تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

قصة يوسف 10: فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ


قصة يوسف 10: فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ


حاولنا في الجزء السابق من هذه المقالة تقديم تصور مفترى من عند أنفسنا لكيفية تطبيق الحد الشرعي بقطع اليد بحق السارق والسارقة، كما فهمناه من الآية الكريمة التالية:
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)
وقد جلبت هذا النقاش في خضم حديثنا عن قصة يوسف الآية الكريمة التي تتحدث عن تقطيع النسوة لأيديهن عندما رأينه فأكبرنه:


فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)
فظننا أن القطع لا يعني بالضرورة فصل جزء من اليد (مقدمة اليد) عن بقية اليد (الساعد) بالبتر (amputate باللسان الأعجمي) كما ظن أهل الدراية من علمائنا الأجلاء عبر قرون طويلة من الزمن. واكتفينا (كما نزعم الفهم) بالقطع الذي يؤدي إلى إحداث جرح في مكان محدد بذاته في اليد ليكون علامة تشير إلى أن هذا الشخص من اللذين ارتكبوا جريمة السرقة، ويكون ذلك بالقطع (cut باللسان الأعجمي)، فيتحقق بذلك غاية الشارع في ذلك وهو التنكيل بالسارق والسارقة (نَكَالاً مِّنَ اللّهِ).
وافترينا القول بأن تطبيق حد السرقة بقطع اليد يجب أن يكون مميزا عن بقية ما يمكن أن يحدث لليد من أذى بطرق أخرى غير تطبيق حد السرقة. لهذا ظننا أنه يجب أن يتم إحداث القطع ليد السارق أو السارقة بالسكين فقط، وفي مكان محدد بذاته. ويتم ذلك بتحريك السكين (ولا شيء غير السكين) لتقطع السبب (أي الرابط) الذي يربط الكف (أو اليد) ويمدها كسبيل بالدم القادم إليها من الساعد (أي اليد إلى المرفق)، دون فصل اليد عن الساعد تماما لأن هذا يصبح من باب البتر وليس من باب القطع.
ولعلي أظن أن آلية التنفيذ هذه مهمة جدا ليتم تمييز ذاك القطع (أي الجرح) في اليد الذي حدث بسبب تطبيق حد السرقة عن بقية الجروح التي يمكن أن تصيب اليد بعوامل أخرى، كأن يكون الإنسان قد وقع في مشاجرة فأصاب يده شيء من القطع، أو كأن تكون يده ضحية حادث سير على الطريق ونحوها. فلابد من تميز ذلك القطع الذي جاء بسبب جريمة السرقة عن أي قطع آخر حصل لأي سبب آخر. وأظن أن مكان القطع وآلية تنفيذه كفيلتان بأن تميزان حد قطع اليد في السرقة عن أي ضرر آخر يمكن أن يلحق باليد جراء فعل آخر غير السرقة. ولو نظر أحدنا الآن إلى يده من جهة باطن الكف، لوجد الحد الفاصل بين اليد (أي الكف) عن اليد إلى المرفق (أي الساعد) وكأنه يشبه تعرج الوادي الذي يمكن أن ينقبض على بعضه البعض كردة فعل لأي حركة تصيب اليد. فحاول عزيزي القاري تحريك يدك وانظر ما يحدث لذاك الحد الفاصل (الوادي) الواقع بين الكف من جهة والساعد من جهة أخرى. فنحن نظن أنه من الاستحالة بمكان أن يُصاب ذلك الوادي بأي أذى في أي حادث سوء غير مقصود قد يحصل لليد. فيستحيل أن يحدث فيه جرح على طول ذلك الوادي ما لم يكن الجرح (القطع) مقصودا ومتعمدا كحالة قطع يد السارق والسارقة. انظر الشكل التالي:
وظننا أن حجم ذاك القطع يجب أن يكون متناسبا طرديا مع حجم السرقة نفسها لأن قطع اليد كما تشير إلى ذلك الآية الكريمة يكون جزاء لما كسب السارق أو السارقة (جَزَاء بِمَا كَسَبَا). فعلينا أن نستبين حيثيات جريمة السرقة نفسها التي أوجبت تطبيق الحكم من حيث مكانة السارق ودافعه لارتكاب جريمة السرقة وكمية المال المسروق وآلية تنفيذ السرقة. ونحن نظن (مفترين القول من عند أنفسنا) أن تطبيق حد السرقة بقطع يد السارق والسارقة– كما نفتريه بالطبع- يتحقق على أرض الواقع في حالتين اثنتين وهما:
  1. إذا تكرر فعل السرقة
  2. في حالة سرقة المال العام من قبل الذين من المفترض أنهم يقومون على حمايته
ولكن لماذا؟
جواب المفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن هناك جريمة واحدة فقط لا يمكن لعقوبتها أن  تخفف وهي حد الزنا:
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)
فالله أمرنا بأن نطبق حدّ الجلد بحق الزانية والزاني دون أن تأخذنا بهما رأفة في دين الله، وأظن أن السبب في ذلك يعود إلى أن الزنا لا يقع في باب القصاص الذي يمكن أن يقع فيه شيء من التخفيف إن حصل عفو من صاحب الحق كما تصور ذلك الآية الكريمة التالية أحسن تصوير:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)
ولكن لماذا؟
رأينا: نحن نظن أن القصاص ينطوي على رد الفعل بمثله كما نفهمه نحن من الآية الكريمة التالية:
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)
فالقصاص يحمل – برأينا- على معنى رد الفعل بالمثل. فمن قُتِل له قريب، فله الحق أن يقتل بمثله مادام أن (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ). ومن فقئت عينه، فله الحق أن يفقأ عين من ألحق الأذى به مادام أن (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ)، وهكذا بالنسبة للأنف والأذن والسن وكل الجروح.
