تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

لماذا قدّم نبي الله لوط بناته بدلاً من ضيوفه 13؟


خلصنا في الجزء السابق من هذه المقالة أن القرآن الكريم يمكن تدبره بالسمع وبالقلب،
بينما لابد من تدبر آيات الكتاب بالرؤيا والقلب، ففي حين أن القرآن يسمع ولا يرى فإن آيات الكتاب الحكيم يمكن رؤيتها بالفؤاد (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ)، وظننا أنّ الهدف من رحلة الإسراء التي انطلقنا منها في الأصل كانت لهدف رؤية الآيات:
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ                                                               الإسراء (1)
فلو كان الهدف هو سماع الآيات فقط، لربما استطاع محمد أن يسمع تلك الآيات من المكان الذي كان يتواجد فيه حينئذ وهو المسجد الحرام، ولكن لمّا كانّ الهدف هو الرؤيا (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا)، لم يكن بدّاً من الانتقال لأن آيات الكتاب – نحن نفتري القول- يمكن أن ترى ولكن ليس من أي مكان شئت، فلابد من الوصول إلى مكان محدد بذاته لتتمكن من رؤيتها. فمن أراد رؤية الآيات عليه الانتقال إلى المكان المناسب الذي يتيح له رؤية تلك الآيات (وسنرى تبعات مثل هذا الافتراء في الحكمة من بعض التشريعات في العقائد كشعيرة الحج مثلاً، لنطرح حينها التساؤل التالي: لم يحتاج الناس إلى الذهاب إلى مكان محدد في الحج دون غيره؟ لم لا نستطيع أن نحج إلى أي مكان آخر؟).


خروج عن النص
لنستعين بجزء من قصة موسى مع ذلك العبد الصالح لتسليط الضوء بشكل أكثر دقة على ما نريد تقديمه خاصة افتراءنا الذي مفاده أن رؤية الآيات لا يمكن أن تتم من أي مكان وإنما من مكان محدد بذاته.
أما بعد،
ها هو موسى يطلب صحبة الرجل ليتعلم منه:
          قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا                          الكهف (66)
وقد يظن البعض أن موسى يستطيع أن يكسب الخبرة من الرجل عندما يتبعه، لكننا نعتقد جازمين أن هناك ملاحظة غاية في الأهمية يجب التنبيه إليها وهي أن الرجل قد أخذ موسى وانطلق به، أليس كذلك؟
          فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71)[1]
وهنا نبادر القارئ الكريم لنطرح عليه السؤال التالي: لم لم يعلِّم الرجلُ موسى ما أراد وهم في المكان نفسه؟ لم أخذه وانطلق به؟ وهذا - لا شك- يقودنا إلى التساؤل الأكبر هو: إلى أين كان الرجل ينطلق بموسى؟
جواب: لو تدبرنا السياقات القرآنية الخاصة بلفظة "الانطلاق" لوجدنا أنها تدل على الدوام على أن الانطلاق يحدث إلى هدف وإلى مكان محدد بعينه:
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ۖ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ۚ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ۖ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15)
فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23)
أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24)
انْطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انْطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31)
إذن، إلى أين كان الرجل ينوي أن ينطلق (يذهب) بموسى؟
جواب: لو تدبرنا قول الرجل من بدايته وحاولنا ربطه بهذا السؤال، ربما يمكننا أن نخرج باستنباط ذات صلة وثيقة بالموضوع قيد الدراسة، فالرجل يقول لموسى منذ البداية ما يلي:
          قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا                    الكهف (70)
إذن، الرجل يريد أن يحدث لموسى من ما سيرى من أمر الرجل في طريقه ذكرا، أليس كذلك؟ دقق – عزيزي القارئ- ملياًّ بما قاله الرجل خاصة إحداث الذكر (أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا).
افتراء من عند أنفسنا: إننا نظن أنه مادام أن الرجل يريد أن يحدث لموسى من الأمر ذكرا، فلابد أن يأخذه إلى مكان معين ليستطيع موسى رؤية ذلك. فنحن نفتري القول بأن إحداث الذكر يتطلب رؤية الآيات. فالرجل كان منطلقاً بموسى إلى مكان محدد بذاته ليريه الآيات، ولكن لمّا لم يصبر موسى على صحبة الرجل، ولمّا لم تكن الرحلة قد وصلت إلى نهايتها التي كان من المفترض أن تصل إليه، اكتفى الرجل بتأويل (وليس إحداث الذكر) ما لم يستطع موسى الصبر عليه:
          قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا                الكهف (78)
إننا نظن أنه لو صبر موسى على صحبة الرجل لانتهى بهم المطاف إلى مكان محدد بعينه بدليل أنهم كانوا قد انطلقوا في بداية الرحلة ليصلوا إليه في نهايتها، حيث يستطيع الرجل من هناك أن يحدث لموسى من الأمر ذكرا بعد أن يريه الآيات، ولكن لمّا لم تنتهي الرحلة إلى المكان الذي كان من المفترض أن يصحب الرجل موسى إليه، لم يكن بالإمكان أن يحدث لموسى من الأمر ذكرا واكتفى بتأويل الأمور تأويلاً.
نتيجة وافتراء: إن رؤية الآيات لا يمكن أن تتم من أي مكان، فلابد من الوصول إلى مكان محدد بذاته لرؤيتها من هناك.

عودة على بدء
يميل الظن عندنا إلى الاعتقاد الجازم بأن انتقال محمد من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في رحلة الإسراء، كان الهدف منه – كما تنص الآية الكريمة نفسها- أن يتمكن محمد من رؤية آيات الكتاب من هناك:
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ                                                  الإسراء (1)
فلقد وصل محمد إلى ذلك المكان ورأى بفؤاده:
فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ (12)
وتكررت الحادثة فرأى بأم عينه رؤيا البصر:
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ (17) لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ (18)
(للتفصيل انظر الجزء السابق من هذه المقالة)
وهنا ننحرف بالنقاش في اتجاه جديد طارحين التساؤل التالي: هل أسرت "رحلة الإسراء" تلك محمدا؟
الجواب: نعم ولا (في الوقت نفسه).
ولكن كيف؟
جواب: لا شك أن تلك الرحلة قد أدخلت السرور على قلب محمد جزءاً من الوقت، فلقد رأى من آيات ربه الكبرى، ولكن ما هي إلا لحظات – نحن نفتري القول- حتى عاد محمد محزوناً مهموماً.
نعم، إننا نظن أنه بالرغم أن تلك الرحلة قد أسرت النبي عندما رأى بفؤاده آيات الكتاب، وعندما رأى من آيات ربه الكبرى ببصره، إلا أنها في الوقت ذاته أقلقته (لا بل) وسببت له الانزعاج وعدم الرضا.
ما الذي تقول يا رجل؟ أين الدليل على تخريصاتك هذه؟
جواب: إننا نجد عدم الرضا (وربما الحزن) في قلب محمد بسبب تلك الرحلة في قوله تعالى:
قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ                                                   البقرة (144)

رحلة الإسراء وقضية تغير القبلة
لقد صلّى محمد بأصحابه بعد أن عاد من رحلة الإسراء قسطاً من الزمن مولّياً وجهه قبلة الناس الأولى وهي بيت المقدس[2]، ولا أظن أن السبب في ذلك كان عشوائياً، فتلك القبلة التي انتهت إليها رحلته في الإسراء هي المكان الوحيد على وجه الأرض التي يمكن للإنسان أن يوليها وجه حتى ذلك الوقت، ولكن لماذا؟ لماذا لم يولّ المسلمون وجههم في الصلاة إلى أي مكان مادام أن القاعدة الأساسية هي على نحو:
          وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ               البقرة (115)
جواب: نحن نعتقد أن تولية الوجه باتجاه المسجد الأقصى كان بسبب أنه المكان الوحيد الذي يمكن من عنده أن ترى آيات الله:
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ                                                               الإسراء (1)
فكان المسجد الأقصى هو المكان الذي أسري بالنبي إليه ليرى من هناك آيات ربه، وكان هو المكان الذي ولى محمد وجهه إليه في صلاته يوم أن فرضت عليه. فنحن نجزم الاعتقاد أنه لو كانت آيات الله ترى من غير ذلك المكان، لما كان محمد يحتاج أصلاً أن يذهب في تلك الرحلة، ولربما تمت رؤية تلك الآيات من المكان الذي كان يتواجد فيه حينئذ وهو المسجد الحرام. ولربما لم يؤمر بتولية وجهه قبل المسجد الأقصى بحد ذاته. ولكن لما كانت رؤية الآيات لا يمكن أن تحدث إلا من ذلك المكان بعينه، أصبح لزاماً الانتقال بمحمد من المكان الذي كان يسكنه (المسجد الحرام) إلى المكان الذي يمكن فيه أن ترى آيات الله (المسجد الأقصى)، فولى وجهه قبل المسجد الأقصى لإدراكه أنه المكان الذي يجد فيه ربه.
توقف يا رجل، ما الذي تقوله، هل المسجد الأقصى هو المكان الذي وجد فيه ربه؟
جواب: نعم، هو المكان الذي ذهب إليه ليجد ربه هناك.
فلو تدبرنا قصة ميعاد الله موسى التي تطرقنا لها أكثر من مرة لوجدنا أن موسى يذهب إلى مكان محدد بعينه ليلاقي ربه فيه (انظر مقالاتنا السابقة أين حصلت مناداة الله نبيه موسى وأين كانت جنة آدم)، ولكننا سنحاول تأكيد ذلك الظن بدليل من قصة نبي الله إبراهيم التي سنتعرض لها بشيء من التفصيل بعد قليل.
أما بعد،
فها هو نبي الله إبراهيم يخرج من نار قومه العظيمة بعد أن أنجاه الله منها:
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24)
ولكن لو تدبرنا ما قاله إبراهيم بعد تلك الحادثة لوجدنا ما يثبت صدق ظننا:
قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)
السؤال: ألم ينجي إبراهيم من النار؟ كيف إذن بإبراهيم يقول "إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي"؟ ألم يكن ربه عنده عندما أنجاه من النار؟ وإلى أين سيذهب إبراهيم ليجد ربه؟
جواب: عند تفحص تلك السياقات القرآنية نجد أن الرحلة قد حطّت بإبراهيم في الأرض التي باركنا فيها للعالمين:
قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)                                                                                 الأنبياء
نعم، لقد أراد إبراهيم أن يذهب إلى ربه فوجد نفسه في الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ، وواعد الله موسى فوجد نفسه في ذات المكان، وأسرى بمحمد ليلاقي ربه فوجد نفسه في المكان نفسه، وسنجد لاحقاً أن مريم قد وضعت طفلها عيسى في ذات المكان، فكانت تلك هي الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ، وكانت هي المكان الأنسب أن يولّي الناس جميعاً وجوههم نحوه في صلاتهم.
لكن هنا يطرح السؤال التالي: لم لم يرض محمد عن تلك القبلة؟ ولم بقي يقلب وجهه في السماء باحثاً عن البديل؟
قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ                                                   البقرة (144)
جواب مفترى: يميل الظن عندنا إلى الاعتقاد اليقيني بأن رؤية الآيات بحد ذاتها قد أدخلت السرور على قلب محمد، ولكن تولية وجهه في الصلاة شطر المسجد الأقصى لم يكن هدفاً يرض محمدا، ولكن لماذا؟
جواب: لقد أيقن محمد بأن رؤية الآيات لا يمكن أن تتم إلا من هناك، وهذا – في رأينا- هو الأمر الذي أقلق النبي محمدا وسبب له عدم الرضا، لذا فقد عاد محمد – نحن نفتري القول- مهموماً محزوناً لإدراكه أن آيات الله لا يمكن أن ترى إلا من هناك، فكان لزاماً عليه أن يتوجه بصلاته (والمسلمين جميعاً من وراءه) شطر المسجد الأقصى، ولو بقي الحال على تلك الشاكلة، لكان لزاماً – نحن نفتري القول أيضاً- أن يشد المسلمون الرحال في الحج إلى هناك.
لذا، نحن نفتري الظن بأن محمد كان يعتقد أنه إن بقيت الحال على ما هي عليه فسيبقى هو وأمته (من وراءه) تابعين للأمم الأخرى التي سبقته، وما كان محمد سيكون أكثر من حلقة جديدة في السلسلة نفسها، أي لأصبح محمد (كما كان عيسى) امتداداً طبيعياً لتلك السلسلة، ولأصبح القرآن الذي جاء به محمد ليس أكثر من عهد آخر جديد لا يمكن أن ينفصل عن العهود التي سبقته (التوراة والإنجيل). ولكن لمّا كان محمد – في ظننا- يريد أن يستعيد حقه الذي  سلب منه قسطاً طويلاً من الزمن، فقد بحث عن الاستقلال بأمته هذه عن موروث الأمم التي سبقته، فكان دعاءه في ختام صلاته يتمثل بما لازلنا نردده على ألسنتنا في صلاتنا حتى يومنا هذا تحت مسمى الصلاة الإبراهيمية على النحو التالي:
اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد
نعم، لم يكن محمد ليرض أن يبقى تابعاً لأمة إبراهيم (من اليهود والنصارى)، ولكنه أراد أن يكون أمة موازياً لها مستقلاً بذاته وبأمته.
فلقد كان إبراهيم بنفسه أمة:
          إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ                            النحل (120)
فكان محمد يريد أن يكافئ إبراهيم نفسه كأمة (اللهم صلي على محمد كما صليت على إبراهيم)، وجهد في أن تكون أمته مكافئة لأمة إبراهيم نفسها (اللهم صلي على آل محمد كما صليت على آل إبراهيم)، لا أن تكون فقط جزءاً من أمة إبراهيم كما اليهود أو كما النصارى، فاليهود ليسوا أكثر من طرف من أمة إبراهيم، والنصارى ليسوا أكثر من طرف ثاني لأمة إبراهيم نفسها، لكن محمد لم يكن ليرضى أن تكون أمته طرفاً ثالثاً في أمة إبراهيم تلك، ولكنه أرادها أن تكون أمة جديدة مكافئة (ولا تقل في الأهمية) عن الأمة الأصل وهي أمة إبراهيم نفسه.
نتيجة وافتراء: لقد زعمنا في الأجزاء السابقة من هذه المقالة أن رحلة الإسراء كانت مكافأة لمحمد في ملاقاة ربه بالضبط كما حصل لأخيه موسى في لقاءاته مع ربه، فلقد حصل محمد ما حصل عليه موسى في تلك اللقاءات (انظر الجزء السابق من هذه المقالة)، ونحن نفتري الظن أيضاً أن ذلك لم يكن نهاية المطاف بل سنرى بعد قليل أن رحلة الإسراء ستمكّن محمد مما تمكّن منه إبراهيم، وليحصل محمد على ما حصل عليه إبراهيم نفسه.

