسي سليمان؟
-        من أين جاء ذلك الجسد؟
-        من الذي ألقى بذلك الجسد على كرسي سليمان؟
-        لماذا ألقى بذلك الجسد على كرسي سليمان؟
-        لماذا كانت ردة فعل سليمان على تلك الحادثة أن يدعو ربه أن يهب له ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده؟
-        هل كان في ذلك أنانية فردية من قبل سليمان؟
-        الخ
نحن نظن أن الإجابة على هذه التساؤلات ستسعفنا في وضع إطار أشمل لقصة نبي الله سليمان مع تلك المنسأة، لذا فالله نسأل أن يصدر قوله لينفذ مشيئته وإرادته لنا الإحاطة بشيء من علمه لا ينبغي لأحد غيرنا، إنه هو السميع المجيب)
أما بعد،
نحن نتخيل الموقف على النحو التالي: يُحْدِثُ سليمانُ أمراً يستوجب حصول الفتنة له
          وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34)
نحن نفهم من هذه الآية الكريمة أن في إلقاء الجسد على كرسي سليمان شيء من الفتنة له، حتى ظن سليمان نفسه أنه قد فتن، فما الذي فعله سليمان حتى استحق أن يفتن، ثم ينيب؟
رأينا: نحن نظن أن فتنة سليمان جاءت بسبب ما فعل سليمان نفسه كما تصوره الآيات الكريمة التالية حيث وردت الآية التي تتحدث عن فتنة سليمان السابقة:
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ        (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34)                                              ص
إن إمعان التفكر في هذه الآيات والحاجة إلى ربطها مع بعضها البعض يعطينا الإشارة القاطعة عن وجود رابط بين حادثة عرض الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ على سليمان مع فتنته بإلقاء الجسد على كرسيه، ولكن كيف يمكن ربط تلك الأحداث مع بعضها البعض؟
رأينا: بداية لابد من الخروج من عنق الزجاجة التي وضعنا فيها جراء تأويلات الروايات الإسرائيلية والنقل الذي لم ينضب منها من قبل من ظنوا أنهم يفسرون القرآن العظيم. لذا نحن لا نتردد لحظة واحدة (كما نفعل على الدوام) في رد بضاعتهم إليهم ومحاولة الخوض في تفاصيل الأحداث كما يصورها القرآن الكريم نفسه، لذا فالله نسأل أن يهدينا إلى قول الحق الذي يريد فلا نفتري عليه الكذب إنه هو السميع المجيب.
أما بعد،
نحن نظن أن تلك الحادثة حصلت في غطاء الليل، فاللفظ القرآني يدل أن ذلك قد حصل بالعشي:
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31)
 فما هو العشي؟
جواب: العشي ليس وقت الإبكار:
قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ                                                                           آل عمران 41
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ      غافر 55
والعشي ليس وقت الغداة:
وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ                              الأنعام 52
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا        الكهف 28
والعشي ليس وقت الإشراق:
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ                                                   ص 18
السؤال: فما هو ذلك الوقت يا ترى؟
نتيجة: لابد لأي تفسير لهذه الآيات الكريمة أن يأخذ بالحسبان أن العرض تم في وقت العشي
ثانياً: يتم في ذلك الوقت (العشي) عرض على سليمان، فتعرض عليه الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، فما هي الصافنات الجياد؟
رأينا: ليس لذلك علاقة بالخيل إطلاقاً لأننا نظن أنه من قبيل المحال أن يتم عرض الخيل في وقت العشي، فالليل قد أسدل ستاره، والخيل قد سكنت اسطبلاتها، والجند في راحة، فما هي يا ترى الصافنات الجياد التي عرضت في العشي؟
رأينا: لا شك لدينا أن الحديث يخص التأنيث، فسليمان هو الرجل، وما عرض عليه (بغض النظر عن جنسه) هو من المؤنث، ويؤكد ظننا هذا ردة فعل سليمان الأولى
فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ(32) رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ
فهناك من توارت في الحجاب، وهناك من طلب سليمان أن يردوها عليه، فما هي تلك الكينونة؟
رأينا: لو تتبعنا السياق القرآني لوجدنا أن العرض تم لمجموعة، ولكن التي توارت في الحجاب كانت واحدة فقط، وكذلك طلب سليمان أن يردوا عليه واحدة فقط:
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34)                                             ص
نتيجة مفتراة: لقد كان العرض لمجموعة، وكان يتم بطريقة بسيطة تتمثل – نحن نتخيل- بأن تعرض على سليمان واحدة تلو الأخرى، وكانت تتوارى في الحجاب بطريقة فردية (واحدة في كل مرة). فما هي تلك الكينونة؟