وهنا يبرز التساؤل التالي: ماذا عن الزنا؟ فهل من تم إلحاق الأذى به بالزنا بمحارمه، هل يحق له أن يرد بالمثل فيزني بمحارم من زنا به؟
جواب: كلا وألف كلا، وذلك لأن الزنا – في رأينا- ليس من القصاص. فالقصاص هو سلوك الطريق نفسها ولكن بالمعكوس:
قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64)
ويكون ذلك باتباع التفاصيل خطوة بخطوة:
وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11)
ولكن دون الاعتداء لأن الله لا يحب المعتدين:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87)
نتيجة: من قام بفعل القتل دون حضور الناس حوله، فإن الشارع يطلب منا أن نقتص منه بالقتل على مرأى ومسمع من الناس كافة، ومن فقأ عين شخص في مكان ما، فإن الشرع يطلب منا أن نقتص منه بفقء عينه أمام الناس، وهكذا. والسبب في ذلك – كما نتصوره- يكمن في رد الحقوق إلى أصحابها، وربما ليشفي ذلك صدور المؤمنين ويذهب غيض قلوبهم.
السؤال: وماذا عن السرقة؟
جواب: لو راقبنا ما جاء في هاتين الآيتين الكريمتين لوجدنا بأن التخفيف وارد في حالات القصاص جميعها (حتى في القتل)، أفلا يكون التخفيف واردا في السرقة. وماذا لو سرق (كما ذكرنا سابقا) الولد من جيب أبيه؟ وماذا لو تبيّن أن الزوجة هي من سرقت المجوهرات (التي تبحث عنها شرطة التحقيق) من بيت زوجها (ربما بتدبير مع عشيقها كما صورت ذلك كثير من أفلام الشاشة المصرية؟ وماذا لو تبين لاحقا أن الذي سرق السيارة وفككها قطعا في المدينة الصناعية في ورشة أبو --- صاحب اللحية العريضة والذي لا تفوته صلاة جماعة ويزاحم الناس على الصف الأول في المساجد لما فيه من الأجر العظيم هو أخ أو قريب المسروق منه؟ الخ.
السؤال: كيف سيتم تطبيق حد السرقة بقطع اليد في هؤلاء؟ فهل سيقبل الوالدُ أن تقطع يد ولده لمجرد أنه قد سرق منه بضعة دراهم أو دنانير؟ وهل سيقبل المجتمع أن يوقع الأخ بأخيه حد قطع اليد لمجرد أنه أخذ سيارته؟ وماذا لو تعهد برد السيارة أو بدفع كامل قيمتها؟ الخ.
وماذا لو كان حجم المال المسروق ضخم جدا؟ فهل سترد الحقوق لأصحابها بمجرد قطع يد من سرقه؟ ألا ترى أن شبابنا (وربما شيوخنا) على استعداد أن تقطع أيديهم إن سنحت لهم الفرصة في سرقة الملايين والمليارات إن كان لا يتوجب على السارق أو السارقة رد المال المسروق إلى صاحبه بعد تطبيق الحد؟
رأينا: نحن نظن أن التخفيف ربما يكون واردا في تطبيق حد السرقة في مثل هذه الحالات، شريطة رد الحقوق إلى أصحابها، وضمان عدم تكرار فعل السرقة من قبل من قام به. ولكن مع هذا كله يجب تطبيق حد السرقة في كل هذه الحالات؟
نتيجة مفتراة: نحن نظن أن تطبيق حد السرقة لازم حتى لو تم رد الحقوق إلى أصحابها، وحتى لو تعهد السارق بعدم تكرار فعلته، فلابد من قطع يد من أرتكب الجريمة:
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)
ولكن لماذا؟
رأينا المفترى: لأن السرقة (نحن نفتري القول) ليست من القصاص، ولكنها من الحدود مادام أنك لا تسرق من سرقك كما تفعل في قتل من ارتكب جريمة القتل أو كما تفعل فيمن فقأ عينك أو قطع أذنك أو جدع أنفك أو كسر سنك أو أحدث فيك جرحا في أي مكان آخر من جسمك. فجريمة السرقة لا ترد بالمثل.
السؤال: وكيف يتم تطبيقها في جميع الحالات السابقة؟
رأينا: أظن أنه مادام أن تطبيق حد السرقة هو من أجل التنكيل بالسارق والسارقة فلا بد من وضع علامة (قطع) بحجم الجريمة المرتكبة (جَزَاء بِمَا كَسَبَا) فقط لتشير إلى أن هذا الشخص قد ارتكب جريمة السرقة، فتكون نكالا به من الله (نَكَالاً مِّنَ اللّهِ).
