تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

والعلماء هم الظالمون (2)







تنبيه (1): يرجى من القارئ الكريم قراءة هذه المقالة في ضوء ما ورد في مقالتنا السابقة، فهذه المقالة هي الثانية في سلسلة مقالاتنا تحت عنوان والعلماء هم الظالمون.
تنبيه (2): هذه المقالة تعبر فقط عن وجهة نظر كاتبها، وهي بأي حال من الأحوال غير ملزمة إلا له، لأنه يعتقد أن هذا هو الحق، ولو استطاع أحد أن يثبت خطأ الكاتب، فهذا مما سيثر البهجة لديه، وهو (أي الكاتب) لا شك مستعد ليتخلى فوراً عن هذه الآراء، لذا فإننا نهيب بالإخوة القراء أن يبحثوا عن فجوات في هذا الطرح ليتم تصحيحه، كما نهيب بالقارئ الكريم أن لا يؤمن بما جاء في هذه المقالة لأن الإيمان بذلك يعني إقامة الحجة عليه، وبالتالي تحمله تبعات مثل هذه المواقف التي من الممكن أن تكلفه ما (قد) لا يحتمله، لذا فإننا نرى أن لا يكلف القارئ نفسه عناء قراءتها في البدء، وإن هو فعل أن لا يقتنع بما جاء فيها، ومن ثم إلقائها إلى recycle bin على جهاز الحاسوب.


أما بعد:

والعلماء هم الظالمون (2)
لقد زعمنا في مقالتنا السابقة أن العلماء هم من أهم أسباب وقوع الظلم على الناس، لذا فقد ذهبنا إلى القول أن العلماء كانوا على الدوام سبب بلاء هذه الأمة كما كانوا سببه الأول والأخير عند الأمم الأخرى،  وقدمنا عدة أمثلة على وقوع الظلم بين الناس بسبب فتوى شرذمة من الناس يسمون أنفسهم (ويظن السواد الأعظم من الأمة أنهم) علماء هذه الأمة، والأمثلة التي قدمناها في مقالتنا السابقة هي:
1.     حرب الخليج
2.     العمل في دول الخليج العربي
3.     جواز السفر الغربي
4.     حكومة سمير لا قمحة ولا شعير
أما في مقالتنا هذه فسنقدم مثالاً جديداً من واقع ما حصل لهذه الأمة مع بداية هذا العام 2011، ونخص بالذكر ما حصل من تحولات جذرية في السياسة تمثلت بسقوط فراعنة وأكاسرة وقياصرة هذه الأمة عن عروشها، وما رافقها من فتوى دينية أحلت تارة وحرمت تارة أخرى، فأوقعت الناس في حيرة. والفتاوى التي سنتناولها في هذا الجزء من المقالة هي
1.     فتوى الشيخ القرضاوي
2.     فتوى الحبيب الجفري
3.     فتوى شيخ الأزهر
4.     فتوى مجمع كبار علماء "السعودية"


فتوى الشيخ القرضاوي
قال تعالى:       
                   وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ            البقرة (42)
         