الدليل
لقد خلصنا في نقاشنا في الأجزاء السابقة من مقالتنا هذه عند الافتراء بأن رحلة الإسراء كانت – في رأينا- سبباً في أن يستعيد محمد موروثه الديني والدنيوي، أما بخصوص ميراثه الديني فقد تحصل لمحمد ذلك في رحلة الإسراء – في رأينا- عندما عرضنا في الأجزاء السابقة كيف أن ميعاد الله لمحمد كان بالضبط يشبه ما حصل لأخيه موسى في ميعاده مع ربه ورؤية الآيات الكبرى. فهما النبيّان الكريمان اللذان رءا آيات ربهم الكبرى:
موسىلِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (24)                  طه 23-24
محمدوَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ (17) لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ (18)
                                                                                                النجم 13-18
فلقد ذهب محمد في رحلة الإسراء إلى نفس المكان الذي تمت فيه مواعدة الله نبيه موسى، وقد نزل الله بذاته لملاقاة نبيه بالضبط كما حصل في حالة موسى، (ولم يكن هناك معراج كما حاول أهل العلم والدراية أن يفهمونا – انظر الأجزاء السابقة من هذه المقالة)، ولكن كان هناك على الأقل اختلافان رئيسان بين لقاء الله نبيه محمد ولقاء الله نبيه موسى وهما:
1.     أن محمد لم يطلب الرؤيا المباشرة للذات الإلهية وذلك لخبرته بما حصل في حالة موسى، فلم تحصل الصاعقة في لقاء الله نبيه محمد كما حصلت يوم أن تجلى الله للجبل في لقاءه مع نبيه موسى.
2.     عاد محمد يحمل في فؤاده (وقد رأى ببصره) من الآيات التي لا تقل عن تلك التي حصل عليها موسى. وفي حين أن الله قد كتب لموسى في الألواح:
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)
فلقد علّم الله محمدا فقذف ذلك العلم في صدره:
          كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ         الأعراف (2)
فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ                           هود (12)
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)                                                                             الانشراح 1-4
فلم يكن محمد يعرف القراءة والكتابة كما كان موسى، فعاد يحمل في صدره ما عاد يحمله موسى بين يديه[3]. فلقد جاء محمد بالذكر الذي يمكنه من تبيان آيات ربه التي رأها في لقاءه مع ربه بلسان قومه بالضبط كما حصل مع موسى، فكان القرآن لمحمد وكانت التوراة لموسى (تفصيلاً للكتاب)، ولو حاولنا عقد مقارنة بين محمد من جهة وموسى من جهة أخرى لوجدنا التطابق العجيب على النحو التالي:

         
           محمد
        موسى
1.     الكتاب
2.     الذكر
3.     الفرقان
4.     الآيات
5.     القرآن
1.     الكتاب
2.     الذكر
3.     الفرقان
4.     الآيات
5.     التوراة

وباختصار، يمكننا القول أن محمدا حصل بالضبط على ما حصل موسى عليه في لقاءه مع ربه من ذي قبل. وهنا يجدر إعادة التأكيد على نقطة أثرناها في الأجزاء السابقة من هذه المقالة وهي على الرغم أن موسى قد استخدم بعض آيات ربه المرئية (العصا واليد)[4]، لم يستخدم محمد مثل تلك الآيات ليقينه بسوء العاقبة، فلقد آثر محمد أن لا يقدّم لأمته من الآيات المرئية ما يمكن أن تسبب لهم الهلاك في نهاية المطاف وهو على علم بأن أمته (كما الأمم السابقة) لن تصدق تلك الآيات وستستهزئ بها كما فعلت الأمم السابقة وعندها ستكون العاقبة وخيمة. فالرسول عندما يرسل من ربه يكون بشيراً ونذيرا، بشيراً بالخير ونذيراً لهم من العقاب، لقد آثر محمد أن يبقى بشيراً فلا يضطر أن يصبح نذيرا.

أما وقد حصل محمد على حقه في موروثه الديني، فهل حصل على حقه في موروثه الدنيوي؟
جواب: كلا، لم يكن ذلك ليرضي محمدا تمام الرضا، فبقي يقلب وجهه في السماء ما دام أنه لا زال تابعاً لغيره من الأمم في قبلته التي يولّي إليها وجهه، وكان يخشى أن تضيع هوية هذه الأمة في تراث غيرها من الأمم، لذا أراد محمد أن يسترجع حقاً سلب منه منذ زمن، حق أخذ منه يوم أن فصل إبراهيم إسماعيل عن أخيه إسحق، حقاً أعطى الأولوية والأهمية لذاك الفرع الذي خرج منه بنو إسرائيل (فرع إسحق)، وظنوا أنهم هم شعب الله المختار.
افتراء من عند أنفسنا: إننا نزعم القول أن محمداً لم يكن ليرضى أن يأخذ ما أخذ موسى وكفى، ولكنه أراد أن يأخذ ما أخذ إبراهيم نفسه.
اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد

إبراهيم: العلاقة بين بيت المقدس والبيت الحرام
لا شك لدينا أن إبراهيم قد ربط المسجد الحرام بالمسجد الأقصى يوم أن فصل بين امرأته القديمة سارة وطفله الثاني إسحق من جهة وامرأته الجديدة وطفله الأول إسماعيل من جهة أخرى:
رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)
وكان الرجل يتنقل كما تظهر السياقات القرآنية بين بيت المقدس والبيت الحرام، فلقد أسكن إبراهيم امرأته الثانية (الشابة) هاجر مع طفلها إسماعيل في ذلك الواد غير ذي الزرع عند بيت الله الحرام، وقفل عائداً إلى امرأته الأولى سارة (العجوز) وطفلها إسحق، وربما يجد بعض الناس أن في تصرف الرجل بعض القسوة على الزوجة الشابة وطفلها إسماعيل، ليطرح السؤال عن الحكمة في أن يترك إبراهيم امرأته وطفله في ذلك الواد المقفر ليقفل راجعاً إلى امرأته العجوز وابنها إسحق. وقد حاولنا في أجزاء سابقة من هذه المقالة تفصيل السبب عن مثل هذا التصرف الذي أقدم عليه إبراهيم من تلقاء نفسه وليس بأمر رباني، فإبراهيم هو من يقول أنه قد أسكن من ذريته في ذلك الواد:
          رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ
وقد كانت إقامة الصلاة دافعاً رئيسيا لتصرف إبراهيم ذلك؟ وهنا يطرح السؤال التالي: ألا تقام الصلاة إلا في هذا المكان؟ ألا يمكن أن تقام الصلاة في المكان نفسه الذي تسكنه امرأته العجوز سارة مع طفلها إسحق؟
رأينا: لقد تحدثنا سابقاً أن إبراهيم فض الخلاف بين نساءه (وذريته من بعده) في وراثة الأرض، فاختار لكل طرف منهم المكان الذي يقيم فيه الصلاة، فاختار لإسحق (وذريته من بعده) بيت المقدس،  واختار لإسماعيل (وذريته من بعده) البيت الحرام. وهما المكانان على وجه الأرض اللذان تقام فيهما الصلاة (بمعنى تولية الوجه). فالأول هو الأرض التي بارك الله فيها للعالمين:
          وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)
والثانية هي أول بيت وضع للناس:
          إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ              آل عمران (96)
وهنا يطرح السؤال مرة أخرى: لماذا هذان المكانان على وجه التحديد؟
رأينا: لقد تحدثنا في أجزاء سابقة من هذه المقالة أنها الرحلة نفسها التي سلكها آدم وزوجه يوم أن أخرجهما الشيطان من الجنة، فلقد سكن آدم وزوجه الجنة على الأرض في الأرض التي باركنا فيها للعالمين (انظر مقالتنا أين كانت جنة آدم؟) وأمر بالهبوط منها بعد أن أخرجهما الشيطان منها، فنزل إلى ذلك الواد غير ذي الزرع، فكان هناك أول بيت وضع للناس. وقد افترينا القول أن آدم عندما كان في الجنة لم يكن بحاجة إلى مسكن يؤويه وزوجه، لأن سؤاتهما (أي أجسادهم) لم تكن بادية بعد، فلم يكن هناك جوع ولا عري ولا ظمأ ولا ضحى:
فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ (119)                                 طه
ولكن الشقاء حلّ بآدم وزوجه يوم أن بدت لهما سؤاتهما وأمر بالهبوط إلى المكان حيث الجوع والعري والظمأ والضحى:
          بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
ولما كان آدم لا يعرف كيف يؤوي نفسه وزوجه من تقلبات عوامل الطقس، فقد افترينا الظن أن الله قد أنعم عليهم بأن وضع لهما هناك البيت وضعاً:
          إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)[5]
فالبيت وضع وضعاً ولم يبنى بناء حتى عاد إبراهيم ليرفع قواعده من جديد:
          وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)
نتيجة وافتراء: نحن نظن أن إبراهيم قد اختار هذا المكان لأنه المكان الذي عاش فيه آدم وزوجه يوم أن هبطا من الجنة (بيت المقدس). فلقد عاد إبراهيم في رحلته تلك ليسير على خطى الأب الأول آدم، فكان لإبراهيم ولدان إسماعيل وإسحق كما كان لآدم ولدان (وسنرى لاحقاً من هم ولدا آدم بالأسم). ولما كان إبراهيم لا يرضى أن تنتهي الحال بولديه كما انتهى الحال بولدي آدم:
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)
كانت حكمة إبراهيم تكمن في أن لا يبقى الولدان في المكان نفسه معاً، (ربما لظنه أن نهايتهما ربما تكون مشابهة لنهاية ابني آدم)، فأقدم على قسمة بيته (كما الحال بالنسبة للعنكبوت أو للنحل، انظر الأجزاء السابقة من هذه المقالة) وبالتالي قسمة الأرض بينهما: أحدهما يسكن بيت المقدس والآخر يسكن البيت الحرام ببكة. وسنرى بعد قليل أن إبراهيم قد سار في رحلته تلك على خطى الرحلة الأولى لآدم وزوجه، ولكن لابد من طرح عدة تساؤلات قبل المضي قدماً في النقاش.
1.     كيف عرف إبراهيم ذلك المكان "البيت الحرام" وهو أصلاً قادم من الشرق؟
2.     كيف استطاع إبراهيم أن يصل إلى ذلك المكان؟
3.     كيف كان إبراهيم يتنقل بين المكانين وهو في ذلك السن (الشيخوخة)؟
4.     كيف طوعت لإبراهيم نفسه أن يترك امرأته وطفلها لوحدهما في ذلك المكان المقفر؟
5.     لماذا اختار إبراهيم أن يسير على خطى آدم؟
6.     من هم ابني آدم اللذان آثر إبراهيم أن لا تتكرر قصتهما في حالة ولديه إسماعيل وإسحق؟
7.     ما علاقة ذلك برحلة الإسراء والمعراج؟
8.     ما علاقة ذلك بتغير القبلة؟
9.     ما علاقة ذلك باستقلالية أمة محمد؟
10. الخ.