وهذه النتيجة المفتراة من عند أنفسنا تعيدنا على الفور للحديث عن السبب الذي نظن أن من أجله قامت النسوة اللاتي راودن يوسف عن نفسه بتقطيع أيديهن.
عودة على قصة يوسف
لماذا قطّعت النسوة أيديهن: نحن نفتري القول بأن تقطيع تلك النسوة لأيديهن لم يكن ليخدم في نهاية المطاف أكثر من غرض واحد، إلا وهو وضع علامة مميزة لكل واحدة منهن لتدل على أنها قد راودت يوسف عن نفسه، فيحصل التنكيل بها على مرأى ومسمع من كل الناس، وهذا ما حصل بالضبط عندما جمعهن الملك في مجلسه:
قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)
فلم تستطيع أحد من النسوة أن تنكر مراودتها ليوسف عن نفسه في مجلس الملك. فحصل لهن التنكيل بدليل العلامة التي لازالت بارزة في أيديهن، وهي قطع أيديهن.
لكن بقيت امرأة واحدة تستطيع أن تنكر فعلتها، لأن الدليل المادي لم يكن ليطالها، وهي امرأة العزيز نفسها. فـ يد المرأة لم تقطع، والخطاب لم يوجّه لها في مجلس الملك مادام أنه قد وجّه لمن قطّعن أيديهن بطلب من يوسف نفسه:
وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)
فما كان من الملك إلا أن يتوجه في خطابه ذاك إلى تلك النسوة اللاتي قطعن أيديهن:
قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)
نتيجة: لعلي أجزم أن امرأة العزيز لم تكن مشمولة بخطاب الملك كما جاء في طلب يوسف.
السؤال: لماذا لم يكن الخطاب ليشملها؟ ولماذا انبرت المرأة من تلقاء نفسها لتعترف على الملأ بفعلتها تلك؟
... قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)
الباب الأول: لماذا لم تقطع امرأة العزيز يدها؟ ولماذا لم يطلب يوسف من الملك أن يتبين خبر ما فعلتْ امرأة العزيز به؟ أليست هي من شغفها يوسف حبا؟ أليست هي أكثر من حاولت مراودته عن نفسه؟ أليست هي من تعهّدت بسجنه إن لم يرضخ لرغبتها فيه؟ فما بال يوسف بعد كل هذا يطلب من الملك أن يتحقق مما فعلته النسوة اللاتي قطعن أيديهن به فقط؟
وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)
رأينا: نحن نظن أن هناك دروسا يمكن أن نخرج بها من هذا الموقف.
أولا، أن يوسف لم يكن يستطيع أن يثبت التهمة على امرأة العزيز، فـ يد المرأة غير مقطوعة
ثانيا، حصلت مراودة امرأة العزيز ليوسف بدافع الرغبة، فتغلفت بالكتمان والتستر على الموقف:
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29)
ثالثا، بالرغم أن رغبة المرأة بيوسف كانت جامحة، إلا أن يوسف لم يكن يستطع أن يتنصل من مسؤوليته  من كل ما حصل بينه وبين امرأة العزيز:
وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53)
فصحيح أن امرأة العزيز هي من راودته عن نفسه، وصحيح أنها هي من كانت قد هيئت له، وصحيح كذلك أنها قد همت به، إلا أن يوسف لم يكن ليكذب، ولم يكن لينكر مسؤوليته في أنه قد همّ هو أيضا بها كما همّت هي به، وما منعه عن مواصلة الهمّ بها إلا ذلك القميص الذي رءاه:
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)
لذا لم يكن ليوسف (وهو الذي لا ينكر حقوق الآخرين حتى لو كان طالبا حقه) ليتخلى عن مسؤوليته (حتى وإن ظننا أنها كانت مسؤولية لا ترقى في حجمها إلى مسؤولية المرأة نفسها في ذلك)، إلا أن من العدل والإيمان (كما تربى عليه يوسف) أن يعترف بمسؤوليته ليضطلع بها.
نتيجة مفتراة: لمّا كان يوسف يرى أنه يجب أن يتحمل جزء من المسؤولية بسبب ما حصل بينه وبين امرأة العزيز، لم يكن ليضع باللائمة عليها وحدها. وأظن أنه كان يرى في سجنه شيئا من العدل لأنه كان يعلم أنه يجب أن ينال شيئا من العقاب نتيجة فعلته عندما حاول أن يهمّ بالمرأة في يوم من الأيام.
رابعا، لكن الصورة تبدو مختلفة بعض الشيء في حالة النسوة، فبالرغم أن النسوة قد راودن يوسف عن نفسه:
قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ...
إلا أن يوسف لم يراود أحد منهن عن نفسها، ولم يصدر عنه أنه قد همّ بأي واحدة منهن، بدليل أن النسوة اعترفن بملء ألفيه أمام الملك أنهن لم يعلمن على يوسف من سوء:
... قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ
سادسا، كان الدافع الأولي الذي أوقع النسوة أساسا في هذا الشرك هو المكر بامرأة العزيز:
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)
فامرأة العزيز لم تمكر بالنسوة كما مكرهن بها، ولما كان المكر في تصورنا – كما ذكرنا في الجزء السابق من هذه المقالة- ينطوي على إيقاع الأذى بالآخرين، فإن النية السيئة هي التي أوقعت بالنسوة، ولكن النيّة الحسنة هي التي أنقذت امرأة العزيز نفسها.