إننا نزعم أن هذا الشيخ هو من الذين "يكتمون الحق وهم يعلمون"، ومقالتنا هذه تقدم الدليل على هذا الزعم.
في مقابلة على قناة الجزيرة في برنامج "الشريعة والحياة" في واحدة من أيام أحاد هذه السنة المباركة بحول الله وتوفيقه، خرج الشيخ القرضاوي يزأر كالأسد (بعد سقوط زين العابدين بن على عن سدة الحكم في تونس) أقول خرج يزأر بكل عبارات الشتم على هذه الطاغية الذي ظلم العباد ونهب البلاد، وأثنى على الثورة التونسية وما أنجزته في هذه الفترة الوجيزة، وقد خرج بعد ذلك عدة مرات يثني ويشجع المصريين والليبيين على الاستمرار في الثورة ضد الطغاة لإسقاط أنظمة الحكم تلك، ولا شك أن الشيخ القرضاوي كان يتحدث بصفته كرئيس لمجمع علماء المسلمين.
ما أود أن أقوله هو لا بارك الله بذاك الشيخ، ولا بارك الله بذاك المجمع الذي يمثله إن كان الدين هو على تلك الشاكلة التي يقدمونه للناس، أما عن سبب هذا الموقف فأنا أعتقد أن هذا الشيخ ومن يمثّلهم هو ممن يكتمون الحق، ويتصيدون الفرص لاغتنام المكاسب، لذا يجب على الأمة أن تحذر من فتواهم، وأن لا تأخذ بها إطلاقاً، وهذا ما سنبينه في هذا الجزء من المقالة.
لقد نبع هذا الموقف من مشاهدتين رئيسيتين تتعقلان بموقف هذا الرجل:
أولا، أن الكلام المباشر الصريح ضد طاغية من حكام المسلمين لم يخرج من هذا الشيخ وأمثاله إلا بعد نجاح الثورة التونسية، ولم تكن فتواهم هي المحرك الذي دفع الناس للخروج إلى الشارع والتظاهر، فما سمعنا فتوى لهذا الشيخ ومن يمثلهم (ممن يسمون أنفسهم بالعلماء) إلا بعد سقوط الطاغية، فخرجت ألسنتهم من حناجرهم تكيل لتلك الجثث الهامدة كل عبارات التجريح والشتم، وما أظن ذلك إلا لجني ثمار تلك الثورات، واللحاق بركب الشعوب مخافة أن يبقوا في المؤخرة، وقد كان لهم ما أرادوا، فذهب شيخنا ليكون خطيب وإمام صلاة الجمعة بعد نجاح الثورة المصرية، أليس كذلك؟ ولكن ربما يبادرنا البعض بالقول بأن هذا هو موقف معظم علماء المسلمين وليس القرضاوي فقط من فعل مثل تلك الفعلة، فما الضير في ذلك؟ فنقول نعم هو كذلك، وما كنت سأهاجم موقف الشيخ لو أنه توقف عند هذا الحد، فأنا أعلم بالقطيعة بين الشيخ والنظام المصري التي استمرت سنوات عديدة، ولا شك فإن الشيخ قد تحمل تبعات موقفه ذاك، وأسأل الله له الأجر على ذلك، ولكن المشكلة عند هذا الشيخ (ومن دار في فلكه) تجلت أكثر في المشاهدة الثانية التالية، وهي التي قللت من رصيد هذا الشيخ عند نفر من أبناء المسلمين.
ثانياً، أنا أتحدى أن يخرج هذا الشيخ وأمثاله بفتوى وجوب الثورة على من تبقى من أولئك الزعماء العرب الذين لا يزالون يظلمون العباد وينهبون البلاد، بل على العكس، ففي نفس المقابلة السابقة الذكر مع ذاك الشيخ على قناة الجزيرة عندما كان يزأر كالأسد (فالأسود لا تقترب إلا من الجيف) على بن علي بعد سقوطه، بادره مقدم برنامج الجزيرة بسؤال مفاجئ عن موقفه بخصوص قيام السعودية بإيواء بن علي عندما رفضه أشد حلفاءه قرباً له وهم الأوربيون والفرنسيون على وجه التحديد، فما كان من ذلك الشيخ إلا أن هبط صوته بشكل ملفت للنظر، وأخذ يتنصل ويراوغ في الإجابة قائلاً "لكنه في السعودية كأنه سجين (قاصداً بن علي)"، ونحن نثير هنا عدة تساؤلات منها: لم لم يصدر الشيخ الجليل الفتوى التي يعتقد أنها الحق بحرمة إيواء بن علي في أرض الحجاز (لا بل وفي بلاد الإسلام والمسلمين كلها)؟ فهل يجوز - يا شيخنا الجليل- أن يحتمي من قاتل الإسلام وقهر المسلمين عقوداً من الزمن في أشد بلاد الإسلام قداسة؟ لم لم تصدر فتواك بأن من يحترم نفسه ويحترم شعبه (ويحترم حتى حيوانات مزرعته)، لا يمكن أن يقبل إيواء مثل ذاك الطاغية ناهيك أن يكون ذلك في أرض الحجاز (أرض الإسلام والمسلمين)؟
 ثم لنسألك –يا أيها العلامة كما يعرف بك مقدم برنامجك المفضل على قناة الجزيرة- السؤال الأكبر وهو: لم لا تصدر فتواك بخصوص "دول الخليج" ونظام الحكم والقهر فيها كما أصدرتها بحق تونس ومصر وليبيا؟ ولم لا تصدر فتواك تلك بحق سوريا والأردن والعراق والسودان والمغرب وقطر وعمان؟ ولم لا نسمع منك الدعم للمحتجين في البحرين كما فعلت في الحالة التونسية والمصرية والليبية؟ هل لا زلت تنتظر حتى تبدأ الثورة في "السعودية" مثلاً وتأتيك الأخبار بحتمية نجاحها حتى تصدر فتواك؟ هل هذا هو الدين حقاً وهذه هي الفتوى الدينية؟ أم هل لا زلت بعد هذا العمر لا تستطيع إلا أن تغازل آل ... وآل ... وآل ... الخ؟ هل لا زالوا أولياء نعمتك والمغدقين عليك من أموال المسلمين المنهوبة؟! أم أنكم ما انفككتم تظنون أن الفتاوى الدينية كنطفكم لا بد أن تتخيروا لها؟!
ألم يكن الأجدر بك أن تقول لكل من يؤوي ذاك الطاغية فلتهنأ به حتى يأتي دوركم؟ ألم يكن الأجدر بك أن تشد من عزم أهل أرض الجزيرة العربية وأرض الشام والرافدين كما فعلت في أرض الكنانة وتونس الخضراء وأرض أحفاد المختار لينتفضوا هم ضد طغاتهم الذين قهروهم ونهبوا ثرواتهم كما انتفض غيرهم؟ ألم يكن الأجدر بك أن تحذر من يؤوي هذا الطاغية (وأمثاله من شرذمة الحكام الذين تهاوت عروشهم والذين ستتهاوى عروشهم بحول الله وتوفيقه) أن في صنيعهم هذا ازدراء وتحقير لمشاعر شعوبهم ومشاعر الشعوب العربية والإسلامية كلها يوم أن قبلوا أن تدوس أقدامه تلك الأرض الطيبة؟
إننا نعتقد أن المشايخ أصحاب العمامات البيضاء والسوداء (على حد سواء) الذين يسكتون عن قول الحق مخافة أن يغضبوا أولياء نعمتهم لا يختلفوا في مواقفهم هذه كثيراً عن السياسيين الانتهازيين الذين يقضوا جل أوقاتهم خارج البلاد، ولا يعودون إليها إلا بعد نجاح ثورات شعوبها ليقطفوا هم ثمارها ومكاسبها، أقول لو كانت شعوبنا على درجة كافية من الوعي ما قبلت هؤلاء في صفوفها، وما قدمتهم إلى الصف الأول ليقودوا الناس بعد كل تلك الدماء التي سالت.
إنني لا أقبل من هذا الشيخ وأمثاله بأقل من أن يخرج بفتوى وجوب الجهاد ضد حكام العرب من المحيط إلى الخليج دون استثناء (هذا إن كان يؤمن أن من واجب المسلمين أن يثوروا على ظلم حكامهم في تونس ومصر وليبيا)، أم هل لازال الشيخ يتخيّر الفتوى ليسلطها على رقاب البعض دون البعض الآخر؟ فلا أظن أن إنساناً سوياً يعتقد أن الظلم الذي حصل في تونس ومصر وليبيا أقل من الظلم الذي لا زال يحصل في سوريا والأردن والعراق والسعودية وقطر وعمان واليمن والإمارات والمغرب والجزائر وموريتانيا والسودان والصومال. وهل أعتقد - يا شيخنا الجليل- أن أرصدة زين العابدين وحسني والقذافي في الخارج بأكثر من أرصدة من لازال قابعاً على كرسيه ولم تطح به رياح الثورات بعد. أم هل تظن أن ليلى الطرابلسي وسوزان مبارك قد أنفقن من أموال الشعوب على دور الأزياء والحلي والمجوهرات بأكثر مما تنفق زوجات من تبقى منهم؟ وهل تظن يا شيخنا الجليل أن أقرباء وأنسباء الرئيس وزوجاتهم في تونس ومصر وليبيا بأكثر من أقرباء وأنسباء أصحاب الفخامة والسمو والجلالة في البلاد التي لم تتقد الثورات فيها بعد؟ فأين فتواك فيمن تبقى؟ أم أن الفتوى للأموات فقط؟
أتق الله يا شيخنا في الأمة، وقل كلمة الحق شاء من شاء وغضب من غضب، ولا تكن ممن يعلمون الحق ويكتمونه، ولو نطقت أنت (وأمثالك ممن يتصدون للفتوى) كلمة الحق في كل حين، لما وصلت هذه الأمة إلى الحضيض، وبقيت في ذيل القافلة مئات السنين، ولما استبد هؤلاء الشرذمة من الحكام الذين امتطوا ظهوركم ليحكموا الناس بالحديد والنار والفتوى الكاذبة.    
                                     