أما بعد،
لا أظن أن إبراهيم قد ترك امرأته وطفلها في ذلك الواد مرة وللأبد، فنحن نعلم أن الرجل – بنص القرآن- يعود أكثر من مرة ليتفقد امرأته وطفلها في ذاك الواد غير ذي الزرع، وما أن يكبر الطفل حتى يقوم الشيخ الكبير برفع القواعد من البيت مع ولده الشاب إسماعيل:
          وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)
وما أن يبلغ معه السعي حتى يخبره بتلك الرؤيا:
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)[6]
استفسار غريب
 في ضوء ما سبق، لا نستطيع أن نمضي قدماً في النقاش قبل أن نطرح سؤالاً غاية في الغرابة لا أظن أن أهل العلم والدراية قد طرحوه كثيراً، ألا وهو: كيف كان إبراهيم (وهو شيخ كبير) يستطيع أن يقطع كل تلك المسافة بين بيت المقدس والبيت الحرام ذهاباً وإياباً؟
جواب: لا أظن أن حجوزات الدرجة الأولى (أو رجال الأعمال أو VIP) على متن الخطوط الجوية الأردنية أو السعودية أو الإماراتية أو حتى القطرية (مع ذلك الطاقم الجميل من المضيفين والمضيفات ذوات العيون الزرقاء والعيون الخضراء والقوام الرشيق والطول الفارع من بنات الصحراء) قد بدأت بعد، ولا أظن كذلك أن التطبيع مع الكيان الصهيوني قد وصل بعد إلى درجة أن شركة طيران العال الإسرائيلية قد بدأت تشغيل رحلاتها إلى الديار المقدسة آنذاك.
والحالة هذه، كيف كنت تتنقل يا إبراهيم بين الشمال والجنوب في موسم هجرتك إلى الجنوب؟!
لنتأمل الخريطة الجغرافية جيداً:

تقدر المسافة بين المسجد الحرام في مكة والمسجد الأقصى في القدس بحوالي:   1235.82كيلومتر كخط مستقيم، ولو أخذنا تعرجات الطريق بالنسبة للمسافر على راحلته أو على قدميه لربما زادت تلك المسافة أكثر من ذلك، وهنا نطرح سؤالنا نفسه: كيف كان يستطيع إبراهيم أن يقطع كل تلك المسافة وهو قد بلغ من العمر الشيخوخة، فلا ننسى أن إبراهيم قد رزق بإسحق أصلاً وهو شيخ كبير:
          قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72)[7]
وكان قد رزق بإسماعيل من ذي قبل "على الكبر" بنص القرآن حسب قول إبراهيم نفسه:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ    إبراهيم (39)
وسيقودنا هذا السؤال إلى سؤال آخر لا يقل أهمية عن سابقه وهو: كيف تعرّف إبراهيم إلى ذلك المكان وهو الذي كان يسكن أصلاً بلاد الشرق (بلاد الرافدين) كما تقول الروايات؟ (انظر مقالتنا تحت عنوان سفينة نوح ونظرية تكون القارات للغوص في تفاصيل مواطن الرسل).

رأينا: غالباً ما يغلف علماؤنا الأجلاء مثل هذه الأسئلة بالطابع العقائدي الغيبي، أي يفسرون ذلك بربطه بإبراهيم النبي وليس إبراهيم الإنسان، فيجعلون ذلك ويكأنه جزء من رسالة الرسول التي تميزها العقائد التي قد لا تبرر جميع تفاصيلها – حسب ظنهم- بطريقة التفكير المادي المجرد، ولكننا لا نعدم الحيلة أن نطرح عليهم السؤال بطريقة جديدة: كيف كان إبراهيم النبي الرسول يتنقل بين بيت المقدس والبيت الحرام وهو في ذلك العمر؟ هل كان يتنقل كإنسان عادي بالطريقة التقليدية أم كنبي يمتلك من التأييد الرباني ما لا يمتلكه الإنسان العادي؟ وفي كلا الحالتين، كيف يمكن أن نفهم ما كان يقوم به الرجل حتى يصل إلى ذلك المكان بالرغم من البعد الجغرافي الهائل بين المكانين وبالرغم من تقدم العمر بالرجل؟
رأينا: إننا نظن أنه للإجابة على هذا التساؤل فإننا بحاجة أن نعود إلى قصة إبراهيم الأولى بما فيها هجراته من مكان إلى مكان.
فلقد كانت هجرة إبراهيم الأولى بدأت من أرض العراق إلى الأرض التي بارك الله فيها:
          فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ                   العنكبوت (26)
          وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ                               الأنبياء (71)
فلقد كانت هجرة إبراهيم الأولى إلى الأرض المباركة، وقد حصل ذلك بعد أن ألقاه قومه في النار:
فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)
السؤال: كيف هاجر إبراهيم من أرض العراق إلى الأرض التي بارك الله فيها للعالمين؟
جواب: لقد كان الرجل في ربيع شبابه، وقد كان وحيداً قادراً على تحمل أعباء السفر، ولم يكن تحت ضغط السرعة والحاجة، فلقد كان هدف هجرته هو أن يذهب إلى ربه:
فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)

ولو تدبرنا هذا السياق القرآني جيداً لوجدنا أن إبراهيم ما أن خرج من نار قومه حتى قال "وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ"، وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: أين كان رب إبراهيم عندما خرج إبراهيم من النار حتى يقول إبراهيم أنه ذاهب إليه؟ ألم يكن معه عندما خرج من النار؟ ألم ينجيه الله من النار للتو؟ وكيف ذهب إليه؟ ما هي الوسيلة التي استخدمها حتى يصل إلى ربه (حيث حط به المقام في الأرض التي باركنا فيها للعالمين)؟
تقودنا مثل هذه التساؤلات فوراً إلى سؤال آخر لا يقل أهمية عن سابقة وهو: كيف خرج إبراهيم من الجحيم الذي ألقي فيه؟

نار إبراهيم
لابد من تدبر حادثة النار التي ألقي فيها إبراهيم بشي من التفصيل، فإبراهيم يدعو قومه لعبادة الله الواحد الأحد لكنهم يصروا على عبادة الحجارة التي لا تسمع، فيقوم بتدبير المكيدة لأصنامهم:
          وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57)
فيقوم بتكسير (تجذيذ) تلك الأصنام، فيجعلهم جذاذا إلا كبيرهم:
فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)
فعندما يرى القوم ما حلّ بآلهتهم يسألوا عن الفاعل:
          قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59)
فينتهي الخبر إليهم أن إبراهيم هو من فعل ذلك:
قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60)
فيكون قرارهم أن يأتوا بإبراهيم على أعين الناس ليشهدوا ما يفعل به:
          قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61)
فيذهب نفر منهم ليحظروا إبراهيم إلى مكان المحاكمة العلنية:
فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ                             الصافات (94)
وما أن يحضر إبراهيم حتى يحصل حوار بين إبراهيم من جهة وقومه من جهة أخرى، حوار يظهر القوم ويكأنهم أهل عدل وأهل حجة:
قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62)
ولمّا كان الله قد آتى إبراهيم حجته على قومه، كانت الغلبة بالحجة والحوار لإبراهيم على قومه:
قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)
وكاد القوم أن يصدّقوا دعوة إبراهيم (لما أقام عليهم الحجة التي تبين عجز آلهتهم):
فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64)
لولا تلك الشرذمة من علْية القوم اللذين لا يمكن أن يصدّقوا إبراهيم ربما ليس تكذيباً لدعوة الرجل وإنما (في رأينا) حفاظاً على مصالحهم، فكانت النتيجة أن نكسوا على رؤوسهم:
ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65)
فما يكون عندها من إبراهيم إلا أن يسفههم وآلهتهم التي يعبدونها من دون الله:
قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)
وهنا تحصل المفارقة العجيبة أنهم اتخذوا القرار بحرق إبراهيم
          قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68)
وهنا يأتي السؤال على الفور على النحو التالي: لم كان قرارهم يقضي بحرق إبراهيم؟ لم كانت العقوبة هي الحرق على وجه التحديد؟
رأينا: نحن نظن أن عقوبة الحريق لم تكن بسبب شتم إبراهيم آلهة القوم، ولكنها جاءت – في رأينا- لأن إبراهيم تطاول على القوم أنفسهم خاصة علية القوم منهم، فعلْية القوم يحاولون أن يثأروا لأنفسهم ولكن باسم الدين (بالضبط كما يفعل أهل السياسة والمتكسبون من أهل الدين عندما يخرج عليهم من الناس من يعريهم ويظهر زيف عقائدهم، فما يكون منهم إلا أن ينصبوا له المحاكم الدينية التي تتخذ القرارات باسم حماية الدين ورب الدين، ولا أعتقد أن أنسانا عاقلا يفعل ذلك إلا لعلمه بأن الإله الذي يعبده لا يستطيع أن يدافع عن نفسه كآلهة قوم إبراهيم، فيقوموا هم بمهمة نصر ألهتهم التي لا تنصر نفسها، فلو كانت عقيدتهم – نحن نزعم الظن- متمثلة بأن ربهم قادر على نصرة نفسه، لما لجأوا إلى الدفاع عنه بالاعتداء على أهل الرأي ومن يخالفهم العقائد). ولكن أين الدليل؟
- لو تدبرنا الحوار الذي جرى بين إبراهيم من جهة وأبيه من جهة أخرى، لوجدنا أن الرجم (وليس الحرق) هو عقوبة من يخالف العقيدة السائدة آنذاك، فالأب يتوعد ولده بالرجم بسبب خروج إبراهيم عن عقيدته:
          قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)
فعقوبة من يخرج عن دين آباءه كانت الرجم وليس الحرق، وقد كانت هذه العقوبة معروفة ليس فقط في شريعة قوم إبراهيم وإنما في شرائع من سبقهم من الأمم:
          قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ                           الشعراء (116)
قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18)                         يس
لكن الوضع الآن في حالة إبراهيم قد تجاوز "النّيل" من الشرائع، فإبراهيم "يتطاول" عليهم أنفسهم وعلى آلهتهم معاً (أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)، فكان لزاماً تغليظ العقوبة عليه، ربما ليكون رادعاً له ولكل من تسول له نفسه أن يتجرأ على سادة القوم، فكان القرار بالحرق (وليس الرجم) هو ما انتهت إليه محاكمة إبراهيم على الملأ:
          قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68)
وهنا تتدخل القدرة الإلهية لتنقذ إبراهيم من النار:
قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (69)
 وهنا نجد لزاماً علينا أن نتوقف لطرح جملة من التساؤلات حول هذه الحادثة:
1.     كيف تم إلقاء إبراهيم في النار؟
2.     كيف نجى إبراهيم من النار؟
3.     كيف خرج إبراهيم من الجحيم؟