الخ.
السؤال: لماذا تقدمت امرأة العزيز في حضرة الملك لتتحمل مسؤوليتها في ما جرى بالرغم أن الخطاب لم يكن أصلا ليشملها؟
افتراء من عند أنفسنا: لعلي أظن أن هذا نابع من خلق امرأة العزيز الراقي، ومن طيب معدنها، فـ في موقفاها هذا ردت المرأة الحقوق إلى أصحابها. ولكن كيف ذلك؟
أولا، لعلي أظن أن امرأة العزيز قد أرادت أن ترد أولا الحق ليوسف نفسه. فلقد وجدت المرأة في خلق يوسف هذا (وهو الذي لم يذكرها للملك بسوء) ما أجبرها أن تتقدم بنفسها لتتحمل مسؤوليتها، ولكن كيف ذلك؟
رأينا: لمّا وجدت امرأة العزيز أن خطاب يوسف قد جاء من السجن على نحو الاستفسار عن ما فعلت النسوة اللاتي قطعن أيديهن:
وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)
ولمّا سمعت بأذنيها أن الملك يوجّه الخطاب (ومن ثم اللائمة) في ذلك إلى النسوة اللاتي قطّعن أيديهن، انبرت امرأة العزيز في هذه اللحظة لتتحمل هي الأخرى مسؤوليتها لسببين:
  1. لترد معروف يوسف لها في ذلك، فهو لم يشملها في الخطاب، ولم يتنصل من مسؤوليته معها
  2. لتدفع بالتهمة عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن، فهي من أقامت عليهن الحجة في الأصل بهذه البيّنة الفاضحة لهن وهي تقطيع الأيدي.
افتراء من عند أنفسنا: لمّا كانت امرأة العزيز ذات خلق رفيع، وذات مكانة في قومها، ما كانت لتوقع بالنسوة في ذلك الشرك لتتنصل هي منه، فلقد كان هدفها – كما نفهمه- ليس المكر بهن (كما فعلن هن بها يوم أن تحدثن عنها بسوء في المدينة)، ولكنه الكيد بهن (أي لدفع التهمة عن نفسها فقط). ومادام أن التهمة في بلاط الملك لا تلصق الآن بها وحدها، ومادام أن جميع النسوة قد أصبحن في قفص الاتهام، لم يكن لامرأة العزيز (بخلقها ومكانتها المعهودتين) أن تهرب من الموقف. ولكنها واجهت الموقف بكل شجاعة، فتحملت قسطا من المسؤولية عن يوسف، فاعترفت بأنها هي من راودته عن نفسه وأنه هو من استعصم:
... قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)
وفي الوقت ذاته تحملت (نتيجة اعترافها هذا) جزءا من المسؤولية عن النسوة عندما وضعت نفسها في قفص الاتهام معهن.
السؤال: من هي هذه المرأة؟ ولماذا كانت تحضر في بلاط الملك مع النسوة اللاتي قطعن أيديهن أصلا؟


باب: امرأة العزيز
حاولنا أن نبحث في أقول السلف عن بعض المعلومات التي قد تسعفنا للتعرف على شخصية هذه المرأة التي خلدها الله في كتابه الكريم وربط قصتها مع واحد من أنبياءه المخلصين. وبعد بحث سريع في تلك المؤلفات العظيمة لأهل الدراية الذين لا أشك قيد أنملة في صلاحهم، خلصت – عذرا أيها السادة- إلى نتيجة مفادها أنني لا استطيع أن أقدّر معرفتهم تقديري لصلاحهم، فظننت أن ما جاءت به أقوالهم في تفسير الآية الكريمة التالية التي ورد فيها خبر تلك المرأة لأول مرة في كتاب الله:
وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)
لم يكن ليروي ظمأ الباحث عن الحقيقة، والأهم من ذلك أني أزعم القول أن في كلامهم من المخالفات العقائدية ما يجعلني أجزم أن مكانه الصحيح هو _________ .