رأينا: لو تدبرنا السياق القرآني جيداً لوجدنا أن رائحة النساء تفوح منه، فالخبر جاء عن الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، ولو تركنا أفهام آبائنا وأجدادنا، وانطلقنا نبحث في النص القرآني عن الصافنات الجياد لربما استطعنا بحول الله وتوفيقه أن نفهم من تكون، فلا شك عندنا أن مفردة الجياد مأخوذة من الجيد، وها هي امرأة أبي لهب يشد جيدها بحبل من مسد:
فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ                                                                المسد 5
فمن - يا ترى- تكون صاحبة جيد، ويمكن أن تعرض على رجل وقت العشي؟
رأينا: لو تأملنا السياق القرآني جيداً لوجدنا أن هناك "مواراة" وهناك "حجاب" أيضاً، ولوجدنا أن المواراة كانت تتم وراء الحجاب، فما معنى توارت؟ ولم الحجاب؟ ومن يمكن أن يتوارى وراء حجاب؟
افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أن مفردة "توارت" تعني الذهاب وراء حاجز يحجب رؤية من يكون خلفه عن الآخرين:
يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ                                                                                      النحل 59
فالذي يحاول أن يتوارى من القوم هو من يضع نفسه وراء ستار (أي حاجز) يمكن أن يجعله غير مرئي من قبل الآخرين.
ونحن نفتري الظن أن "الحجاب" هو ما يمكن أن يفصل بين طرفين:
فالله نفسه لا يمكن أن يكلم بشراً إلا من وراء حجاب:
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ                                                                  الشورى 51
وها هو الحجاب يفصل بين أصحاب الجنة وأصحاب النار:
وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ۚ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)
والله قد جعل حجاباً مستوراً بين نبيه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة متى ما قرأ القرآن:
وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا[1]                 الإسراء 45
وها هم أنفسهم يؤكدون وجود هذا الحجاب بين الطرفين:
وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ                                                                                                    فصلت 5
وها هي مريم تتخذ من دون قومها حجاباً يسترها عنهم:
فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا               مريم 17
وها هي الدعوة قائمة لكل المسلمين أن يسألوا نساء النبي من وراء حجاب:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا                                                                                                   الأحزاب 53
السؤال: من تكون – يا ترى- تلك التي توارت (ذهبت وراء) في الحجاب (الحاجز) عند سليمان؟
فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ                ص - الآية 32
افتراء من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن أن من توارت في الحجاب عند سليمان كانت امرأة، وأن الذي عرض على سليمان وقت العشي كانت مجموعة من النساء اللواتي تجهزن لفراش سليمان. وما أن انغمس سليمان في تلبية شهواته حتى أدرك أن "حب الخير" ذاك قد شغله عن ذكر ربه. وبكلمات أكثر دقة لقد نسي سليمان ذكر ربه بسبب ما وجد نفسه فيه من تلبية غريزة حب الخير "معاشرة النساء"، فالنسيان هو سبب الإنشغال عن ذكر الرب، فهذا صاحب يوسف في السجن ينسيه الشيطان أن يذكر خبر يوسف إلى ربه:
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ                                                                                                يوسف 42
والانسان مطالب على الدوام أن يذكر ربه إذا ما حصل النسيان:
إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا                                                                                                             الكهف 24
نتيجة مفتراة: نحن نفتري الظن أن سليمان قد أنساه الشيطان ذكر ربه، ولكن يجب التأكيد أن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن سليمان كان قد أعرض عن ذكر ربه، لأنه لو أعرض عن ذكر ربه، ما كان الله يكلأه بالليل والنهار، لأن من يعرض عن ذكر ربه لن يجد الله يكلأه:
قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ ۗ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ     الأنبياء 42
ولربما نزل عليه العذاب بدلاً من الفتنة:
لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا                    الجن 17
نتيجة مفتراة: ينسى سليمان (وإن لم يعرض عن) ذكر ربه عندما انغمس في تلبية شهوته في معاشرة النساء، فما أن ينسى حتى يتذكر ربه، فيظن انه قد فتن، وفعلاً تحصل الفتنة لسليمان بإلقاء الجسد على كرسيه:
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ                              ص 34