إلقاء إبراهيم في النار
عند تدبر ما جاء في كتاب الله حول كيفية إلقاء إبراهيم في النار، وجدنا السياق القرآني التالي:
          قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97)
وعند محاولتنا تدبر هذه الآية الكريمة، وجدنا أننا بحاجة أن نقف عند الألفاظ لنفهمها جيداً، فهناك البناء (ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا) وهناك الإلقاء (فَأَلْقُوهُ) وهناك الجحيم (فِي الْجَحِيمِ)، أليس كذلك؟
سؤال: كيف يمكن تصوير المشهد بناء على هذه المفردات الواردة في النص القرآني؟
أولاً، إن وجود عبارة (ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا) تدلنا – ربما بما لا يدع مجالاً للشك- أن القوم قد قاموا ببناء بنيان خاص ليتم إلقاء إبراهيم من فوقه في الجحيم، فيكون إبراهيم قد ألقي من أعلى البنيان إلى أسفل الجحيم. ولو تدبرنا مفردة البنيان لوجدنا أنها عبارة عن لبنات يشد بعضها بعضاَ:
          إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ                   الصف 4
ولا شك أنها تتصف بدرجات من المتانة:
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ                                             التوبة 109
ولا شك أنه فعل يستطيع الناس القيام به، فهو من صناعة القوم أنفسهم:
لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ    التوبة 110
ولا شك أن ما يهمنا هنا هو ارتفاع البنيان حتى يصل إلى السقف:
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ                                                                     النحل 26        
ولا شك أنه بناء قائم بذاته:
وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ۖ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ۖ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا                                                                                                       الكهف 21
إن ما يهمنا قوله هنا فيما يخص البنيان الذي بنوه لإبراهيم هو الظن أنه بناء مرتفع قائم بذاته منفصل عن الحجيم التي سيلقونه فيها:
قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ                                                 الصافات 97
ولو تدبرنا مفردة الإلقاء لوجدنا أنها حركة تتم من أعلى إلى أسفل بشكل قوسي، فها هو موسى يلقي عصاه، وها هم السحرة يلقون حبالهم وعصيهم، وها هم الكافرون يلقون في النار:
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ۗ أَفَمَنْ يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ                                           فصلت (40)

نتيجة وافتراء: فمن يلقى من فوق البنيان إلى أسفل لا ينزل بشكل مستقيم ولكن بشكل قوسي يتناسب طردياً مع ارتفاع البنيان، فكلما ارتفع البنيان زادت المسافة التي سيحط بها الجسم الملقى من فوقه إلى الأسفل، فيبتعد الجسم الملقى من فوق البنيان عن البنيان نفسه بمقدار ارتفاع البنيان فوق الأرض:
          Stock Photo - falling down man. 
fotosearch - search 
stock photos, 
pictures, wall 
murals, images, 
and photo clipart

وهذا يدلّنا على أن البنيان الذي بنوه لإبراهيم لم يكن ملاصقاً للجحيم التي سيلقونها بها، وفي هذا تصور طبيعي لأن النار ستكون في تلك اللحظة مشتعلة، فمن الطبيعي إذن أن يكون البنيان الذي سيلقون بإبراهيم من فوقه بعيداً عن ألسنة اللهب، فنفر من القوم سيكونوا متواجدين فوق البنيان ليقوموا هم بأنفسهم بإلقاء إبراهيم في الجحيم (فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ)، إذن لابد أنهم قد حسبوا الأمر بطريقة تجعلهم أنفسهم في مأمن من ألسنة النار، وربما يرشدنا هذا إلى الظن أن يكون البنيان مرتفعا جداً ليحط إبراهيم في سواء الجحيم، فما هو الجحيم؟
لا شك لينا أن الجحيم ليست النار، ولكنها المكان المنخفض الذي تشتعل في داخله النار، فالجحيم – في تصورنا- هو وعاء النار، ولكن لابد أن يكون مكانا منخفضا كالحفرة (أو الوادي)، ولو تدبرنا سياقات الجحيم في النص القرآني لوجدنا أن الجحيم هو عبارة عن مكان:
مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ                                           الصافات (23)
ولا شك أنه مكان منخفض:
فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ                                                        الصافات (55)
ولما كانت الجنة تزلف كانت الجحيم تبرّز، والبروز لا يكون إلا لشيء منخفض يتم رفعه إلى أعلى:
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91)                        الشعراء
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَىٰ                                                            النازعات (36)
والجحيم يمكن أن تسعر بازدياد كمية اللهب فيها:
وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13)                                 التكوير
وليس أدل على انخفاض الجحيم مما جاء في قوله تعالى:
إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ                                                  الصافات (64)
نتيجة: القوم إذن سيلقون بإبراهيم بالجحيم.
وهنا يأتي الأمر الإلهي للنار (وليس الجحيم) أن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم:
          قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ                                          الأنبياء (69)

نتيجة وافتراء: إننا نظن أن القوم قاموا بتشييد بناء مرتفع جداً يلقوا بإبراهيم من فوقه، وقاموا – في الوقت ذاته- بحفر ما يشبه الوادي (أو أن ذلك الواد كان أصلاً موجودا في جغرافية المنطقة ذاتها) ليكون هو الجحيم الذي سيستقر فيه إبراهيم بعد أن يلقوه فيه من فوق البنيان الذي بنوه على شفا تلك الحفرة، وقاموا بإشعال نار عظيمة في ذلك الوادي (الجحيم) أو أنها أصلاً كانت مشتعلة على الدوام هناك (كأن تكون بركاناً نارياً مثلاً)، وحملوا إبراهيم إلى أعلى البنيان، وألقوا به من أعلى البنيان إلى سواء الجحيم.
وهذا التصور يثير حفيظتنا في طرح الأسئلة حول ما حلّ بإبراهيم جراء ما فعل القوم به، فلو تدبرنا النص القرآني لوجدنا أن الأمر الإلهي جاء للنار بأن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم، أليس كذلك؟
          قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ                                الأنبياء (69)
فالنار إذاً لم تحرق إبراهيم لأن الله أمرها أن لا تفعل، لكن تبرز هنا عدة تساؤلات منها:
1.     كيف خرج إبراهيم من الجحيم؟
2.     ألم يصب إبراهيم بأذى بسبب إلقاءه من ذلك المكان المرتفع (البنيان) إلى ذلك المكان المنخفض (الجحيم)؟ ألم تتكسر عظام إبراهيم بسبب ذلك السقوط؟ ألم يتأذى جسم إبراهيم بسب الإلقاء من الأعلى إلى أسفل؟
3.     كيف استطاع إبراهيم أن يخرج من تلك الحفرة التي سقط بها؟
4.     ماذا حل بالقوم الذين ألقوه في الجحيم؟
5.     ماذا حل بقوم إبراهيم بعد أن خرج إبراهيم من النار ويكأنه في نزهة؟
6.     ألم تشكل تلك حجة دامغة على صدق إبراهيم؟
7.     ألم يكن الأولى (ولو بنفر قليل منهم) أن يصدّقوا دعوة الرجل بعد أن رأوا منه هذا الأمر الذي لا يكاد العقل البشري أن يتحمله؟
8.     الخ.
هذه أسئلة حاولنا البحث عن إجابات لها في بطون الكتب التقليدية فما وجدنا أنها قد طرحت أصلاً في أغلبها، ووجدنا أن من طرحها منهم غالباً ما غلّفها بالطابع العقائدي الغيبي الذي لا يقدّم التفسيرات بالأدلة، وإنما تخيلات مبنية على غيبيات مفتراة وظنون من عند بعض أهل العلم والدراية، أما نحن فقد جهدنا للوصول إلى تصورات ربما تكون مدعومة بالأدلة من كتاب الله، نسأل الله أن يهدينا إلى قول الحق فلا نفتري عليه الكذب، إنه نعم المولى ونعم النصير.

أما بعد،
سؤال: ما الذي حل بقوم إبراهيم بعد أن ألقوه من فوق ذلك البنيان في سواء الجحيم؟
إننا نظن أن الآية الكريمة التالية تصور ما لحق بهم من العذاب:
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ                                                                    النحل 26
فهم القوم الذين خر عليهم السقف ولحق بهم العذاب، فهم القوم الذين مكروا لما أرادوا بإبراهيم كيداً، فجعلهم الله الأخسرين:
قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)
وهم الذين ألقوا إبراهيم في الجحيم، فجعلهم الله الأسفلين:
قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)

لذا نحن نفتري الظن أنه لو خرج إبراهيم من النار ولم يكن قد أصيب بأذى، لربما عاد إبراهيم إلى قومه ليتحداهم وليثبت لهم صدق دعواه، ونحن نفتري الظن أيضاً أنه لو بقى القوم على حالتهم دون أن يصيبهم العذاب، لربما شاهد الذين ألقوا إبراهيم في النار ما حل بإبراهيم، ولربما أصابهم الفزع والهلع من هول الصدمة، فهل يعقل أن يرى الناس إنساناً عادياً يلقى في نار عظيمة (مثل تلك النار التي أضرموها له) ويخرج منها دون أذى ولا يثير ذلك حفيظتهم؟ ألن يشكل ذلك دليلاً دامغاً على صدق دعواه؟ ألم يكن ذلك سيسبب التساؤل والحرج عند الكثيرين منهم خاصة وأن نفر منهم كادوا يصدّقوا الرجل عندما أقام عليهم الحجة في البداية (فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُون)؟ ألم يكن ذلك سبباً كاف أن يؤمن لإبراهيم ولو نفر قليل من قومه؟ فلا أظن أن الموقف يمكن أن يختلف عندها عن ما حل بسحرة فرعون عندما رأوا الآيات على يد موسى، فلقد آمنوا لموسى متحدين فرعون نفسه الذي توعدهم بالتصليب والقتل.
فلو تدبرنا السياقات القرآنية في حالة إبراهيم لما وجدنا أنه قد صدّق دعوة إبراهيم وآمن له من قومه سوى لوط:
          وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)
وأخال أن لوطاً قد آمن لإبراهيم وصدق دعوته قبل أن يقدموا على حرقه، لأن لوط هاجر إلى ربه لحظة أن آمن بدعوة إبراهيم:
          فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ                   العنكبوت (26)
والحالة هذه، فإننا نفتري الظن أن إبراهيم لم يرجع إلى قومه بعد أن أنجاه الله من النار:
فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)          الصافات

افتراء من عند أنفسنا: لما لم يؤمن ويهاجر مع إبراهيم سوى لوط بالرغم من البرهان العملي (الآيات المبصرة) على صدق دعوة هذا النبي الكريم، فإننا نتجرأ على الزعم بأن قوم إبراهيم قد حاق بهم سوء مكرهم فكانوا هم الأسفلين بعد أن آتى الله بنيانهم من القواعد، فخر عليهم سقف بنيانهم الذي بنوه عندما أقدموا على إلقاء إبراهيم من فوقه في الجحيم.
وهنا يجب أن نتوقف للحظة للحديث عن الفرق بين هجرة إبراهيم إلى ربه بعد أن ألقاه قومه في سواء الجحيم واعتزاله قومه جميعاً بما فيهم أبيه بعد ذلك الحوار الشهير بين إبراهيم من جهة وأبيه من جهة أخرى:
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48)                                                     مريم 42-48