(المجد والخلود لـ بوعزيزي، والخزي والعار لحكام العرب وعلماء السلاطين)


فتوى الحبيب الجفري
قال تعالى:
                وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ     البقرة (42)

إننا نعتقد أن هذا الشيخ قد ألبس الحق بالباطل، ومقالتنا هذه تحاول تقديم الدليل على هذا الزعم
أجرت قناة تلفزيونية مصرية موالية لحسني مبارك في منتصف الثورة المصرية اتصالا هاتفياً بالداعية اليمنية الحبيب الجفري ليبدي رأيه فيما يخص الثورة المصرية، فكان ذلك الشيخ أكثر دهاء ومراوغة من الشيخ القرضاوي، فراوغ في الكلام حتى قلب الأبيض إلى أسود والأسود إلى أبيض، وانتهى في كلامه إلى وجوب الكف عن التظاهر، والمقصد الشرعي لديه هو حقن دماء الناس. وذهب إلى مقارنة ما يحدث في مصر في تلك اللحظة مع ما يمكن أن يحدث في اليمن (وقد كانت المظاهرات اليمنية لا زالت في بدايتها)، وانتهى إلى القول أن اليمن شعب مسلح ويمكن أن يتسبب ذلك في حرب أهلية طاحنة، لذا من الحكمة (حكمته هو بالطبع) التعقل والكف عن التظاهر والخروج إلى الشارع.
نعم يا شيخنا الجليل، إنّ من الحكمة أن تتعقل الشعوب، ولكن لدي سؤال بسيط جداً، أليس من الحكمة أن تتعقل الأنظمة أيضاً؟ ثم أليس من الحكمة أن نطلب الحكمة من أهل الحكمة أصلاً؟ أليس حكام العرب هم أحكم الناس وأعقلهم؟ أليس كل واحد منهم هو الحاكم الملهم الذي لا يخطئ؟ لم إذاً لم توجه كلامك إلى أولئك الحكماء أن يتعقلوا هم ويتنازلوا عن الكراسي التي التصقت بقفاهم عقوداً من الزمن؟ هل من الحكمة أن تطلب الحكمة من أهل الجهالة كهؤلاء الجياع الذين خرجوا إلى الشوارع بحثاً عن رغيف الخبز في مكبات الزبالة؟ ألم تخطب علينا يا شيخنا عن ذاك الصحابي الذي قال "عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج شاهراً سيفه"؟ أم أن ذلك كلام يخص الزمن الغابر، ومن غير الحكمة أن نتمثله نحن في زمننا؟ أليس من الحكمة أن تقول لجميع حكام العرب (من قضى نحبه منهم ومن ينتظر) كفاكم ما نهبتم من أموال العرب وأودعتموها في بنوك وبورصات الغرب؟ أليس من الحكمة أن تقول لهم كفاكم ما أنفقتم أنتم وأبناءكم (وحتى كلابكم) من أموال الضعفاء والمساكين على دور الملاهي والقمار في فينا ولاس فيقس، الخ؟ هل تتوقع بمن لا يجد وظيفة مدى عشرين سنة أن يسكت عندما يسمع عن المليارات التي ستجمدها بريطانيا وفرنسا وأمريكيا وغيرها من دول الكفر والإلحاد لهؤلاء الشرذمة من الحكام الفاسدين الذين لم يرقبوا في مؤمن إلاًّ ولا ذمة؟