ولو حاولنا أن نربط بين فتنة سليمان وفتنة والده داوود لربما استطعنا أن نخرج باستنباطات تساعدنا في فهم الحدث كما حصل:
... وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ
 فلقد حصلت الفتنة للوالد داوود وللولد سليمان، ولكن المتدبر في دقة النص القرآني يجد أن ردة فعل كل واحد منهما كانت مختلفة بعض الشيء، ففي حين أن داوود "فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ"، كانت ردة فعل سليمان على النحو التالي "ثُمَّ أَنَابَ" فقط:
... وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ                                  ص 34
الاستنباطات:
-        كلاهما أناب
-        داوود فقط هو من استغفر
-        داوود فقط هو من خر راكعاً
-        حصلت إنابة داوود على الفور بدليل حرف العطف "فـ" وحرف العطف "و"
-        تأخرت إنابة سليمان بدليل حرف العطف "ثم"
السؤال: متى حصلت فتنة سليمان؟ ومتى حصلت إنابته؟ ولماذا لم يستغفر سليمان ربه على الفور كما فعل والده داوود يوم ظن أن الله قد فتنه؟ ولماذا لم يخر سليمان راكعاً كما فعل والده داوود؟
نحن نظن أن الإجابة على هذه التساؤلات ربما يمكن لنا أن نستنبطها من السياق القرآني التالي:
وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (21)                          النمل
فكيف يمكن أن نفهم النص؟
لنحاول أن نسقط على هذه الآيات الكريمة تصورنا لما حصل على أرض الواقع خطوة خطوة:
أولاً، يقضي الله بالموت على داوود فتتحصل الوراثة لسليمان بالملك، فيجمع سليمان (الملك الشاب الجديد) الناس، ويقوم خطيباً فيهم بلهجة لا تخلو من عنصر الإفتخار (أو لربما الزهو بالنفس):
وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ                                                                                    النمل 16         
ثانياً، ما يكون من سليمان )الملك الشاب( بعد ذلك إلا أن يستعرض قوته العسكرية، ربما ليظهر ما يملك من عناصر القوة في ملكه:
وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ          النمل 17
وهذا الاستعراض العسكري ربما يكون من أول ما يقوم فيه كل من يؤول إليه الملك.
ثالثاً، لكن كل ذلك لم يكن ليرضي طموح الملك الشاب، فيسير بجنده باحثاً عن توسعة لملكه، فيأتي على واد النمل:
حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ                                                                           النمل 18
فما أن سمع سليمان تلك النملة بما حباه الله فيه من العلم حتى ينفجر بالضحك:
فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ                               النمل 19
وأظن أن سليمان قد انفجر بالضحك بسبب طريقة قول تلك النملة "فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَافقول النملة هو من سبب الضحك عند سليمان لأن الأمر لا يدعو إلى الضحك أصلاً، وربما كان يكفي سليمان أن يبتسم فقط، ولا أظن أن سليمان كان يمكن أن يضحك من الآخرين إن لم يكن هناك سبب يدعو إلى الضحك. ولكننا نظن أن سليمان قد انفجر بالضحك لما سمع من قولها، وذلك لأن تلك النملة – في رأينا- لم تكن تتكلم بطريقة طبيعية كباقي النمل، فكلامها كان – في ظننا- يشوبه شيء من اللكنة التي تسبب الضحك لمن يسمعه، تماماً كما يحصل لنا البشر عندما نسمع من كان في لسانه شيء من اللكنة، كأن يلفظ حرف السين شيناً (فيقول شيف بدلاً من سيف) أو كمن يبدل الراء باللام (كأن يقول ولد بدلاً من ورد)، وهكذا
المهم بالموضوع بالنسبة لنا هو أن الزهو بالنفس لازالت صفة ملازمة لسليمان، والأهم من ذلك هو لزوم ملاحظة الحالة النفسية لسليمان في تلك اللحظة: فسليمان يتبسم ويضحك، فهو إذاً في حالة من السعادة، أليس كذلك؟ ولكن انظر - عزيزي القارئ- ماذا حصل لسليمان في الآية التي تلي مباشرة ضحك سليمان ذاك في واد النمل:
فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (21)
فما الذي حصل يا ترى حتى يخرج سليمان غاضباً متهدداً أحد جنده (الهدهد) بالعذاب الشديد أو حتى بالقتل إن هو لم يبرر له سبب غيابه بعد أن كان للتو متبسماً ضاحكاً؟ وهل - يا ترى- اقترف ذلك الطير من الذنب ما يبرر إيقاع العذاب الشديد به أو حتى قتله؟ ولنفترض أنه قد غاب عن طابور سليمان العسكري، فهل هذا ذنب يستحق عليه ذلك الطير مثل ذلك العقاب الكبير؟
رأينا: كلا وألف كلا، نحن لا نعدم الإيمان بأن ذلك الطير قد ارتكب من الذنب ما يجعله يستحق مثل تلك العقوبة، وإلا لما خرج سليمان متوعداً له بالعذاب الشديد أو حتى بالقتل، ولا أخال أن سليمان يمكن أن يظلم الآخرين بأن يوقع عليهم عقوبة أشد مما يجب. فلابد – نحن نظن- أن يكون قد حصل أمر جلل دفع بسليمان أن يخرج غاضباً متوعداً بعد أن كان يتبسّم ضاحكاً قبل قليل.