لنصل إلى ملاحظة ذات دلالة تخص العذاب الذي لحق بالقوم. فعند تدبر هذا السياق القرآني نجد من المناسب التنبيه إلى ملاحظتين اثنتين وهما (1) أن إبراهيم قد أعتزل القوم (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) ولكنه هجر والده على وجه الخصوص (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا)، و (2) أن إبراهيم يحذر والده من احتمالية أن يمسه عذاب من الرحمن بسبب موقفه العقائدي ذاك (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ)
نتيجة وافتراء: لقد هجر إبراهيم أباه فلم يعد يسكن في بيت والده، ولكنه أعتزل القوم ولم يهجرهم، فهو إذاً قد بقي في ديار قومه لكنه لا يخالطهم ولا يتعامل معهم، ونحن نظن أن هذا هو السبب الذي أدى بإبراهيم أن يصل إلى درجة السقم:
          فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90)
فإبراهيم يعتزل القوم ويبقى باحثاً عن ربه في النجوم، فيصيبه السقم، فيتولى القوم عنه مدبرين، فيبقى يعيش في ديار قومه بعيداً عن (هاجراً) بيت والده، معتزلاً قومه، فيحل به السقم.
افتراء: إننا نظن أن السقم يحل بالإنسان بسبب تجربة قاسية يمر فيها يكون خلالها وحيداً لا يتكلم مع الناس، فينقطع عن الطعام حتى يحل بجسده الهزل (أي السقم)، فها هو يونس يلتقمه الحوت، فيبقى وحيداً في بطن الحوت، وما أن يلفظه الحوت إلى اليابسة حتى يكون سقيماً (وحيداً جائعاً)، فينبت الله عليه شجرة من يقطين[8]:
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146)                  الصافات
فلقد حلّ بإبراهيم وهو معتزل قومه هاجراً أبيه ما حل بيونس وهو في بطن الحوت: إنه السقم، فهناك في الحالتين إنسان مؤمن باحث عن ربه بين قوم منكرون له، لا يتواصل معهم بالكلام ولا يأكل من طعامهم بسبب ظروفه القاسية فيحل به السقم، فما الذي فعله إبراهيم بعد أن حلّ به السقم؟

تخيلات من عند أنفسنا: يشعر إبراهيم بحاجته إلى الطعام، فيقوم بإحضار الطعام ويروغ إلى آلهة القوم، فيحصل المشهد التالي:
          فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93)
نعم، كان ذلك ما يحتاجه إبراهيم في موقفه ذاك، يقدم لهم الطعام ليرى فعلهم (فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ)، ويحتاج إلى من يخاطبه بعد أن أعتزل القوم (مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ)، ولما كان إبراهيم قد وصل إلى يقين بأن هذه الآلهة لا تضر ولا تنفع، راغ عليهم ضرباً باليمين (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ).
سؤال: لماذا قدّم لهم الطعام؟ ألم يكن يعلم إبراهيم أنهم لا يأكلون أصلاً؟ لم أحضر الطعام معه إلى ذلك المكان؟
جواب مفترى: نحن نظن أن إبراهيم كان قد وصل إلى درجة السقم بسبب (لنقل تجاوزاً) إضرابه عن الطعام بعد أن هجر أبيه واعتزل قومه؟
سؤال: لماذا ترك إبراهيم الطعام بعد أن اعتزل قومه؟
جواب مفترى: لقد كان إبراهيم مشغولاً بالبحث عن ربه.
سؤال: لماذا عاد إبراهيم إلى تناول الطعام في تلك الليلة بالتحديد؟
جواب مفترى: لقد اهتدى إبراهيم إلى ربه في تلك الليلة.
سؤال: كيف حصل ذلك؟
رأينا: نحن نظن أن إبراهيم كان دائم البحث عن ربه، وفي واحدة من تلك الليالي حصل لإبراهيم ما كان يبحث عنه، ولنتدبر المشهد القرآني التالي من هذا المنظور:
وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)                              الأنعام
فبعد أكثر من محاولة لإبراهيم ليهتدي إلى الحقيقة في تلك الليلة، اهتدى إبراهيم إلى النتيجة التالية: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. ولم يكن ذلك ليحصل لإبراهيم لولا أنه كان قد جاء ربه بقلب سليم، فكان يبحث عن ربه بكل صدق وإخلاص:
          إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84)
ولم يكن ذلك ليحصل لولا فضل الله على إبراهيم بأن أراه ملكوت السموات والأرض:
          وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
نتيجة: لقد كان نتيجة تدبر إبراهيم وبحثه الطويل عن ربه بقلب سليم أن أراه الله ملكوت السموات والأرض فأصبح من الموقنين، لذا نحن نعتقد أنه ما أن رأى إبراهيم (بفضل ومنّة من ربه) ملكوت السموات والأرض حتى أصبح من الموقنين، فكان أول ما فعل أن ذهب إلى أبيه لينصحه بترك عبادة الأصنام وترك عبادة الشيطان:
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42)
وحاول إبراهيم إقناع أبيه بالحجة موضحاً له أنه قد جاءه من العلم ما لم يأتي أبيه:
يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا (44)
وحذر والده من عاقبة الأمور إن هو لم يهتد إلى الطريق المستقيم:
يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)
فما يكون من أبيه إلا أن يرفض دعوة إبراهيم له، ويحذره من الاستمرار في هذه الطريق، لا بل ويطلب من إبراهيم أن يهجره:
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)
ولما كان إبراهيم يعلم أن من حق الأب على ولده أن يصاحبه في الدنيا معروفا حتى وإن لم يتقبل الهداية، تأتي ردة فعل إبراهيم على تهديد والده على نحو ما يجب:
قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47)
وفي تلك اللحظة يقرر أن يعتزل القوم جميعاً:
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48)
فيهجر إبراهيم أباه ويعتزل القوم جميعاً، وهنا نتوقف قليلاً لنحاول تدبر مفردة واحدة وردت في هذا السياق القرآني وهي مفردة  الاعتزال "وَأَعْتَزِلُكُمْ" لنطرح السؤال التالي: ما معنى أن يعتزل إبراهيم قومه؟ أي لِمَ لَمْ يهجرهم كما هجر والده؟
جواب: عند ملاحقة هذه المفردة في السياقات القرآنية وجدنا أنها لا تعني بالضرورة مغادرة المكان، فقد تعتزل من حولك وأنت تسكن بين ظهرانيهم، فلنتدبر معنى المفردة في السياق القرآني التالي:
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ                                                                                              البقرة (222)
فاعتزال النساء في المحيض لا يتطلب مغادرة المكان الذي تتواجد فيه تلك المرأة، وتكتفي بالكف عن جماعها في تلك الفترة، فينقطع الاتصال بينك وبينها للسبب الذي جعلك تعتزلها وهو المحيض، فأنت تبقى تكلّمها وتأكل معها، وتخالطها في كل شي إلا في الجماع، فأنت مأمور باعتزالها فقط في المحيض، فلو أنت اعتزلت عائلتك في الأكل مثلاً فأنت تكف عن الأكل معهم ولكنك قد لا تكف عن الحديث معهم، ولو اعتزلت عائلتك في المنام فأنت تكف عن النوم معهم، ولكن إن أنت اعتزلتهم بكل شيء فأنت تكف عن التعامل معهم في كل شيء حتى وإن بقيت متواجدا بين ظهرانيهم. ولو تدبرنا المفردة جيداً في سياق الحديث عن إبراهيم لوجدنا أن إبراهيم قد اعتزل قومه في كل شي:
          وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48)
ولو حاولنا ربط هذه الجزئية بحالة إبراهيم يوم أن خرج من عند قومه لربما خرجنا باستنباط ذات دلالة كبيرة سنحتاج إليه لاحقاً عند الحديث عن رحلات إبراهيم، فإبراهيم خرج هاجرا قومه بعد أن ألقوه في النار وكان  - بلا شك- وحيداً:
فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100)
ولم يكن قد آمن مع إبراهيم من ذي قبل سوى رجل واحد وهو "لوط" الذي كان قد سبق إبراهيم في هجرته:
          فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26)
إن ما يهمنا قوله هنا هو أن إبراهيم لم يرزق الذرية إلا بعد أن اعتزل قومه (إي كف عن التعامل معهم في كل شي)، وهذا يقودنا إلى الخروج بالافتراء التالي الذي هو بلا شك من عند أنفسنا:
افتراء: إبراهيم لم يتزوج من قومه (لأنه كان قد اعتزلهم وذهب إلى ربه وحيداً):
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49)

نعود إلى موضوع نقاشنا الرئيس بالفهم أن إبراهيم قد أعتزل قومه (فلم يتزوج منهم، لم يخالطهم، لم يأكل معهم، لم يحادثهم، الخ)، وهنا يشعر إبراهيم (ربما بسبب تلك العزلة الناجمة عن حالته النفسية والجسدية) بالسقم، وما أن يشعر بالحاجة إلى الطعام حتى يحضره ليتناوله وحيداً، لكنه في تلك اللحظة يروغ إلى أصنام القوم ليشاركهم طعامه ويتحدث معهم، والحقيقة ليستهزئ بهم وهو على يقين تام من ربه بأن الأمور يجب أن تسير على هذا النحو:
          فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93)
ولمّا لم يجد منهم ردة فعل، أخذ يحطم تلك الأصنام حتى جعلهم جميعاً جذاذاً إلاّ كبيرهم:
          فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)
سؤال: ما معنى أنه جعلهم جذاذاً؟ أي كيف أصبحت تلك الأصنام بعد أن راغ عليها إبراهيم ضرباً باليمين؟
جواب مفترى: إننا نظن أن إبراهيم لم يحطم الأصنام تحطيماً كاملاً، فهو لم يطحن تلك الأصنام ويكأنها أصبحت كسراً صغيرة جداً كما جاء في كثير من كتب التفاسير، ولكن جل ما قام به إبراهيم في هذا الصدد – نحن نفتري القول- لم يكن أكثر من تشويه تلك الأصنام وذلك بتكسير أجزاء منها، كأن يكسر أنف بعضها، ويحطم يد أخرى، ويكسر رجل ثالثة، وهكذا؟

الدليل
لو تدبرنا بقية السياق القرآني لربما وجدنا الدليل الذي يمكن أن يثبت صحة هذا الزعم:
          قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)
دقق – عزيزي القارئ- جيداً بمفردة "فَاسْأَلُوهُمْ" على وجه التحديد، فلو تدبرنا هذا السياق القرآني لوجدنا إبراهيم يطلب من القوم أن يسألوهم (ضمير الجمع) إن كانوا ينطقون، إذاً فإبراهيم يطلب من القوم أن يسألوا الأصنام المكسرة وليس الصنم الكبير الذي تركه دون أذى، فإبراهيم قد ترك ذلك الصنم لسبب:
          فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)
ولكنه عندما طلب منهم أن يسألوا، كان يطلب منهم أن يوجهوا السؤال للأصنام المجذوذة (فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ)، فمن غير الطبيعي أن تسأل الفاعل عن ارتكابه للجريمة (الصنم الأكبر) ولكن من الطبيعي جداً أن توجه السؤال لمن وقع عليه الأذى (الأصنام المجذوذة)، فلو قام إبراهيم بتحطيم تلك الأصنام لدرجة أن أصبحت كسراً صغيرة لما كان هناك وجاهة أن يطلب إبراهيم من القوم توجيه السؤال لتلك الكسر التي لا يمكن أن يوجّه إليها السؤال، ولكن لمّا كان إبراهيم قد ترك الأصنام على كليتها ولكنه قام فقط بتجذيذها (أي تشويها) كان توجيه السؤال لها أمراً ممكناً، فلا زال هناك كينونة قائمة يمكن أن يشار إليها. ثم لا بد من التنبيه إلى أن حاجة إبراهيم لم تكن إبادة تلك الأصنام كلياً (لأن القوم يستطيعون أن يصنعوا غيرها)، ولكن جل ما كان يريده إبراهيم هو إقامة الحجة على قومه، فيكفي إبراهيم إذن أن يبيّن للقوم أن ربهم الذي يعبدونه لم يستطع أن يدافع عن نفسه حتى كسرت يده، أو جدع أنفه، أو فقئت عينه، فواحد من تلك الأصنام لم يستطع أن يدافع عن نفسه فجدع أنفه وفقئت عينه، ورب آخر كان غير قادر على الهروب من الضربات فكسرت رجله، وثالث لم يستطع أن يقي نفسه الضربات عندما كسرت يده، وهكذا.