          (المجد والخلود لـ بوعزيزي والخزي والعار لحكام العرب وعلماء السلاطين)


فتوى شيخ الأزهر
لا شك أن الأزهر وأمثاله من دور العلم الإسلامي لم يعد في زمن هؤلاء السلاطين وعلمائهم أكثر من أراجوز، كل شيء فيه ممكن إلا العلم، سمّيه ما شئت: دار أمن دولة، دار سياسة، دار لهو، الخ، لكن لا تسميه دار علم. فهو أبعد ما يكون عن العلم كمؤسسة دولة، فالعلم الذي فيه هو في خدمة السلطان وزبانيته وحتى عشيقاته، ولكنه لا يخدم الإسلام ولا المسلمين، فها هو شيخ الأزهر كشخص والأزهر الشريف كمؤسسة لا يتردد في الوقوف في صف الرئيس ويتحدى مشاعر المصريين كلهم والعرب والمسلمين من ورائهم، والهدف هو إرضاء الرئيس حتى لو كلف ذلك غضب كل المسلمين على وجه البسيطة.
لا شك أن تلك هي الفتوى الدينية التي ترضى الرئيس حتى ولو كان ذلك على حساب رب الرئيس، فالرئيس في الديانة الفرعونية هو ابن الآلهة، والأزهر الشريف ليس أكثر من معبد للإله وأبن الإله، فطاعة أبن الإله مرضاة للرب نفسه. ولكن يا ترى: هل ثبت شيخ الأزهر على موقفه هذا الذي نبع في الأصل من عقيدته الدينية؟ أم هل تتغير عقيدته الدينية بتغيير الرئيس؟ وأخشى ما أخشاه أن يكون هو وأمثاله يظنون أن الحكمة هي ما فعله أسلافهم، فأنزل الله قرآناً يتلى بحقهم في قوله تعالى:
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا                                                           النساء (141)
المحزن (ولكن ليس غريبا على أمثال هؤلاء المتسلقين المنتفعين) في الأمر أن شيخ الأزهر لم يلتزم بمبدئه الديني الذي شرعه عن علم لحظة واحدة بعد أن سقط ابن الآلهة، فركض يبحث له عن ابن آلهة جديد حتى لا تفوته الغنائم، وليكون في خدمة سيده الجديد، فعقد مؤتمره الصحفي ليتبرأ من فتواه السابقة بخصوص مولاه وولي نعمته السابق (حسني المخلوع)، ولم يجد بدّاً (كما فعل غيره) من التعذر بالحكمة لتبرير تلك الفتوى السابقة وذلك الموقف، فالحكمة ومقاصد الشريعة لا تفوت مثل هؤلاء العلماء (الكبار في أعين الجهّال، الصغار في عين رب الناس)، فقد كان قلب شيخ الأزهر ينفطر للدم المصري الذي كان يسيل، وقد لحن في القول كما فعل القرضاوي والجفري من قبل، ولكن أود يا شيخي الجليل أن أسألك سؤالاً بسيطاً: لم لم يرتفع صوتك وينفطر قلبك على الدم المصري الذي سال تحت الأرض في أقبية السجون والتعذيب سنين كثيرة؟ لم لم ينفطر قلبك على المال المصري الذي سال أغزر من جريان النيل في بنوك فرنسا وسويسرا ونيويورك ولندن؟ لم لم ينفطر قلبك على ملايين المصريين الذين تشردوا في كل المعمورة بحثاً عن لقمة العيش التي لم يجدوها في مصر، مصر الحضارة، مصر التاريخ، ومصر الزراعة؟ ألم تقرأ في كتابك الذي حولته إلى قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً منها أن الله طلب من بني إسرائيل أن يهبطوا مصراً ليبحثوا عن البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل؟ كيف تحولت مصر الزراعة والخصب بشهادة رب العباد إلى مصر الجوع والمرض والجفاف؟ الجواب (حسب ظني) هو: لقد حصل كل ذلك يوم كان ابن إلهك (حسني المخلوع) هو حاكمها وأنت سادن معبدها (الأزهر).