السؤال: ما الذي فعله ذلك الطير (الهدهد) حتى استحق هذه العقوبة في نظر سليمان؟
رأينا: للأمر علاقة بفتنة سليمان، ولكن كيف؟
افتراء من عند أنفسنا خطير جداً: يسير سليمان بجنده باحثاً عن توسعة لملكه وهو لازال حديث عهد به، يصل إلى واد النمل، يسمع تلك النملة تصيح بإخواتها بأن يدخلوا مساكنهم حتى يمر سليمان بجنده بلهجة لا تخلو من اللكنة فيها، فينفجر سليمان ضاحكاً من قولها، وما يكون منه إلا أن يأمر جنده بالتوقف حتى تدخل النمل جميعاً إلى مساكنهم، ولما كان المكان هو عبارة عن واد، فإن عبور جند سليمان يصبح صعباً مع دخول النمل مساكنهم في نفس الوقت بعض الشي، لذا نحن نتخيل الموقف على نحو أن يأمر سليمان جنده بالتوقف، وربما بالمبيت في ذلك المكان حتى تحصل عملية دخول النمل في مساكنهم، ويتأكد سليمان أن عبور جنده الواد لن يسبب الأذى للنمل، وفي تلك اللية وفي ذلك الوادي – نحن نفتري الظن- تعرض على سليمان الصافنات الجياد، ليختار منهن من يجب أن تتوارى في الحجاب ليعاشرها سليمان في تلك الليلة، وما هي إلا لحظات حتى يدرك سليمان ما ارتكب من الذنب، بأن نسي ذكر ربه بسبب حب ذلك الخير. فلا يستغفر ربه على الفور ولا يخر راكعاً كما فعل والده داوود عندما حصلت له الفتنة، ولكنه يتابع التلذذ بالنساء، وذلك عن طريق المسح بالسوق والأعناق:
رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ                                  ص 33
السؤال: كيف طفق سليمان مسحاً بالسوق والأعناق وهو الذي ما فتىء يتذكر أنه قد "أحب حب الخير عن ذكر ربه" وهو من طلب أن ترد عليه من توارت في الحجاب؟
رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ
وبكلمات أخرى، كيف نفهم أن سليمان يطلب أن ترد عليه من توارت في الحجاب، وما أن ترد عليه حتى يطفق مسحاً بالسوق والأعناق؟ وما هي السوق وما هي الأعناق التي طفق سليمان مسحاً بها أصلاً؟
رأينا: لا شك أن الأعناق هي آخر الرقبة من جهة الجسد وليس من جهة الرأس:
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ                                            الأنفال 12
أما السوق (ومشتقاته)، فهو – برأينا- ذو علاقة بالحركة:
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا                                               مريم 86
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ                                                                                             السجدة 27
يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ الأنفال 6
يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ                       القلم 42
وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ                                                         القيامة 29
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ                                                       القيامة 30
وأظن أنه ما يستند عليه الشي ليثبته على الأرض كما في حالة الزرع الذي يستوي على سوقه:
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا                                         الفتح 29
وهو ما كشفت عنه ملكة سبأ يوم أن رأت صرح سليمان:
قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ                                 النمل 44
ولو تدبرنا ما فعل سليمان لوجدنا أنه قد طفق مسحاً بالسوق والأعناق، فكيف طفق سليمان عليهما مسحاً؟
لا شك عندنا أن "الطفق" هو الشروع في عمل الشيء على عجل، بالضبط كما فعل آدم وزوجه لحظة أن بدت لهما سؤاتهما:
فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ                        الأعراف 22
فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ     طه 121
وحتى يتم "المسح" فلابد أن تستخدم اليد، فكيف تتم عملية المسح على الرأس في حالة الوضوء؟
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا                             النساء 43
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ                            المائدة 6