وهذا التصور يرشدنا إلى الاستفسار عن الأداة التي استخدمها إبراهيم "لتجذيذ" تلك الأصنام. فماذا استخدم إبراهيم في تنفيذ مراده ذاك؟
جواب: عند تدبرنا للسياقات القرآنية نفسها، وجدنا أن الآية الكريمة التالية – في رأينا- ذات أهمية عظيمة ربما تكون ذات علاقة لتحل لنا هذه الإشكالية:
فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93)
دعنا نتدبر هذه الآية الكريمة التي تتحدث عن كيفية قيام إبراهيم بتكسير (أو بكلمات أدق تجذيذ) أصنام قومه، فلا شك عندنا أن الإنسان عندما يروغ إلى شيء أو إلى مكان يذهب إليه وحيداً باحثاً عن الخصوصية، فلقد انتهز إبراهيم الفرصة التي لا يتواجد في ذلك المكان غيره حتى لا يصده أحد عن ما هو مقدم عليه، فبعد أن تولّى القوم عن إبراهيم مدبرين، راغ بمفرده إلى ألهتهم وأجرى حواراً من طرف واحد مع تلك الآلهة:
فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93)
وانتهى الأمر به أن يضربهم باليمين "فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ"، أليس كذلك؟
السؤال: كيف إذن كان إبراهيم يضرب آلهة القوم تلك باليمين؟
لعلي لا أرى وجاهة في أن يضرب إبراهيم تلك الأصنام بيده، وإلاّ لجاء الخطاب على نحو "فراغ عليهم ضرباً بيده"، ولكن لما كان الخطاب على نحو " فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ" كان المقصود هو يد إبراهيم اليمنى على وجه التحديد.
نتيجة: لم يستخدم إبراهيم كلتا يديه في ضرب الأصنام وإنما ضربهم فقط بيده اليمنى
افتراء من عند أنفسنا: لم يستخدم إبراهيم فأساً (كما تصور المشهد ذاك بعض روايات الأقدمين) في تكسير الأصنام لأن ذلك كان يتطلب من إبراهيم أن يحمل الفأس بكلتا يديه، فلا أظن أن الإنسان يستطيع تكسير صنم بفأس (بمعنى الفأس التقليدي) وهو يحمله بيد واحدة.
رأينا: إننا نظن أن النص القرآني غاية في الدقة في تصور المشهد على نحو أن إبراهيم كان يضرب تلك الأصنام بيده اليمنى فقط، ولكن هل يمكن أن يكسر الإنسان مثل تلك الأصنام بيده فقط؟ ألم يكن يستخدم أداة لكسر تلك الأصنام؟
إن المتدبر لاستخدام اليمين كما ترد في النص القرآني يجد أن اليمين لا يمكن أن تستخدم في تنفيذ عمل ما إلا ويكون فيها الأداة اللازمة لذلك. لذا فإننا نقدم الافتراء التالي: إننا نظن أن اليمين هي اليد التي تحمل شيئاً كأداة تستخدمها عند الحاجة، ولكن أين الدليل؟
جواب: لنتدبر السياق القرآني التالي جيداً:
وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)
فالذي يخط باليمين لابد له من قلم يحمله بيمينه ليخط به، انظر التلازم بين الفعل " تَخُطُّهُ" واليمين، وعند تطبيق المنطق نفسه في حالة إبراهيم نجد التلازم بين الحدث " ضَرْبًا" واليمين، فالذي يستخدم اليمين في الضرب لابد له من الأداة التي يستخدمها للضرب.
سؤال: ما هي الأداة التي كان يستخدمها إبراهيم بيمينه ليضرب بها الأصنام حتى أصبحت جذاذاً؟

جواب: لما كان جل ما يحتاجه إبراهيم هو فقط "تجذيذ" وليس تحطيم الأصنام كلياً، فعلينا أن نبحث عن أداة يمكن حملها باليمين وتستخدم للضرب ويمكن أن تقوم بالغرض المطلوب، فما هي تلك الأداة؟
افتراء من عند أنفسنا: مادام أن إبراهيم كان يستخدم اليمين، فعلينا أن نستذكر قصة اليمين نفسها في السياقات القرآنية الأخرى، وعند بحثنا عن ذلك وجدنا لزاماً التوقف عن قصة يمين موسى، فالله يسأل موسى عند لقاءه الأول به على النحو التالي:
          وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ (17)
فيرد موسى على سؤال ربه بالقول:
          قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ (18)
رأينا: نعم، هذا هو ظننا، فنحن نعتقد أن إبراهيم كان يحمل بيمينه عصا، فضرب أصنام القوم بتلك العصا حتى جعلهم جذاذاً.
وهذا الظن يعيدنا على الفور إلى السؤال الذي ابتدأنا به النقاش عندما تحدثنا عن إلقاء إبراهيم في النار، فلنعيد ذاك السؤال مرة أخرى لنحاول ربطه بهذه النتيجة التي خلصنا إليها للتو.
عودة على بدء
السؤال: لقد صدر الأمر الإلهي للنار بأن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم فلم يتأذى إبراهيم من تلك النار، لكن ماذا حل بإبراهيم نتيجة سقوطه من فوق البناء (المرتفع) في سواء الجحيم (المنخفض)؟
جواب مفترى: لم يتأذى إبراهيم من ذلك السقوط بسبب تلك العصا، لقد ساعدت تلك العصا إبراهيم في سقوطه وفي الخروج من الجحيم الذي ألقي فيه. ولكن أين الدليل على ذلك؟ وكيف حدث ذلك؟ أي ما هي الطريقة التي كانت تعمل بها تلك العصا حتى ساعدت إبراهيم في سقوطه من أعلى إلى أسفل؟

الدليل: علاقة عصا موسى بإبراهيم
عندما حاولنا سابقاً البحث في قصة عصا موسى (انظر سلسة مقالاتنا تحت عنوان باب السامري)، لم نتطرق بالتفصيل إلى جزئية مهمة في الحوار الذي جرى بين الله ونبيه موسى في الواد المقدس حول قصة عصا موسى، فلنقدم السياقات القرآنية الخاصة بذلك المشهد، محاولين بعد ذلك إثارة النقاش حول الفكرة التي نود تسليط الضوء عليها هنا:
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ (21)                            طه
لنجلب الانتباه إلى الآية الأخيرة في هذا السياق القرآني وهي قول الحق:
قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ (21)
فهنا نجد أن الله يطلب من موسى أن يأخذ العصا، وفي الوقت ذاته يحصل موسى على تعهد من الله بأن يعيد تلك العصا سيرتها الأولى " سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ"
السؤال: ما هي سيرة تلك العصا الأولى التي تعهد الله لموسى بأن يعيدها؟ ثم لنطرح السؤال الأكبر: لماذا هي "عصا" على وجه التحديد؟ لم جعل الله سر قوة موسى في عصا يحملها الرجل معه بيمينه؟
جواب مفترى: إننا نظن أنه لولا أن تلك العصا ذات دلالة "وسيرة" عظيمة سابقة، وأنها مهمة بذاتها، لما كان جل قوة موسى متركزة في تلك العصا، فالله - من حيث المبدأ- يستطيع أن يؤيد موسى في قصته  مع فرعون بطريقة أخرى، والله – من حيث المبدأ- يستطيع أن يؤيد موسى ليقهر السحرة بطريقة أخرى، والله – من حيث المبدأ- يستطيع أن يشق البحر لموسى بوسيلة غير العصا، والله – من حيث المبدأ – قادر على أن يشق الحجر لتنفجر منه عيون الماء لموسى وقومه بوسيلة أخرى، وهكذا. ولكن – نحن نفتري الظن- لما قضت إرادة الله أن تتم كل تلك الأمور باستخدام العصا، كان هناك سر عظيم في تلك العصا بذاتها.
وهنا يتبادر سؤال آخر ذات صلة كبيرة بالموضوع يتعلق بطريقة رد موسى على سؤال ربه:
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ (18)
السؤال: لم قال موسى "هِيَ عَصَايَ"؟ أي، لم نسب موسى العصا لنفسه؟ لم لم يقل هي عصا وكفى؟ لا شك أن موسى يدّعي ملكية تلك العصا ويكأن خلافاً حول ملكيتها قد وقع من ذي قبل، فموسى لا يؤكد فقط أنها عصا وكفى، ولكنه يؤكد أنها عصا كما يؤكد حقه في ملكيتها (قَالَ هِيَ عَصَايَ). تأمل جيداً – عزيزي اللغوي- ياء النسبة (أو POSSIVE ‘S باللسان الأعجمي)
افتراء من عند أنفسنا: إننا نظن أنه لو لم تكن العصا بذاتها ذات قيمة عظيمة بالنسبة لموسى لما نسب ملكيتها لنفسه، ولربما اكتفى بالقول أنها عصا ولما أضطر أن يؤكد حقه في ملكيتها، لذا نحن نعتقد أن عصا موسى كانت ذات قيمة عظيمة يعلمها موسى، ونظن كذلك أن تلك العصا لم تصل إلى موسى عن طريق الصدفة وإنما وصلت إليه كحق ميراثي يستطيع صاحبها أن يدّعي ملكيتها متى ما ورثها بطريقة شرعية.  (وسنحاول الخوض في ملكية تلك العصا عند حديثنا عن طفولة موسى في مقالة قادمة بحول الله وتوفيقه)

لذا، لو حاولنا ربط هذا التصور المفترى من عند أنفسنا بأمر التعهد الإلهي لموسى بأن يعيد للعصا سيرتها الأولى، لربما استطعنا الخروج بالاستنباط التالي: إن سيرة تلك العصا لم تبدأ عند موسى ولكنها بدأت من قبل ذلك، وهو بالضبط ما نفهمه نحن من قوله تعالى:
          قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ (21)
السؤال: من أين جاءت عصا موسى؟ كيف وصلت تلك العصا إلى موسى؟ ما هو مصدر تلك العصا؟
افتراء من عند أنفسنا: نحن نعتقد جازمين أن عصا موسى التي كانت بيده يوم أن لقي ربه في الواد المقدس هي نفسها العصا التي كسر (جذّ) بها إبراهيم أصنام قومه فجعلهم جذاذاً، وهي نفسها التي استخدمها إبراهيم للخروج من الجحيم بعد أن ألقاه القوم فيه من فوق البنيان. افتراء خطير خطير خطير، أليس كذلك؟
وهنا ستثار بكل تأكيد عشرات بل مئات التساؤلات المشروعة حول هذا الزعم الخطير جداً، لكننا سنحاول التركيز على أسئلة مفصلية في هذا الشأن نذكر منها:
1.     كيف وصلت العصا إلى موسى؟
2.     لماذا استخدم إبراهيم تلك العصا؟
3.     كيف وصلت تلك العصا إلى إبراهيم؟
4.     من أين حصل إبراهيم على تلك العصا؟
5.     من كان يملك تلك العصا قبل إبراهيم؟
6.     الخ.