(المجد والخلود لـ بوعزيزي والخزي والعار لحكام العرب وعلماء السلاطين)

(ملاحظة مهمة جداً جداًًً: إنني أتقدم بطلب إلى النائب العام المصري بإلقاء القبض على شيخ الأزهر والبابا شنودة بتهمة التواطؤ مع النظام السابق والتآمر على إفشال الثورة المصرية المجيدة)


فتوى كبار علماء "السعودية"
الناس يسموهم كبار علماء السعودية، وأنا أزعم أن الصفة الحقيقية التي تميزهم هي "كبار ... السعودية"

الزمان: 7/3/ 2011
المكان: شاشة الجزيرة
الخبر: "كبار علماء السعودية يحرّمون المظاهرات"

في صباح ذلك اليوم، وعندما كنا نبحث عن خبر ربما يفرّج الصدر ويفرح القلب في الأزمة الليبية التي انطلقت شرارتها للتخلص من طاغية أخرى من طغاة هذا الزمان، وقد كانت أخبار حمام الدم الذي يسيل في ليبيا تتشقق لها الحجارة، وما هي إلا لحظات حتى قرأت ذلك الخبر الصاعق وهو يظهر على الشريط الإخباري على شاشة قناة الجزيرة، وقد كان مفاد الخبر هو: تحريم الخروج في مظاهرات، وقد كان هذا الخبر صادرا عن ما يسمى "بهيئة كبار علماء السعودية"
السؤال: ماذا تتوقع أن تكون ردة فعل كل مسلم في كل مكان على مثل هذه الفتوى؟
الجواب حسب منطق "هيئة كبار العلماء": هذا هو الدين رضي من رضي وغضب من غضب، أليس كذلك؟
"يا شباب ليبيا، يا ثوار ليبيا، يا جرحى ليبيا، يا قتلى ليبيا" اسمعوا فتوى كبار علماء السعودية: ما تفعلونه حرام. ما تفعلونه حرام، ما تفعلونه حرام. فالقذافي من ورائكم ونار جهنم من أمامكم، ولكم الخيار. إما أن ترضوا بالقذافي في الدنيا أو أن رب "كبار علماء السعودية" سيدخلكم النار بعد أن يذبحكم القذافي ذبح النعاج.
يا كل شعوب العرب التي تحررت والتي لم تتحرر بعد، المعادلة حسب رأي "كبار علماء السعودية" هي: أن ترضوا بحكامكم أو أن الله سيسكنكم في صقر، وما أدراك ما صقر، لا تبقي ولا تذر، ولكم الخيار.

المحزن (وليس الغريب على مثل هذه الشرذمة من المنتفعين) أن تلك الفتوى قد خرجت من "علماء السعودية وهاجسهم الأكبر ليس ليبيا أو تونس أو مصر أو الأردن أو اليمن (هذا وقد بارك بعضهم الثورات في تلك البلاد إن لم يكن في العلن فبينه وبين ضميره الذي رضي أن يريحه من عناء العمل بعض الوقت)، وإنما دول الخليج وخصوصاً السعودية نفسها، فالمعادلة حسب تلك الفتوى تكون لأهل تلك الديار على النحو التالي: إما أن ترضى أن يحكمك آل ... و آل... و آل... إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أو أن يدخلك الله أشد العذاب (ربما مع آل فرعون: النار يعرضون عليها غدواً وعشياً). عليكم إذاً أن تحسموا أمركم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة.