ومن أراد من القراء الكرام أن يجادلنا في ذلك، فليقرأ أولا ملخص ما جاءنا من عند أهل الدراية كما يورده لنا ابن كثير في تفسيره للقرآن الكريم الذي لا زال ركنا أساسيا في كل مؤلفات أهل العلم الذين لازالوا يتصدون لتوضيح مفردات القرآن العظيم للناس. فانظر عزيزي القارئ – يرحمك الله- فيما قالوا أولا، ثم دعنا نناقش بعض كلامهم لاحقا:
يخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه فراودته عن نفسه أي حاولته على نفسه ودعته إليها وذلك أنها أحبته حبا شديدا لجماله وحسنه وبهائه فحملها ذلك على أن تجملت له وغلقت عليه الأبواب ودعته إلى نفسها " وقالت هيت لك " فامتنع من ذلك أشد الامتناع و " قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي " وكانوا يطلقون الرب على السيد الكبير أي إن بعلك ربي أحسن مثواي أي منزلي وأحسن إلي فلا أقابله بالفاحشة في أهله " إنه لا يفلح الظالمون " قال ذلك مجاهد والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم وقد اختلف القراء في قوله " هيت لك " فقرأه كثيرون بفتح الهاء وإسكان الياء وفتح التاء قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : معناه أنها تدعوه إلى نفسها وقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس : هيت لك تقول هلم لك . وكذا قال زر بن حبيش وعكرمة والحسن وقتادة قال عمرو بن عبيد عن الحسن وهي كلمة بالسريانية أي عليك وقال السدي : هيت لك أي هلم لك وهي بالقبطية قال مجاهد : في لغة عربية تدعوه بها وقال البخاري وقال عكرمة : هيت لك أي هلم لك بالحورانية وهكذا ذكره معلقا وقد أسنده الإمام أبو جعفر بن جرير حدثني أحمد بن سهل الواسطي حدثنا قرة بن عيسى حدثنا النضر بن علي الجزري عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله " هيت لك " قال هلم لك قال : هي بالحورانية وقال أبو عبيد القاسم بن سلام وكان الكسائي يحب هذه القراءة يعني هيت لك ويقول لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز ومعناها تعال وقال أبو عبيدة : سألت شيخا عالما من أهل حوران فذكر أنها لغتهم عرفها واستشهد الإمام ابن جرير على هذه القراءة بقول الشاعر لعلي بن أبى طالب رضي الله عنه : أبلغ أمير المؤمن ين أذى العراق إذا أتينا إن العراق وأهله عنق إليك فهيت هيتا يقول فتعال واقترب وقرأ ذلك آخرون هئت لك بكسر الهاء والهمز وضم التاء بمعنى تهيأت لك من قول القائل هئت بالأمر أهيء هئة وممن روي عنه هذه القراءة ابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو وائل وعكرمة وقتادة وكلهم يفسرها بمعنى تهيأت لك قال ابن جرير : وكان أبو عمرو والكسائي ينكران هذه القراءة وقرأ عبد الله بن إسحاق هيت بفتح الهاء وكسر التاء وهي غريبة وقرأ آخرون منهم عامة أهل المدينة هيت بفتح الهاء وضم التاء وأنشد قول الشاعر : ليس قومي بالأبعدين إذا ما قال داع من العشيرة هيت قال عبد الرزاق : أنبأنا الثوري عن الأعمش عن أبي وائل قال : قال ابن مسعود وقد سمع القراء متقاربين فاقرءوا كما علمتم وإياكم والتنطع والاختلاف وإنما هو كقول أحدكم هلم وتعال ثم قرأ عبد الله هيت لك فقال يا أبا عبد الرحمن ناسا يقرءونها هيت قال عبد الله : أن أقرأها كما علمت أحب إلي وقال ابن جرير : حدثني ابن وكيع حدثنا ابن عيينة عن منصور عن أبي وائل قال : قال عبد الله هيت لك فقال له مسروق إن ناسا يقرءونها هيت لك فقال دعوني فإني أقرأ كما علمت أحب إلي وقال أيضا : حدثني المثنى حدثنا آدم بن إياس حدثنا شعبة عن شقيق عن ابن مسعود قال : هيت لك بنصب الهاء والتاء ولا تهمز وقال آخرون هيت لك بكسر الهاء وإسكان الياء وضم التاء قال أبو عبيد معمر بن المثنى هيت لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث بل يخاطب الجميع بلفظ واحد فيقال هيت لك وهيت لكم وهيت لكما وهيت لكن وهيت لهن .
انتهى الاقتباس


النقاش
لو حاولنا أن نتفقد أقوال السادة العلماء أهل الدراية كما جاءت في هذا التفسير الكبير (حيث هو مرجع طلاب العلم في رسائلهم الجامعية العظيمة التي يشرف عليها جهابذة من أهل الدراية والرواية في كليات الشريعة المنتشرة في عرض البلاد وطولها من عالمنا الإسلامي الكبير)، لربما خرجنا نحن العامة بالملاحظات البسيطة التالية:
  1. كان معظم وقتهم الثمين قد أنفقوه في الكسر والفتح والضم والهمز لمفردة (هَيْتَ)، فلقد أنكر البعض منهم على البعض الآخر شيئا من القراءات، واحتدم النقاش، ولكنه تمخض في النهاية – كالعادة- بصحة جميع رواياتهم (انظر آخر جملة في ذلك التفسير- أليس هذا من باب الرحمة بالأمة؟) من يدري!!!