من أين وصلت تلك العصا إلى موسى؟
(لما كانت هذه قصة طويلة جداً ذات تفاصيل دقيقة لا يمكن المرور عليها بسرعة في هذا النقاش حيث التركيز على قصة إبراهيم، فإننا سنحاول أن نفرد لهذا السؤال مقالة خاصة عندما نتحدث عن تفاصيل قصة موسى كطفولته وقصة البقرة ورحلته مع ذاك العبد الصالح (من يرغب الكثيرون تسميته بالخضر)، الخ. ونكتفي هنا أن نطلب من القارئ الكريم أن يراجع أولاً ما جاء في سلسلة مقالاتنا تحت عنوان باب السامري)

لماذا استخدم إبراهيم تلك العصا؟
إن هذا السؤال يعيدنا إلى سؤال طرحناه سابقاً يخص قصة تنقل إبراهيم من مكان إلى مكان؟ وقد حاولنا تسليط الضوء على رحلة إبراهيم بين المسجد الأقصى حيث تتواجد امرأته سارة مع طفلها إسحق والبيت الحرام ببكة حيت تتواجد امرأته هاجر مع طفلها إسماعيل، وقد كان إبراهيم دائم الترحال بين المكانين، فكيف كان يستطيع إبراهيم أن يتنقل بين المكانين وهو قد وصل من العمر الشيخوخة، فالمسافة بين المكانين كبيرة جداً، ولا أخال أن رجلاً بسن إبراهيم يستطيع تحمل أعباء السفر التقليدي بين المكانين. ثم إن هذا المشهد قد أثار أسئلة أخرى تتعلق بمعرفة إبراهيم بالمكان وهو الذي كان يعيش في بلاد أخرى. فإبراهيم جاء من الشرق متجهاً إلى بيت المقدس حيث كان ذاهبا إلى ربه بعد أن ألقاه قومه في النار، واستقر هناك مع نساءه قسطاً من الزمن، وما أن يرزق بإسماعيل ويرزق من بعده بإسحق حتى يقرر أن يأخذ إسماعيل وأمه ليسكنهما بواد غير ذي زرع بعيد جداً عن المكان الذي يسكنه مع أهله في بيت المقدس:
رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)
تساؤلات:
1.     كيف تعرّف إبراهيم على هذا المكان الجديد على وجه التحديد؟
2.     كيف كان إبراهيم يتنقل بين المكانين بالرغم من البعد الجغرافي بينهما وبالرغم من تقدمه في السن؟
جواب مفترى: إننا نعتقد أن السياق القرآني التالي ربما يرشدنا إلى طريق جديدة في التفكير:
          وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)
نعم، هذا هو رأينا: لقد تمكن إبراهيم (بفضل ومنّة من الله) أن يرى ملكوت السموات والأرض، ولمّا كان إبراهيم قد رأى ملكوت السموات والأرض، كان يستطيع أن يتعرف على كل الأماكن على الأرض دون الحاجة إلى الانتقال إليها فعلياً، لذا فهو يخبر المكان حتى ولو لم يسكنه من قبل، ويستطيع كذلك أن يتنقل بين الأماكن بكل سهولة ويسر، ولكن كيف؟
إن هذا يدعونا إلى تدبر معنى مفردة "ملكوت" في سياق الحديث عن "مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"؟ فما هو الملكوت؟
جواب: لو تدبرنا السياق القرآني التالي لربما خرجنا باستنباط ذات دلالة:
قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ            المؤمنون 88
نتيجة: لكل شيء ملكوت، إذاً للسموات والأرض ملكوت كما أن لكل شيء ملكوت:
أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ                                                  الأعراف 185  
ما الذي حصل مع إبراهيم؟
جواب: لقد رأى إبراهيم (بفضل من ربه) ملكوت السموات والأرض:
          وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ             الأنعام 75
ما الفرق بين الله (رب إبراهيم) وإبراهيم في هذا الجانب؟
جواب: في حين أن الله بيده ملكوت السموات والأرض كان إبراهيم قد رأى فقط ملكوت السموات والأرض:
فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ                       يس  83
افتراء من عند أنفسنا: إننا نظن أن قدرة إبراهيم على رؤية ملكوت السموات والأرض تساعدنا على فهم أمور عديدة منها السؤال التالي: لم ترك إبراهيم امرأته وطفله في ذاك المكان وقفل عائداً فيما يبدو للوهلة الأولى أنه نوع من القسوة؟
جواب: ولو تدبرنا السياق القرآني الخاص بهذه الحادثة لوجدنا فيه من الغرابة الكثير، فتأمل – عزيزي القارئ- قول إبراهيم عندما ترك من ذريته في ذلك الواد غير ذي الزرع جيداً:
رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)
لاحظ – عزيزي القارئ- جملة من الحقائق:
1.     إبراهيم هو من أتخذ القرار بأن يسكن من ذريته (وليس كل ذريته) في ذلك المكان (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ)
2.     إبراهيم يسكن جزءاً من ذريته في مكان مقفر "بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ"
3.     إبراهيم يعلم أن ذلك المكان فيه بيت الله المحرم " عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ "
4.     يفعل إبراهيم ذلك من أجل إقامة الصلاة في ذلك المكان "رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ"
5.     يطلب إبراهيم من ربه أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم " فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ"
6.     يطلب إبراهيم من ربه أن يرزقهم من الثمرات "وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ".
لكن المفارقة العجيبة –في رأينا- تكمن في أن إبراهيم لم يطلب من ربه أن يرعاهم أو أن يحفظهم من أي اعتداء محتمل عليهم في ذلك المكان. فهل كان إبراهيم موقناً أن مكروهاً لن يصيبهم في ذلك المكان؟ وكيف يمكن لإبراهيم أن يطمئن إلى ذلك؟
افتراء من عند أنفسنا: إننا نظن أن إبراهيم لم يكن بتلك القسوة التي ربما يمكن أن تفهم للوهلة الأولى من تصرفه ذاك، فربما يظن الكثيرون (خاصة أهل المنطق) أن في تصرف إبراهيم ذلك شيء من القسوة؟ وربما يرد آخرون (خاصة أهل الدين والغيبيات) أن ذاك نبي يتصرف بأمر من ربه؟ أما نحن (من نقع في نقطة المنتصف بين أهل الإلحاد وأهل الإيمان) فإننا نرى أن الأمر مختلف تماماً عن ما يظن هذا الطرف أو يدعي ذاك الطرف.
رأينا (1): لمّا كان الرجل قد رأى (بفضل ومنّة من ربه) ملكوت السموات والأرض لم يكن وجود الأم مع طفلها في ذلك المكان بعيداً عن عين إبراهيم نفسه. فالرجل كان على الدوام قادراً أن يرى ما يحل بهم حتى لو كان بعيداً عنهم مكانياً.
رأينا (2) لما كان الرجل قد رأى (بفضل ومنّة من ربه) ملكوت السموات والأرض كان يستطيع التنقل بين المكانين بالسرعة التي لا تقل عن السرعة التي انتقل فيها محمد في ليلة الإسراء من مكة عند البيت الحرام إلى المسجد الأقصى في الأرض التي باركنا فيها. فانتقال محمد بين المكانين في ليلة واحدة تشكل أنموذجاً عملياً لما كان يستطيع إبراهيم القيام به، فمحمد كان قد أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة واحدة، وكذا – نحن نفتري القول- كان انتقال إبراهيم بين المكانين.

سؤال: ما هي الواسطة (الأداة التي استخدمها محمد مثلاً في انتقاله بين المكانين)؟
غالباً ما حاول أهل الفكر الديني تسويق فكرة أن النبي محمد قد امتطى البراق في رحلته تلك، وأخذ أهل العلم والدراية مجدهم في تقديم تخيلاتهم التي يصورون من خلالها ذلك الكائن العجيب، تارة ويكأنه دابة أو حيوان وتارة أخرى ويكأنه كائن أسطوري، الخ. بأجنحة عملاقة تطوي الأرض بزمن يصعب على العقل البشري تدبره، حتى ذهب أكثرهم إلى أن ذلك الكائن قد كان الوسيلة التي عرج بها محمد إلى السموات العلى. ولما كان موقفنا قد تلخص بإنكار المعراج، نكتفي أن نتحدث عن واسطة النقل تلك في رحلة الإسراء:
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ                                        الإسراء  (1)
طارحين السؤال نفسه: ما هي الواسطة (أداة التنقل) التي استخدمها محمد في رحلته تلك؟
جواب مفترى: بعيداً عن جدلية التسميات (سمّه براقاً أو ما شئت) فإني أعتقد جازماً أن القرآن الكريم قد أثبت الواسطة عندما جاء فيه قول الحق "أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ"، لكنه لم يذكر اسمها على وجه التحديد. والدليل لدينا هو وجود حرف الجر بـ الذي يدل على استخدام الواسطة "أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ"، لذا نحن نرى وجاهة أن نسوق الظن التالي: لقد استخدم محمد في رحلة تلك واسطة للتنقل، ولكن ما هي:
رأينا: إننا نظن أنها ملكوت السموات والأرض بالضبط كما كان يستخدم إبراهيم ملكوت السموات والأرض في تنقلاته بين طرفي عائلته في القدس ومكة.
الحجة: لما كان لكل شيء ملكوت حسب الآية التالية:
قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ            المؤمنون 88
ولما كان الله هو من بيده ملكوت كل شيء:
فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ                                 يس  83
كان قادراً على التحكم بالسموات والأرض، فالله هو المسيطر على كل شيء هو من يسير الأمور بطريقته ويتحكم بها كيفما يشاء.
ولما اختص الله إبراهيم بأن يريه ملكوت السموات والأرض، فقد سخر الله ذلك الملكوت لخدمة إبراهيم.
الدليل: خروج عن النص
ها هو إبراهيم يطلب من ربه أن يريه كيف يحي الموتى:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ
فيأتي الرد الإلهي على النحو التالي:
قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)
نتيجة: يطلب الله من إبراهيم أن يصرّ إليه أربعة من الطير ثم يجعل على كل جبل منهن جزءا ثم يدعوهن ليأتينه سعيا، أليس كذلك؟
سؤال: لم طلب الله من إبراهيم أن يضع على كل جبل منهن جزءا؟ لم لم يتم الأمر من أمام إبراهيم مباشرة كأن يذبحهن ثم يدعوهن مباشرة دون أن يجعل على كل جبل منهن جزءا؟
ثم، كيف بإبراهيم سيرى كيف يحيي الله الموتى وقد حصل ذلك على رؤوس الجبال بعيداً عنه؟
وكيف بإبراهيم سيتأكد بأن الطيور التي جاءته تسعى هي نفسها التي صرهنّ إليه وجعل على كل جبل منهن جزءا؟
والأهم من ذلك كله، لم لم يحصل الأمر مع إبراهيم كما حصل مع الرجل الذي مر على القرية الخاوية على عروشها في الآية التي سبقت مباشرة قصة إبراهيم مع الطير تلك؟
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ۖ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)
فالله هنا يري الرجل مباشرة أما ناظريه كيف يحي الموتى، ولم يطلب منه أن يضع على كل جبل جزءاً من تلك العظام؟
جواب مفترى: لمّا كان إبراهيم قادراً أن يرى ملكوت السموات والأرض فإن البعد المكاني عنه لا يعيق الرؤيا البصرية عنده، فإبراهيم يستطيع أن يرى أي مكان على وجه الأرض من المكان الذي يتواجد فيه. لذا فإن إسكان إبراهيم لـ امرأته وطفله في ذلك الواد البعيد جداً لم يكن ليمنع إبراهيم أن تبقى عينه مراقبة لهم في سكنهم ذاك، فهم لا يغيبون عن ناظريه إطلاقاً (وذلك لسبب بسيط أن الله قد أراه ملكوت السموات والأرض).
ولكن كيف تم تسخير ذلك لإبراهيم؟
جواب مفترى: لما كان موسى بحاجة أن يشق البحر استخدم العصا، ولما كان يحتاج أن يسقي قومه استخدم العصا في ضرب الحجر فانبجست منه عيون الماء، ولما كان بحاجة أن يقهر السحرة وكذبهم استخدم العصا، لذا نحن نظن أن العصا هي الأداة التي كانت تمكن موسى من فعل كل ما كان يحتاج إلى فعله.
نتيجة مفتراة: نستطيع تطبيق المنطق نفسه في حالة إبراهيم، لما كان إبراهيم يحتاج إلى تنفيذ ما يحتاج إليه كان يستخدم تلك العصا التي استخدمها في تجذيذ أصنام قومه، وهي نفسها التي استخدمها للخروج من الجحيم الذي ألقي فيه دون أن يصيبه أذى، وهي نفسها التي كان يستخدمها لمّا كان يريد أن يتنقل من مكان إلى مكان.
افتراء من عند أنفسنا: لقد كانت قصة إبراهيم جزءاً من سيرة تلك العصا التي وعد الله نبيه موسى أن يعيدها سيرتها الأولى:
          قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ (21)
(وسنرى لاحقاً كيف انتقلت تلك العصا حتى وصلت إلى يد موسى)، ولكن هنا يطرح السؤال الأكبر وهو: من أين وصلت تلك العصا إلى يد إبراهيم؟ هل كانت تلك هي سيرة العصا كاملة؟
كلا، إننا نظن أن تلك العصا قد جاءت إبراهيم من مصدر آخر؟ فما هو ذلك المصدر؟
لو تدبرنا العلاقة بين بيت المقدس مكة في سير رسل الله، لوجدنا أن الرحلة الأولى بين المكانين قد قام بها آدم من ذي قبل، فلقد ذكرنا في سياق الحديث عن جنة آدم وعن مناداة الله نبيه موسى أن جنة آدم الأولى على الأرض كانت في الأرض التي باركنا فيها للعالمين (أي بيت المقدس وما حوله التي ترد في النص القرآني باسم سيناء)، ولما حصلت المعصية أمر الله آدم وزوجه بالهبوط من تلك الجنة والانتقال إلى مكان آخر، فحط بهم الترحال في مكة، حيث يتم هناك وضع أول بيت للناس:
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)
فإبراهيم لم يضع البيت الأول ولكنه قام برفع القواعد من البيت مع ولده إسماعيل:
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)
فالرحلة بين المسجد الحرام في مكة والمسجد الأقصى في القدس حصلت بدايةً في عهد آدم، وسار إبراهيم في رحلته تلك على خطى الرحلة الأولى، وأسري بمحمد في خط سير الرحلة نفسها. فالرابط بين هذين المكانين حصل ثلاث مرات في تاريخ البشرية: في عهد آدم، وفي عهد إبراهيم، وفي عهد محمد.
علاقة إبراهيم بآدم
إن أهم أوجه الشبة بين آدم من جهة وإبراهيم من جهة أخرى - في رأينا- هما وجهان:
1.     الانتقال بين المكانين (المسجد الأقصى في الأرض التي باركنا فيها للعالمين والمسجد الحرام ببكة)
2.     الذرية
ولمّا كنّا قد تحدثنا في أكثر من مقالة عن الانتقال بين المكانين، نجد الآن الحاجة ملحّة أكثر للحديث عن الذرية
ذرية آدم وذرية إبراهيم
ربما من بديهيات المعرفة في الفكر الديني أن آدم كان له ذرية من البنين وكذلك كان لإبراهيم، ولكن وجه المقاربة تكمن في العدد، فكلاهما كان له اثنين من البنين، أما بالنسبة لإبراهيم فلا أخال أن الناس يختلفون في ذريته، فجميع الشرائع تتفق أن إبراهيم قد رزق باثنين من الذكور هما إسماعيل وإسحق على الترتيب، ولكنّ الاختلاف يقع في ذرية آدم، ففي حين أن النص القرآني يثبت أن ابني آدم هما ولدان من الذكور لا نجد اتفاقاً بين علمائنا على تسميتهم، ولعل مثل هذا الخلاف قد دبّ من ذي قبل بين علماء بني إسرائيل. وسنحاول في الصفحات التالية تبيان كيف أن هذا القرآن الكريم يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه مختلفون:
          إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76)
فغالباً ما جاء الاتهام ضمنياً أو صراحة لهذا الكتاب بأنه لا يردد أكثر من المعلومة التي وردت في الكتب التي سبقته، فهو في نظرهم لا يضيف معلومة جديدة لم تكن متوافرة في كتبهم السابقة، وسنحاول أن نبين في الصفحات التالية كيف يقص القرآن الكريم الصورة كاملة غير منقوصة (اللهم إن هي فهمت على حقيقتها وخلت من تحريفات المخرصين من أمثالنا).
تساؤلات
-         من هم ابني آدم؟
-         ما أسماء ابني آدم؟
-         هل يذكر القرآن الكريم أسماء الرجلين كما ذكر أسماء ابني إبراهيم إسماعيل وإسحق؟
-         لماذا اختلف الرجلان حتى قتل أحدهما الآخر؟
-         من هو القاتل ومن هو المقتول منهما؟
-         ما علاقة ذلك بولدي إبراهيم إسماعيل وإسحق؟
-         كيف انعكس ذلك على تاريخ البشرية وتاريخ الشرائع السماوية؟
-         الخ.