نقول لهذه الشرذمة من العلماء إذا كان هذا هو الدين فعلاً، فـ والله الذي لا إله سواه لا نريده، وإن كان هذا هو حكم الرب الذي تقصدونه فوربي إنه ليس بربي. فلكم دينكم ولي دين. هل هي سنة الله في الأرض أن يكون آل ... هم خلفاء الله وساسة الناس على الأرض؟ هل هي سنة الله أن يبقى الناس عبيد لهم لا حق لهم سوى أن يأكلوا ويشربوا كالدواب؟
أم حسبتم أنه إن أغناكم الله بحفنة من الدراهم والدنانير، أصبحتم تملكون الحق أن تفتفوا حسب مصالحكم ومنافعكم؟ أم حسبتم أن سكنكم في تلك الديار يعطيكم الحق أن تتلاعبوا بهذا الدين كيفما شئتم ورغبتم؟
إننا نرد عليكم بالقول: إن هذا الدين هو أشرف وأجل وأكبر من أمثالكم وأمثال حكامكم، إن هذا الدين هو أعظم من أن يخاط على مقاس أسيادكم وأولياء نعمتكم، إن هذا الدين هو الدين الحق الذي جاء به محمد بن عبدالله للبشرية كافة، ولا يستطيع بشر أن يحتكره لنفسه، وإذا أردتم أن تتحدثوا عن أنفسكم، فلتكن فتواكم على النحو التالي: (تحريم المظاهرات في السعودية أو في البحرين أو في أي مكان تمثلونه)، وإياكم أن تطلقوا فتاوى تخص غيركم، فنحن نعلم أن الله لا محالة سيخزي في الدنيا من يسخّر الدين في خدمة ميول وشهوات الحاكم، ولا شك أن الله سيحاسب كل على مواقفه يوم القيامة. وأنا شخصياً على استعداد أن أقف أما الله في يوم القيامة ليسأل كل منا عن موقفه هذا، وليكن كل منا مستعد لذاك اللقاء ، فوالله الذي لا إله سواه إني لأراه الآن وكأني فيه. أما في هذه الدنيا فإننا لا نرضى أن يكون الحكم بيننا غير قول الحق:
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ                        آل عمران (61)

ولا شك أنكم ستردون عليّ بالقول كفى هذا الرجل ما يقوم به من شتم وسب وألفاظ بذيئة، وأنتم لا شك أجل من أن تردوا على رجل أخلاقه هذه، فأنتم أهل حكمة وعقلانية (والمحزن أن يقتنع الكثيرون من المغفلين من أبناء المسلمين بحجتكم هذه)، ولكني سأذكركم بآية واحدة في كتاب الله هي التي دفعتني لأشتمكم، واشتم كل من يسلك طريقكم ممن يسمون أنفسهم بعلماء المسلمين، قال تعالى:
لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا         النساء (148)
نعم، هي رخصة من الله أن نجهر بالسوء متى شعرنا بالظلم، وأنا أدعو كل من شعر بالظلم من أبناء المسلمين أن يتمثل قول الحق، وأن يجهر بالسوء، فالله سبحانه قد لعن وشتم من ظلم، قال تعالى:
          إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ
وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ                                                                     البقرة (159)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا                النساء (47)
وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ                        الأعراف (44)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۚ أُولَٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ                                           هود (18)
وعندما تمادى بعضهم في غيّه وظلمه وتسبب بالأذى للمسلمين أنزل الله في حقه قرآناً يتلى فيه أقسى عبارات الشتم والتقريع، قال تعالى:
وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ (13)                                                                     القلم 10-13
فلربما ظن هؤلاء الشرذمة والصعاليك ممن يسمون أنفسهم بالعلماء أننا نظلمهم عندما نشتمهم، ولكني أسأل كل من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد:  ألم يظلم هؤلاء الشرذمة من "علماء السلاطين"  الآلاف من أبناء المسلمين الذين سالت دمائهم يوم خرجوا يدافعون عن حقوقهم وأعراضهم وأوطانهم في وجه من سرقوهم من أمثال زين العابدين وحسني والقذافي؟ ثم ألم يظلم هؤلاء الشرذمة من العلماء الآلاف الذين ستسيل دمائهم يوم يخرجوا لنفس الغرض ضد كل الطغاة الذين ما كانوا يوماً عبيداً لله كما كانوا عبيداً لكراسيهم التي لن يتنازلوا عنها ولو كلف ذلك أن تجري الدماء أغزر من جريان الأنهار؟ فأي شيء أكبر ظلماً من أن ترموا الناس (بفتواكم) بالنار وهم قد خرجوا ليضحوا بأنفسهم وأبنائهم وأموالهم ليدافعوا عن أنفسهم وعن أبناء جلدتهم الذين آثروا أن يختبئوا وراء فتوى زائفة؟ ألم يخرجوا هؤلاء مضحّين بأرواحهم وشعارهم الأكبر "ليموت من مات عن بينة وليحيي من حي عن بينة"؟
ثم، ألا ترون -يا سادة - ما فعلت وما ستفعل فتواكم تلك بالأمة التي لازال السواد الأعظم من أبناءها لا يعرفون القراءة والكتابة بفضل انجاز قياداتنا الربانية الملهمة والمؤيدة بتأييد السماء بفضل فتاويكم الجاهزة؟! إننا نشهد النقاش الآن دائر بين أفراد العائلة الواحدة، فأصبح البعض منهم يظنون أن الحق فيما تذهبون إليه، في حين اشتد حنق وسخط الفريق الآخر، وهم المستعدون للتضحية بأنفسهم في سبيل إنقاذ بلادهم، ألا ترون –يا سادة – أن فتواكم هذه قد أشعلت فتنة، لا شك ستستعّر نارها يوم تداهمكم تلك الثورات في عقر داركم؟ وأي شيء أكبر من الفتنة التي وصفها ربنا في كتابه الكريم أنها أكبر من القتل؟ ألم يكن الأولى بكم أن تغلقوا أفواهكم وتسكتوا حناجركم بدلاً من إشعال فتيل فتنة ربما تطحن بالأمة عشرات السنين؟ أما في واقع الحال فإن الخانع الجبان سيتسلح بفتواكم ليهرب وينجو بروحه، ولكن الشجاع المقدام فسيضرب بفتواكم عرض الحائط، وسيقدم الغالي والنفيس ليكسب حريته وحرية أمثالكم الذين يفضلون حياة الرق والعبودية.