  2. أنفق أهل الدراية قسطا من وقتهم الثمين في التعرف على أصل المفردة (هَيْتَ)، فوجدها بعضهم في السريانية ووجدها بعضهم بالقبطية ولم تعدم بعضهم الحيلة أن يجدها بالحورانية. لكن السؤال الذي ربما يشغل تفكيري عندما أقرأ مثل هذا الكلام في أقوال أهل العلم هو: هل نسي سادتنا العلماء أهل الدراية أن هذا القرآن قد أُنزل عربيا؟
إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)
وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113)
وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28)
كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)
إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)
(على فكرة ما هي الحورانية؟ فهل هي لغة حواري المسيح عيسى بن مريم مثلا؟ أم هي لغة أهل حوران وأنا –لا شك- واحد منهم حيث أسكن فيها أو ربما قريبا منها؟ على أي حال فأنا لا أعرفها، ولكني لم أعدم الأمل بعد أن يخرج علينا من أهل العلم المحدثين (خصوصا من تخصص في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم على شاشات الفضائيات الدينية) ليزف إلينا الخبر المفرح أنه قد وجد المفردة في أحد اللغات الاسكندنافية أو في لهجة من لهجات الهنود الحمر الذين انقرضت لغتهم قبل أن تنقرض سلالتهم) من يدري!!!
  1. تصور تفسيرات أهل العلم امرأة العزيز تلك على أنها امرأة شبقة قد فتنها جمال يوسف، فأرادت خيانة زوجها، فأصرت على إشباع رغبتها الجنسية.
  2. لم تتطرق تفسيراتهم العظيمة للحديث عن شخصية تلك المرأة أو عن هويتها أو حتى عن عائلتها.
  3. تصوّر معظم أراء العلماء (أهل الدراية هؤلاء كما أجاءنا عن طريق أهل الرواية، فنحن لم نسمع منهم مباشرة، فلا نجزم بأن هذا الكلام قد قالوه فعلا) على أن تلك المرأة هي من تربى يوسف في بيتها منذ أن جاءت به السيارة، وما أن كبر يوسف في بيتها حتى راودته عن نفسه، لنخرج بالاستنباط البسيط من منطقهم هذا (كما يمكننا أن نفهمه) بأن تلك المرأة لم تكن أكثر من عجوز شمطاء تبحث عن فتى في العشرين من عمره ليداعبها، وليرفث معها.
  4. الخ.


ولكن هلاّ ساعدنا علماؤنا الأجلاء بالتعرف أكثر على هوية المرأة؟ أم أن مثل هذا الكلام (كما تقول بعض مؤلفاتهم) ربما يقع في باب العلم الذي لا ينفع ومن باب الجهل الذي لا يضر؟ من يدري!!!


تصور جديد لشخصية امرأة العزيز بافتراءات من عند أنفسنا
دعنا – عزيزي القارئ- ننفق شيئا من وقتنا (غير الثمين بالطبع) في البحث عن تساؤلات مثل:
  • من هي تلك المرأة؟
  • من هو زوجها؟
  • من هو سيدها؟
  • فهل سيدها هو زوجها نفسه؟
  • أين كانت تسكن؟
  • لماذا نسب البيت إليها (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ) ؟ ولماذا لم يُنسب لزوجها؟
  • ما مكانتها في قومها؟
  • كم كان عمرها يوم أن راودت يوسف عن نفسه؟ وكم عاشت بعد ذلك من العمر؟
  • لماذا قامت بتغليق الأبواب (وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ) بنفسها؟ وكم كان عدد تلك الأبواب؟ وما شكل تلك الأبواب؟ ومن أي مادة كانت تلك الأبواب مصنوعة؟
  • كيف هيئت نفسها له؟ وأين هيئت نفسها له؟
  • هل كانت تستخدم مستحضرات التجميل بعد هذا العمر المديد لتقاوم عوامل الشيخوخة (anti-ageing) لتبدو أكثر جمالا حتى يهمّ بها يوسف؟
  • من أين اشترت غرفة نومها  (bedroom) التي جهزتها ليوسف عندما غلقت عليه الأبواب؟ أم هل كان نفس فراش زوجها العتيق؟
  • وكيف كان شكل غرفة الضيافة (dinning room) التي قدّمت للنسوة فيها الأترج العظيم؟ على فكرة ما هو الأترج؟ هل يعرفه أحد من القراء (غير أهل العلم الذين يعرفون كل شيء)؟
  • وما هي الماركة التجارية التي كانت مطبوع اسمها على تلك السكاكين التي آتت واحد منهن لكل من حضرت وليمة الأترج العظيم؟
  • وما اسم محل الفاكهة الذي اشترت منه الأترج؟ وهل قدّمت مع الأترج العظيم نوعا آخر من الفاكهة؟ شوف ما أبخلها (بس نوع واحد من الفاكهة). ألم يكن التفاح والموز والبرتقال والفواكه المدارية معروفة حينئذ؟ وهل كان الأترج من إنتاج الأرض المصرية أم كان مستوردا؟ فما بال الأرض المصرية لم تعد تترج (أي الفعل الذي اشتققته أنا من الأترج)؟
  • كم كان في دولابها من الفساتين والحقائب والأحذية المنسقة مع لون طلاء الأظافر (manicure وpedicure) وكحل العين (eyeliner and eye shadow) وطلاء الخدود (and face powder foundation) وروج الشفاه  (rouge) كما تنسقه فتياتي جامعتي العتيدة هذه الأيام؟
  • وهل كانت تعمل على حرق جسمها بأشعة الشمس (sun tanning) كما تفعل بنات الأصفر اليوم لتغيير لون البشرة؟ ألم تكن تعيش في قصر لا ترى الشمسُ ما في داخله؟
  • ماذا كان لون البرادي (curtains) التي كانت تغطي نوافذ منزلها حتى لا يراها أحد من خارج المنزل وهي تراود يوسف عن نفسه وتتهيأ له؟
  • الخ.