هذا ما سنتناوله بحول الله وتوفيقه في الجزء التالي من هذه المقالة، فالله – أنا وعلي نسأل- أن يعلمنا الحق فلا نفتري عليه الكذب، ونسأل الله أن نعلم منه ما لا تعلمون إنه هو العليم الحكيم.
وللحديث بقية
10 حزيران 2012

المدّكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان
بقلم د. رشيد الجراح




[1] سنتحدث في مقالاتنا الخاصة بقصة موسى لاحقاً – بحول الله وتوفيقه- عن سبب ركوبهم السفينة، طارحين السؤال التالي: لم بدأت رحلة موسى مع ذلك العبد الصالح في السفينة؟ فإلى أين كانا ذاهبين في تلك الرحلة البحرية؟
[2] وهنا نطرح على من يصدّق قول السابقين في أن الرسول قد عرج إلى السماء بعد وصوله إلى بيت المقدس التساؤل التالي:
تقول الرواية أن الرسول قد صلّى إماماً بالأنبياء عندما وصل إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماء، ثم تزيد الرواية نفسها أنه ما أن وصل إلى السماء السابعة حتى فرضت عليه الصلاة هناك، وهنا يأتي سؤالنا على النحو التالي:
كيف يكون النبي قد صلى قبل أن يعرج به والصلاة قد فرضت أصلاً (حسب الرواية نفسها) بعد أن عرج به؟ فما نوع الصلاة التي صلاها بإخوانه من الأنبياء.
ثم، ها هو يصعد السموات، الواحدة بعد الأخرى – كما تقول الرواية- وكان كلما وصل إلى واحدة من السموات وجد أحد إخوانه من الأنبياء، وهناك يبادر جبريل – كما تقول الرواية – بالسؤال عن ذلك النبي بالقول: من هذا يا جبريل؟ فيرد جبريل بالقول هذا أخوك موسى، وهذا أخوك إبراهيم، وهذا عيسى، وهذا.. الخ. وهنا يأتي سؤالنا الثاني على النحو التالي:
ألم يصل النبي بهم في بيت المقدس قبل أن يصعد إلى السماء حسب الرواية؟ هل نسي من كان قد قابلهم قبل قليل؟ ألم يسأل عنهم عندما صلى بهم في بيت المقدس؟ لماذا انتظر حتى وجدهم قد سبقوه إلى السماء؟!
ثم ها هي الصلاة تفرض خمسمئة صلاة، ويبقى الرسول ينتقل بين موسى والعرش ليطلب التخفيف بعد مشورة موسى حسب الرواية، فيا سبحان الله! هل موسى أكثر رأفة بالناس من ربهم؟ والأهم من ذلك أن النبي محمد يخجل أن يعود في رحلة أخرى بعد أن أصبحت خمس صلوات، إذن نحن نصلي خمس صلوات باليوم والليلة – حسب ما يمكن أن نفهمه من تلك الرواية- بسبب حياء النبي، فلو لم يخجل النبي من العودة ثانية – نحن نتساءل- هل كانت الصلاة ستصبح مرة واحدة في اليوم؟ وماذا لو عاد النبي مرة أخرى إلى ربه؟ وهل كان من الممكن أن تصبح مرة واحدة في الأسبوع (كما يفعل أهل الديانة النصرانية مثلاً) لو عاد مرتين؟ ألا تظنون – يا سادة- أن في هذا اتهام خطير لجوهر ركن مهم من أركان الدين ألا وهو ركن الصلاة الذي غالباً ما أفهمنا سادتنا وعلماؤنا بأنها عامود الدين!!!
[3] وهنا نوجه انتباه القارئ الكريم إلى مسألة تتعلق بما طرحناه سابقاً عما حصل عليه موسى بخصوص الألواح، فالله يقول أنه قد كتب لموسى في الألواح موعظة وتفصيلاً لكل شي:
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)
السؤال: مادام أن الله قد كتب لموسى في الألواح تفصيلاً لكل شيء، فـ ألا تظن – عزيزي القارئ- أن كل سفن الأرض وطائرات شحنها وسيارات النقل فيها لن تستطيع أن تحمل تلك الألواح مادام أن الله قد كتب فيها لموسى من كل شيء؟ فكيف إذن يعود موسى يحملها بين يديه؟
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)
إننا نظن أن الذي كتبه الله لموسى في الألواح هو الكتاب (وهو نفسه الذي عاد به محمد يحمله في صدره)، فاقرأ قوله تعالى:
 ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)
نعم، هو الكتاب الذي يكون فيه كل شيء، ولكن الفرق بين ما جاء به موسى وما جاء به محمد هو الطريقة، ففي حين أن موسى كان يقرأ ويكتب لذا كتب الله له في الألواح، ولكن لما كان محمد لا يعرف القراءة والكتابة عاد بذلك العلم محمولاً في صدره.
ولو دققنا أكثر في الآية نفسها لوجدنا أن الله يقول " وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ"، فما كتب الله لموسى كان خاصاً بموسى لا يستطيع أحد غيره أن يفهمه، لذا عندما ألقى الألواح لم نجد أن أحداً غير موسى قد حملها، فبقيت كذلك حتى سكت عن موسى الغضب وعاد ليحملها بنفسه، ولكن ما استطاع القوم أن يفهموه هو نسختها (التوراة بلسان قوم موسى) وليس الألواح نفسها:
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)
[4] لكن يجب أن لا ننسى أن موسى قد كان يقدم الآيات لقوم فرعون لتكون سبباً في هلاكهم إن هم كذبوها.
[5] افتراء دون دليل: أعتقد أن الاسم "بكة" قد جاء من فعل البكاء، فلا شك أن آدم وزوجه قد بكوا كثيراً يوم حط بهم الترحال في ذاك الواد غير ذي الزرع، نادمين على ما تركوا وراءهم من الجنان:
قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (24)
فكانت العداوة الأولى قد نشبت بين ابني آدم، فقتل الأخ أخاه لا لشيء وإنما لصراع بينهما (وسنتعرض لماهية هذا الصراع بعد قليل)
[6] لابد من الإشارة هنا إلى أنه في حين أن القرآن الكريم يذكر إسماعيل باسمه في حالة رفع القواعد من البيت، لكنه لا يذكره باسمه في قصة الذبح، ولقد سببت هذه القضية أحدى نقاط الاختلاف بين الفكر الديني الإسلامي والفكر اليهودي، ففي حين أننا نحن المسلمين نظن أن إسماعيل هو من قدّمه والده للذبح يرى اليهود أن الذبح كان من نصيب إسحق. وسنحاول في مقالة مستقلة – إن أذن الله لنا بشيء من علمه أن نخوض في تفاصيل هذه القضية، علنا نخرج بأفهام ذات دلالة لا تكون مدفوعة الشوفانية المتمركزة حول حب الذات، ولكن بالعلم النافع الذي يجلي الحقائق كما هي. أسأل الله ربي أن يعلمني منه ما لا تعلمون.
[7] لاحظ التناوب اللفظي بين مفردتي عجوز (خاصة بالنساء) و شيخ (خاصة بالرجال).
[8] سنتحدث في مقالة قادمة – إن أذن الله لنا بشيء من علمه عن شجرة اليقطين هذه لنتحدى من سبقونا بأفهام حول هذه الشجرة، فلقد ظن كثير من الناس أن شجرة اليقطين هذه تشبه اليقطين الذي يعرفونه هم، فهم بذلك يرتكبون خطأ شنيعاً وهو ما نسميه نحن بإدخال المعرفة البشرية المغلوطة في النص الديني، فالناس يعرفوا تلك النبتة التي تسمى اليقطين، لذا عندما يقرؤون المفردة في النص القرآني يظنون أنها نفسها التي يعرفونها في حياتهم اليومية، وهنا تحصل الكارثة، فنحن نقول لمن ظن أن شجرة اليقطين التي أنبتها الله على يونس يوم أن قذف في العراء هي اليقطين الذي يعرفه الناس، هل هذا اليقطين الذي تعرفونه هو شجرة؟ وكيف سيستظل به الرجل بعد أن قذف في العراء؟ ألم يقل الله في كتابه أنه قد أنبت تلك الشجرة على الرجل " وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ"، ثم لم لم يقل الله أنه قد أنبت عليه شجرة يقطين لم قال عنها "شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ؟
هذه التساؤلات وغيرها ستكون موضع نقاش في مقالة منفصلة عن صاحب الحوت بحول الله وتوفيقه.