والأهم من ذلك كله، ألم تخطبوا علينا قصصاً من سالف الزمان على المنابر (وحتى في فضائياتكم التي تتكسبون منها باسم الدين كما يتكسب أصحاب فضائيات الدعارة باسم الحب والفلانتاين)، أقول ألم تخطبوا فوق رؤوسنا أن أعظم الجهاد في سبيل  الله هي كلمة حق عند سلطان جائر؟ وأي جور – أستحلفكم بالله يا سادة- أعظم من جور من يحكموكم ويحكموننا؟ وأي جهاد أعظم من أن تقول لهؤلاء اللصوص أنكم سرقتم مقدرات الأمة وتركتموها في ذيل القافلة بالرغم من المقدرات والثروات الهائلة التي تتوافر في بلاد الإسلام والمسلمين؟ هل أفلحت مليارات الخليج في أن ترفع تصنيفكم من دول العالم الثالث إلى دول العالم الثاني ناهيك أن تكونوا من دول العالم الأول؟ هل مثال ماليزيا وتركيا ليخفى عليكم؟ هل استطعتم أن تجاروا حتى جارتكم وعدوتكم اللدود إيران؟
أم أن ذلك جهاد في الزمن الغابر، أما في زمن حكامكم وأولياء نعمكم يصبح خروجاً على ولي الأمر، لا يعدو أكثر من انتحارا، النار يوم القيامة نصيب من يشارك فيه؟ كم تغنيتم على المنابر وفي الفضائيات بشجاعة النفر الأول من أبناء المسلمين في قول الحق؟ ولكن - يا سادة- هل الشجاعة أن تقف صارخاً في وجه أبي بكر أو عمر أو عثمان كما فعل بعض رعيتهم؟ هل الشجاعة أن ينبري شخص من بين المصلين ليسأل عمر عن ثوبه الطويل؟ هل الشجاعة أن تقف امرأة لترد عمر عن قراره بتثبيت المهور؟ كلا، والله ليست تلك هي الشجاعة، لأن من يصرخ في وجه عمر يعرف أن عمر لن يظلمه، ولن يرميه في غياهب السجون تحت الأرض عشرات السنين دون محاكمة، ولن ينهال عليه حراس عمر بالعصي والبنادق والدبابات والطائرات وراجمات الصواريخ، ولن يبيد عمر القرية أو المدينة التي خرج منها ذاك المعارض، ولن يقضي على عشيرته التي أنجبته، فعمر يخاف الله ولا يظلم الناس، ولكن الشجاعة (كل الشجاعة) والجهاد الأعظم (الذي قصده النبي صلى الله عليه وسلم) هو أن تصرخ في وجه الحاكم الظالم من أمثال هذه الشرذمة من حكام العرب، لأن من يصرخ في وجههم يعرف أنهم لم ولا ولن يرعوا في مؤمن إلاّ ولا ذمة، وهم لم يتواروا عن قتل الناس في العلن ناهيك عن السر، ومن يصرخ في وجههم يفعل ذلك وهو يعلم أن أكفانه قد خيطت، فلا يفعل ذلك إلا بعد أن يودع أهله وأحبته تاركاً وصيته في فراشه الذي نهض منه في ذاك اليوم، فتلك هي الشجاعة، وتلك هي كلمة الحق، وهؤلاء هم السلاطين الظلمة. نعم إن من يتجرأ ويصرخ في وجه هؤلاء الطغاة هو أكثر شجاعة وأعظم أجراً من الذي صرخ في وجه عمر بن الخطاب، ذلك الدرس الذي أهلكتمونا بكثرة ترداده، فأين هو اليوم من فتواكم؟
لربما لا يحتاج الأمر إلى عظيم دهاء وحنكة ليعرف القاصي والداني أن الغرض من فتواكم تلك هو صد الخطر الشيعي الذي يتهددكم في عقر داركم، فالأمر في البحرين أقلقكم أكثر من التغير الذي حصل في مصر، والخطر أعظم عندما يقوم الشيعة في المنطقة الشرقية من دياركم بمثل تلك المظاهرات التي ستداهمكم في بيوتكم، فذاك بالنسبة لكم خطر عظيم. أليست تلك هي الفزاعة التي تلهبون بها مشاعر المغفلين ممن يستمعون لكم ويظنون صدق نواياكم؟
لا أود أن أجادل في من أضعف العراق ومنح إيران شرق البلاد بأكملها على طبق من ذهب، ولا أريد أن أجادل كيف قلبت فتواكم بين ليلة وضحاها اسم المقاتلين في أفغانستان من مجاهدين تتحقق على أيديهم المعجزات التي لم تكن تحصل إلا في زمن النبوة إلى إرهابيين مفسدين في الأرض، ولا أريد أن أتحدث عن من كان يدعم جون قرنق بكل المال والسلاح لإضعاف الدولة التي فكرت يوماً أن ترفع شعار الإسلام حتى اسميا، ولا أريد أن أتحدث عن من تآمر على الثورة الجزائرية التي خرجت باسم الإسلام، فكل ذلك سيتكفل الزمن بفضحه وتبيانه للبسطاء الذين لا يستطيعون أن يفكروا بأكثر من لقمة عيشهم، وسيعلم الناس ولو بعد حين من هي العائلة الحاكمة التي تتكسب باسم الدين وتحارب من يحاول حتى أن ينافسها في ذلك الإرث التاريخي الذي جعلوه بفضل فتواكم حقاً خالصاً لا ينازعهم عليه أحد، أقول لن أتحدث عن ذلك كله، ولكني سأخاطب المسلم البسيط (وأقصد هنا أهل السنة على وجه التحديد) بالسؤال التالي: ألا تتضايق عندما تسمع عن سوء معاملة النظام الشيعي في إيران لـ أهل السنة هناك؟ هل يرضيك أن يقع على أهل السنة في إيران السوء والظلم من النظام الشيعي الحاكم هناك؟ الجواب النفي قطعاً، فإن كان كذلك، ألم تقرأ قول الحق:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ                          المائدة (8)
أليس العدل هو أقرب للتقوى؟ هل كرهك لنفر من الناس يدعوك أن تظلمهم؟
لقد كان الأولى بهذه الشرذمة من العلماء أن يدعوا إلى العدل، فذاك من أبجديات من يعتبر نفسه مسلماً، إن صد الخطر الشيعي (كما تصورونه) لا يكون –يا سادة – بمحاولة إيقافه ومحاربته بكل ما أوتيتم من مال وقوة وعلم وجهل، ولكن بالعدل ولا شيء غير العدل، فالعدل أساس الملك، فمتى حصل العدل، أمن الناس على حياتهم وأعراضهم وأموالهم، ولكن متى عمّ الظلم وانتشر، بات الناس في قلق وخوف كالذي أحسستم به ودفعكم لإطلاق فتواكم المشينة تلك.