نتيجة مفتراة: يصور المشهد وجود الأعناق ووجود الساق، كما يصور حصول عملية المسح باليد على هذه الأجزاء من الجسم، وإن صحت افتراءاتنا هذه، فإننا نظن أن سليمان قد انغمس في معاشرة النساء ولم يستغفر ربه مباشرة  ولم يخر راكعاً مباشرة بعد أن ظن أنه قد أحب "حب الخير" عن ذكر ربه، وما أن ينهي سليمان انشغاله بملذاته هناك في خلوته ويعود إلى كرسيه (مكان حكمه) حتى يجد أن المكان قد شغل بذلك الجسد الذي ألقي عليه:
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ
فلا يستفغر ربه في الحال ولا يخر ساجداً كما فعل والده داوود عندما ظن أنه قد فتن:
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ
وجل ما فعل سليمان هو أنه أخر إنابته بدليل وجود حرف الجر ثم كما ذكرنا سابقاً:
          وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ     
فماذا فعل سليمان عندما وجد الجسد على كرسيه؟ ولماذا تأخر في الإنابة؟
رأينا: إن هذا السؤال يعيدنا فوراً إلى السبب الذي نظن أن سليمان قد خرج من أجله ليتفقد الطير وليتوعد الهدد بالذبح أو بالعذاب الشديد. ولكن كيف حصل ذلك؟
للإجابة على هذا السؤال لابد من طرح سؤال آخر وهو: لماذا خرج سليمان ليتفقد الطير على وجه الخصوص؟ ألم يكن جند سليمان يتكون من الجن والإنس والطير؟ لم خرج ليتفقد الطير ولم يخرج ليتفقد الإنس أو الجن؟ ولم سأل عن الهدهد؟ ولم لم يسأل عن غيره؟
جواب: ربما يظن البعض أن سؤال سليمان عن الهدهد جاء بسبب أنه لم يره في الطابور التفقدي، ولكن إن صح هذا القول، فلم يتبع سؤاله عن الطير بعبارة "أم كان من الغائبين"؟
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ
إن أبسط ما يمكن أن نستنبطه من استخدام سليمان لتلك العبارة (أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ) هو معرفته المسبقة بوجود جزء من الجيش في الغائبين، ولا أظن أن سليمان سيخرج بجنده ويصل إلى واد النمل ولا يكون قد بعث من كتائب الإستطلاع من يأتيه بالأخبار، لذا لا يكون الهدهد فقط هو من غاب عن حضور طابور سليمان التفقدي، فلقد كان جزء من جيشه في الغائبين، فسليمان يعرف مسبقاً أن جزءاً من الطير قد تم إرساله في مقدمة الجيش لاستطلاع الأخبار، ولو دققنا أكثر فيما فعل الهدهد لربما تأكدت لدينا الفكرة أن سليمان قد خرج أصلاً باحثاً عن الهدهد على وجه الخصوص، فهو يسأل عنه بغض النظر عن وجوده سؤاء كان بين الحاضرين أم كان بين الغائبين، فمشكلة سليمان مع الهدهد لا تكمن في حضور الهدهد أو عدم حضوره الطابور التفقدي لأن مثل تلك الجريمة (إن كانت ترقى لمستوى أن تكون جريمة) لا تستدعي كل ذلك الغضب من سليمان ولا تستدعي مثل تلك العقوبة القاسية، لذا كانت ردة فعل الهدهد غاية في الذكاء، فلم يقترب كثيراً من سليمان، وبقي على مسافة منه (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ)، وحاول على الفور أن يتحدث بإسهاب عن نفسه وعن مكان تواجده قبل هذه اللحظة:
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ                         النمل 22
ولم يتوقف عند ذلك، بل عمد أيضاً أن يبيّن لسليمان أنه كائن لا يقل في إيمانه شأناً عن إيمان غيره من جند سليمان المؤمنين، فأخذ يخطب بسليمان وجنده:
إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ                               النمل 23
وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ                                                                                          النمل 24
أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ        النمل 25
اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ                                                 النمل 26
السؤال: ألم يبرر الهدهد إذاً مكان تواجده؟ ألا يشفع كل ذلك له؟ ولكن هل أسكت ذلك غضب سليمان؟
جواب: لو تدبرنا ردة فعل سليمان على خطاب الهدهد لوجدنا أن الشك الذي وقع في قلب سليمان حول ما فعل الهدهد لم تزيله تلك الحجة تماماً، فجاء رده على النحو التالي:
قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ                                                     النمل 27