دعنا – عزيزي القارئ- نضيّع بعض الوقت في هذه القضايا (شو في ورانا، ما نحنا قاعدات، كما كانت تقول أمي بالعامية الأردنية) لنرى هل يمكن أن يكون العلم بمثل هذه الأمور فائدة قد تذكر، وهل كان الجهل بها على مدار أربعة عشر قرنا ونيف من الزمن غير ضار فعلا. من يدري؟!!!
السؤال:  من هي تلك المرأة؟
بداية نحن ننكر جملة وتفصيلا – كما افترينا القول في واحدة من المقالات السابقة- أن تكون تلك المرأة هي من تربى يوسف في بيتها. فلا أخال أن المرأة التي ربت صبيا منذ نعومة أظفاره ستنقلب بين ليلة وضحاها لتراوده عن نفسه. فمادام أن المرأة قد ربته فهي قد خبرته منذ صغره، فيستحيل أن تفتن به بعد كل ما خبرته منه. للأسباب التالية:
أولا، إن التي ربته هي التي كانت بنص القرآن تكرم مثواه كما طلب منها بعلها الذي اشترى يوسف من مصر:
وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)
السؤال: هل يجري الله الأقدار لهذا الرجل الذي اشترى يوسف وأكرمه، وكان هدفه في الأصل جلب منفعة له ولأهل بيته أو أن يتخذ يوسف ولدا لهما (عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) هل ستكون عاقبة فعله الكريم هذا أن تقع امرأته في حب الفتى نفسه؟
رأينا: إن سلامة نيّة الرجل الذي اشترى يوسف من مصر لن توصله إلى هذا إطلاقا
ثانيا: نحن نظن أن المرأة وزوجها لم يرزقا بالذرية بدليل كلام الرجل من إكرام مثوى يوسف:
وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)
لذا، نحن نظن أن المرأة قد ربت يوسف على أن يكون ولدها، فهل يمكن أن تقدم امرأة كانت تعامل الفتى على أنه ولدها على مراودته عن نفسه بعد هذا كله؟
ثالثا، إذا كانت تلك المرأة قد انحدرت بها الأخلاق إلى درجة أن تراود من ربته على أنه ولده عن نفسه، فكيف ليوسف أن يهم بمن كان ينظر إليها على الدوام على أنها والدة له خاصة إذا ما علمنا أن مراودة المرأة ليوسف عن نفسه قد حصلت بعد أن تحصل ليوسف الحكم والعلم من ربه؟
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)
رابعا، أما الدليل الأكبر على أن تلك المرأة التي راودت يوسف عن نفسه لم تكن من ربته – كما نزعم- نجده في الآية الكريمة التالية:
وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)
لاحظ - عزيزي القارئ- إلى من نُسب البيت، ولاحظ كيف كان حضور يوسف في ذلك البيت. ألا تجد أن البيت قد نسب إلى المرأة التي راودته عن نفسه:
وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ
والآن، ألم يكن للبيت الذي تربى فيه يوسف صاحب وهو الذي اشتراه من مصر؟ فكيف إذا ينسب البيت للمرأة؟
ثم، ألا ترى – عزيزي القارئ- أن يوسف كان في بيتها ويكأنه غير مقيم (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا
والآن ألم يكن بيت تلك المرأة التي ربت يوسف هو مثوى ليوسف؟
وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ
افتراء من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن المرأة التي ربت يوسف كانت تسكن البيت الذي كان مثوى ليوسف، بينما المرأة التي راودت يوسف عن نفسه كانت تسكن بيتا خاصا بها لم يكن مثوى ليوسف.
السؤال: كيف حصل أن جاء يوسف إلى بيت هذه المرأة؟ وماذا كان يعمل هناك؟ (أسئلة سنضطر أن نتعرض لها لاحقا بحول الله وتوفيق منه).
خامسا، لو راقبنا الآية الكريمة التالية لربما تأكد لنا التفريق بين المرأة التي كانت تربى يوسف في بيتها فاتخذته وبعلها ولدا لهما والمرأة التي تواجد يوسف في بيتها فاتخذته فتى لها:
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (30)
نتيجة مفتراة: في حين أن المرأة التي ربت يوسف كانت قد اتخذته ولدا لها، فإن المرأة التي راودت يوسف عن نفسه قد اتخذته فتى لها؟
السؤال: ما معنى أن يكون يوسف فتى لتلك المرأة؟
بداية نحن نفتري القول بأن واحدة من أهم الفروق بين من تتخذه ولدا ومن تتخذه فتى هو النكاح. فما اتخذ المؤمنون من الفتيات المؤمنات يمكن أن ينكحهن إن هو أراد ذلك:
وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (25)
نتيجة: مادام أن الفتى يمكن أن ينكح فيستحيل – نحن نفتري القول- أن تكون من راودت يوسف عن نفسه هي من اتخذته ولدا.