(المجد والخلود لـ بوعزيزي والخزي والعار لحكام العرب وعلماء السلاطين)

وفي الخاتمة أتوجه إلى عامة المسلمين بالخطاب التالي: ألا ترون أن العلماء قد اختلفوا في أمر هذه الحركات الشعبية؟ ففي حين أن بعض السادة العلماء يرون أن الخروج والمشاركة في هذه الثورات للتخلص من الطواغيت هو فرض عين على كل مسلم ومسلمة ، ولا يعتبر ذلك خروجاً على ولي الأمر (كما يفعل القرضاوي)، يرى فريق آخر من العلماء أن هذا ليس من باب المندوب أو حتى الحسن بل هو الشر بعينه (كما فعل كبار... السعودية)، لأن فيه خروج على أمر الحاكم الملهم المؤيد من السماء، وإثارة للفتنة التي تدعو الحكمة إلى وأدها في مهدها. والحال هذه، ألا ترون أن العلماء بحاجة إذاً أن يفضوا الخلاف بينهم قبل أن يوقعوا الناس في دنسهم؟ هذا هو –عزيزي القارئ- ما قصدناه وما نقصده على الدوام في مقالاتنا التي تندرج تحت عنوان "والعلماء هم الظالمون"، إنهم من يعرفون الحق ولكنهم إما أن يلبسوا الحق بالباطل أو أنهم يكتمون الحق، وهو بالضبط ما نفهم من النهي الإلهي الذي ورد في قوله تعالى:
          وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ                       البقرة (42)
         
والمحزن أن يظن البعض أن ذاك من باب اختلاف الرأي، ويكأن لسان حالهم يقول أنّ في اختلاف العلماء رحمة للأمة. كلا وألف كلا، أقول يا سادة إن هذا الظن هو المهزلة بعينها، وهو الذي قضى على الدين في مهده الأول، وهي الشعار الزائف (بل الأكذوبة) التي تم من خلالها تسويق وتمرير مئات بل الآلاف الأكاذيب على البسطاء من أبناء المسلمين،  فحتى يتم لكل  من يسمي نفسه عالما تسويق فكره (حتى وإن كان منحرفاً كـ فكري هذا مثلاً) كان لا بد أن يتسلح بهذه الفرضية الخاطئة، ونحن نظن أنها خاطئة لأننا نؤمن أن ليس لله طريقان، فالسبيل إلى الله هي سبيل واحدة، مصداقاً لقوله تعالى:
          قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
يوسف (108)
فابحث – رحمك الله- عن تلك السبيل، ولا توقع نفسك في شرك هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالعلماء، وما هم بأكثر من مرتزقة، يميلون حيث يميل هوى السلطان فينفذون له نزعاته وشهواته تحت غطاء الدين.
                                                                            


                                                                             بقلم: د. رشيد الجراح