إن أبسط ما يمكن أن نستنبطه من ردة فعل سليمان هذه على خطاب الهدهد ذاك هو أن غضب سليمان كان عظيماً وخاصاً بالهدهد على وجه التحديد، فسليمان لم يصدق تماماً ما قاله الهدهد، ولكنه في القوت ذاته لا يستطيع أن يكذبه، فأبقى الأمر معلقاً إلى حين آخر (قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، ولكن لماذا؟
افتراء من عند أنفسنا: سليمان يعود إلى كرسيه بعد أن تلذّذ بمعاشرة النساء على عجل (فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ)، فيجد أن الكرسي مشغولاً بجسد وقد ألقي عليه إلقاء (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا)، فبم يستغفر ربه في الحال ولم يخر راكعاً وتأخر في الإنابة (ثُمَّ أَنَابَ) وتثور ثائرته لظنه أن ملكه في خطر. فنحن نكاد نجزم أن أكثر ما يمكن أن يثير حنق الملك (أي ملك) هو شعورة بأن هناك تهديداً لملكه، فالذي أغضب سليمان أشد الغضب هو وجود دليل عنده على أن "شخصاً ما" قد استطاع أن يصل إلى كرسيه واستطاع أن يلقي عليه هذا الجسد، ولتبسيط الفكرة دعنا نتخيل ملكاً عادياً يدخل أكثر مكان خاص به، ليجد أن هناك اختراق له، ألا تثور ثائرته ليعرف من هو ذلك الشخص الذي استطاع أن ينفذ إلى مكان حكمه ليهدده. ثم ألا يحق له أن يجمع المسؤولين عن مراقبة المكان وايقاع أقصى العقوبة بهم إن هم قصروا في واجبهم؟ لذا نحن نفتري الظن أن سليمان قد ظن بأن ذلك الفشل الاستخباراتي (إن جاز التعبير) كان بسبب الهدهد، فإما أن يكون الهدهد هو نفسه من هدد ملك سليمان بإلقاء الجسد عليه أو أن يكون الهدهد قد فشل في مهمة سلامة كرسي سليمان من أن يلقى عليه شيء، ولكن أين الدليل؟
رأينا: نحن نظن أن الدليل على ذلك موجود في الآية الكريمة نفسها التي تتحدث عن فتنة سليمان:
          وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ
إن المدقق في السياق القرآني لا يجد عناء كبيراً بأن يدرك ان ذلك الجسد الذي وجده سليمان على كرسيه قد جاء بطريق الإلقاء، دقق عزسزي القارئ جيداً بمفردات الآية نفسها::
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ
فالجسد لم يوضع وضعاً مثلاً، ولكنه ألقي على الكرسي إلقاء، ونحن نظن أن الإلقاء لا يتم إلا من أعلى إلى أسفل، فنحن لم ننس بعد قصة إلقاء عصا موسى وحبال السحرة:
فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ                                                   الأعراف 107
قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ                              الأعراف 115
وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ                                                                الأعراف 120
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ                                            الأعراف 150
ولا ننسى كيف يمكن للشياطين أن تلقي:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ                                الحج 52
لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ                                                                              الحج 53
ولا ننسى أن الهدهد نفسه قد قام بإلقاء كتاب سليمان إلى ملكة سبأ إلقاءً:
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ                                          النمل 29
وهي الطريقة نفسها التي يصورها القرآن الكريم لدخول الكافرين النار:
أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ                                                                  ق 24
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ                                        ق 26
تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ۖ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ                      الملك 8
وهكذا فعل القوم بإبراهيم عندما أرادوا أن يحرقوه:
قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ                                                 الصافات 97
نتيجة: لقد أدرك سليمان عندما رأى الجسد متواجد على كرسيه أنه قد جاء بطريقة الإلقاء، عندها طار ذهنه ليتفكر بمن يمكن أن يقوم بفعلة كهذه، أو من هو المسؤول عن حراسة الكرسي من أن يلقى عليه شيء، ولما كان علم سليمان حتى الساعة منحصراً بجنده من الجن والإنس والطير، لم يكن ليتردد في فهم الأمر على النحو التالي: لا يمكن أن يكون من فعل ذلك من الجن أو من الإنس، ولابد أن يكون من الطير، لذا خرج على الفور متفقداً الطير على وجه الخصوص من دون جنده كلهم:
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ                         النمل 20
ولا أظن أن الملك في حالة خيانة عظمى كهذه يمكن أن يحاكم الجندي العادي، بل لابد أن يخاطب قائد الجند. لذا طار ذهنه على الفور ليظن أن الذي فعل مثل هذه الفعلة أو المسؤول عنها هو طير غير عادي، وربما ظن أيضاً أن من قام بفعلة كهذه ربما لن يكون من الحاضرين، لذا كان طلب سليمان هو احضاره فوراً بغض النظر عن مكان تواجده، ولما كان الهدهد غير متواجد أمام بصره في تلك الساعة ظن أن ذلك الطير هو من فعل مثل هذه الفعلة الشنيعة، فكان العقاب هو العذاب الشديد أو الذبح أو أن يأتي سليمان بسلطان مبين:
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ                            النمل 21
ولما جاء الهدهد وبرر لسليمان سبب غيابه، لم يسكت ذلك غضب سليمان، فأجل البت في القضية حتى ثبوت الدليل لديه:
قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ                                           النمل 27
وأوكل إليه مهمة تخلو من فعل الإلقاء ذاته:
اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ                     النمل 28
 إن عدم اقتناع سليمان التام بحجة الهدهد وانتظاره الخبر اليقين على صدق دعواه وطلبه الذهاب إلى ذلك المكان والقيام بعملية الإلقاء ربما تشير مجتمعة إلى أن سليمان يتوعد الهدهد على النحو التالي:
أنا أعلم أنك أنت من قمت بفعل إلقاء الجسد على الكرسي، فغيرك من الجن والإنس لا يستطيع ذلك، وإن لم تصدق حجتك أيها الهدهد (وكنت من الكاذبين)، فأنت تعلم علم اليقين عاقبة فعلتك تلك: إنها الذبح
استراحة قصيرة ثم نعود
فما يكون من الهدهد إلا أن  يفعل ما أمره قائده، ولكن لم الهدهد؟ وما هو الهدهد أصلاً؟
رأينا: ما كان يستطيع الهدهد أن يخالف أمر سليمان، خصوصاً إذا ما عرفنا أن وظيفة الهدهد هي أصلاً نقل الرسائل، فنحن نفتري الظن أن كلمة الهدهد تعني الذاهب العائد، فهي تتألف من مقطين هما (هد—هد)، فـ "هد" الأولى تعني الذي يذهب في طريق ما و"هد" الثانية تعني الذي يعود بنفس الطريق التي سلكها في ذهابه
الدليل
نحن نظن أن الجذر الثنائي "هد" له علاقة بأفعال الهداية (هدى، يهتدي، اهدي، إهدن، ونحوها)، ومنها اشتق حسب اعتقادنا كلمة "يهود". ولكن كيف؟
ها هم بنو إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة بعد أن خالفوا أمر نبيهم موسى وأخيه هارون، فرفضوا دخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم:
قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ                                                                                        المائدة 24
قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ             المائدة 25
فما تكون النتيجة غير أن يحرم الله عليهم تلك الأرض أربعين سنة فيتيهون في الأرض:
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ                                                                                                المائدة 26
ولكنهم يعودون إلى ربهم بعد أن كانوا قد انحرفوا عن الطريق، فيقولون بألسنتهم أنهم قد "هادوا":
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ
فلو استثنينا الضمير المتصل "نا" من مفردة " هُدْنَا"، لوجدنا أنها تعود إلى الجذر "هد"، مفردة يهود تعني في ظننا العائدون أو التائبون ( إي الراجعون إلى الطريق نفسها بعد أن تاهوها)، فهم قد تاهوا في الأرض أربعين سنة ولكنهم تنبهوا أخيراً إلى سوء ما فعلوا فاتخذوا قرارهم بالعودة إلى الله، فسلكوا طريق العودة، فكانوا يهودا.
ويؤكد مثل هذا الظن ما قاله موسى عندما توجه تلقاء مدين، فحتى لا يخطئ الظن موسى طلب من ربه أن يهديه سواء السبيل:
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ                        القصص 22
وها هم القوم يطلبون من داوود أن يهديهم إلى سواء الصراط:
إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ                                            ص 22
ونحن جميعاً نطلب من ربنا أن يدلنا على الطريق الصحيح حتى لا نضل:
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ                                                               الفاتحة 6
عودة على بدء
يذهب من يعرف الطريق إلى مملكة سبأ ليلقي عليهم كتاب من سليمان، فتقرأه ملكتهم على القوم ليكون مفاده أن الكتاب قد جاءها بطريقة الإلقاء، وأن فحواه على النحو التالي:
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ                                         
إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ                                         النمل 29
وعندها تبدأ قصة سليمان مع الملكة التي سنتناولها في الجزء القادم من المقالة بحول الله وتوفيقه، حيث سنتطرق للحديث عن كيف استجابت الملكة وقومها لدعوة سليمان، وكيف تم غحظار عرشها بأسرع من خطف البصر، ولماذا دخلت صرح سليمان، ولماذا كشفت عن ساقيها عندما دخلت الصرح، وما هو أصلاً صرح سليمان وكيف يختلف عن كرسيه، الخ.
ولكن قبل ذلك لابد من العودة إلى مشطلة فتنة سليمان، وقصة الجسد الذي ألقي على كرسيه، فنحن نتخيل أن افتراءاتنا السابقة ربما ترشدنا لفهم تلك الجزئية بطريقة أكثر دقة وتميزاً مما عهدنا في الكتب الصفراء التي امتلئت بقصص بني إسرائيل المكذوبة، لذا الله أسأل أن ينفذ قوله بمشيئته وإرادته لي الإحاطة بشي من علمه لا ينبغي لأحد غيري إنه هو السميع المجيب.
أما بعد،
عندما أيقن سليمان من صدق ما قاله الهدهد، وأن الهدهد لا علاقة له بإلقاء ذلك الجسد على كرسية، وإنما هي فتنة من الله، عندها فقط أيقن سليمان بأن ملكه لم يكتمل بعد كما كان يظن يوم أن حشر الناس في بداية تسلمه للسلطة وقام بهم خطيباً ينبههم إلى عظمة ذلك الملك، لقد وصل سليمان إلى قناعة مفادها أن ملكة يمكن أن يخترق، وها هو يخترق من أعلى (إلقاء)، فعندها أناب إلى ربه، ودعا ربه دعوته الشهيرة بأن لا يهب لأحد من بعده ملكاً كملكه، فجاءت الاستجابة الربانية على النحو التالي:
فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ                             ص 36
وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ                                                ص 37
وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ                                       ص 38
 السؤال: لماذا سخر الله لسليمان بعد تلك الفتنة وبعد ذلك الدعاء هؤلاء: الريح، الشياطين، وآخرين مقرنين في الأصفاد؟
الريح: لأنها تهوي
حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ                                                   الحج 31
السؤال: هل هي الريح التي هوت بذلك الجسد في ذلك المكان السحيق، فلا ننسى أن سليمان كان لا يزال في واد النمل؟
الشياطين: تتنزل وتتلو
وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ                                                     الشعراء 210
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ                                      البقرة
السؤال: أم هم الشياطين الذين تنزلوا بذلك الجسد، وتلوه على ملك سليمان؟
المقرنين في الأصفد: أم هل هم المقرنين في الأصفاد الذي قاموا بتلك الفعلة؟ ومن هم أصلاً المقرنين في الأصفاد أصلاً؟

هذا ما سنتابع الحديث عنه في الجزء القادم بحول الله وتوفيقه، نسأل الله أن نكون ممن يقولون الحق فلا يفترون عليه الكذب إنه هو السميع المجيب.
والله أعلم

المدّكرون:          رشيد سليم الجراح
                   علي محمود سالم الشرمان

بقلم      د. رشيد الجراح

22 تشرين أول 2012





















[1] لاحظ الفرق بين "الحجاب" من جهة و"الحجاب المستور" من جهة أخرى، فالحجاب هو الحاجز المادي الذي يمكن رؤيته العين، ولكن الحجاب المستور هو الحجاب الذي قد ستر فلا يمكن رؤيته بالعين، فالكفار لا يرون الحجاب الذي أسدل بينهم وبين نبي الله ولكنهم يشعرون به. فالله وإن جعل ذلك الحجاب قائماً فعلاً بين نبيه وبين الذين لا يؤمنون إلا أنه في الوقت ذاته قد ستره (أي ستر الحجاب).