ثانيا، لم يكن يوسف هو الفتى الوحيد الذي دخل السجن، فكان هناك بالإضافة ليوسف (فتى تلك المرأة) فتيان آخران دخلا معه السجن:
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)
نتيجة مفتراة سنحتاجها لاحقا: نحن نظن أن تلك المرأة التي راودت يوسف عن نفسه هي من تملك أولئك الفتيان الآخران اللذان دخلا السجن مع يوسف. لذا لم يكن يوسف وحده هو فتى تلك المرأة.
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: إن صح ظننا هذا، فإن المرأة التي تربى يوسف في بيتها لم يكن يوسف فتى لها، والأهم من ذلك أنه لم يكن في بيتها من الرجال إلا يوسف وبعلها الذي اشتراه من مصر.
ثالثا، لقد اتخذ يوسف لنفسه فتيان بعد أن أصبح هو عزيز مصر:
وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)
نتيجة مفتراة مهمة جدا جدا: الفتى هو من يعمل عند شخص آخر مقابل الأجر، فأولئك الفتيان الذين كانوا يعملون عند يوسف كانوا يقومون بتلك المهمة كوظيفة يأكلون منها قوتهم.
رابعا، كان الذين أووا إلى الكهف فتية:
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10)
فكانوا أصحاب الكهف والرقيم.
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9)
نتيجة مفتراة: نحن نفتري الظن بأن الفتى هو شخص يقوم على تقديم خدمة مقابل أجر وذلك لأنه على علم. فقد كان إبراهيم نفسه فتى:
قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60)
وأظن أن إبراهيم كان يقوم على خدمة المعبد مع أبيه آزر (وهو الذي كان يتخذ وقومه الأصنام آلهة):
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (74)
وقد اتخذ موسى لنفسه فتى:
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60)
فكان ذلك الفتى يقوم بتقديم خدمة لموسى:
فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62)
نتيجة مفتراة: الفتى هو شخص يقوم بتقديم خدمة لشخص آخر ربما مقابل الأجر على ذلك.
السؤال: وماذا عن موسى نفسه؟ ألم يكن يقدّم خدمة لشعيب؟ لماذا لم يكن موسى نفسه فتى لشعيب؟
رأينا: نحن نظن أن موسى لم يكن يقدم خدمة لشعيب، ولكنه كان يرعى الغنم لشعيب مقابل أن أنكحه إحدى ابنتيه:
قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)
نتيجة مفتراة: لم يكن موسى يعمل كفتى لشعيب لأن عمل موسى كان محدد مسبقا بالإجارة المتفق على شروطها مسبقا، فلم يكن موسى يتلقى الأوامر لحظة بلحظة من شعيب. ولم يكن موسى يرافق شعيب في يومه. ولكنه كان ينفذ التزام مسبق اتفقا الاثنان عليه قبل أن يبدأ موسى بعمله:
قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28)
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا (1): عندما يعمل شخص في تنفيذ مهمة (عمل) لشخص آخر ويتفقان على شروط العمل مسبقا مقابل الأجر، يكون ذلك من باب الإجارة كما حصل لموسى مع شعيب.
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا (2): عندما يعمل شخص عند شخص آخر ربما مقابل الأجر ولكن دون تحديد وظيفة محددة بعينها وإنما يقوم بتلقي الأوامر مباشرة من صاحب العمل لحظة بلحظة، يصبح ذلك العامل هو فتى لمن يعمل عنده. كما كان في حالة إبراهيم (الذي كان يعمل لأبيه آزر في المعبد) وفي حالة يوسف (الذي كان يعمل عند المرأة)، وكما كان الحال بالنسبة للفتية أهل الكهف الذين كانوا يتلقون التعاليم لحظة بلحظة من معلمهم المسيح عيسى بن مريم (انظر كيف تم خلق المسيح عيسى بن مريم؟). وكما في حالة فتى موسى الذي كان يتلقى التعاليم أولا بأول من موسى نفسه.
ولو دققنا أكثر في قصة موسى مع فتاه لربما جاز لنا أن نفتري القول بأن الفتى يصاحب من يعمل عنده في ذهابه وإيابه، فلقد كان فتى موسى رفيقا له في دربه، بدليل أنهما بلغا مجمع البحرين معا:
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61)
وهكذا (برأينا) كان حواري المسيح عيسى بن مريم (أصحاب الكهف)، وهكذا كان فتية يوسف الذين كانوا يتلقون منه الأوامر مباشرة عندما أصبح عزيز مصر:
وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: لقد كان يوسف فتى للمرأة لأنه كان – برأينا- يعمل عندها، فيصاحبها في ذهابها وإيابها، وكان يتلقى منها الأوامر مباشرة، لذا لم تتردد المرأة أن تثبت حقها في أنها هي من تأمره:
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)
السؤال: ماذا كان يعمل يوسف في بيتها؟
جواب: لقد كان يوسف يعمل فتى لتلك المرأة:
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (30)
نتيجة مفتراة: نحن نفتري الظن بأنه لو كان يوسف يتواجد في بيت من ربته، وأن من ربته هي من راودته عن نفسه، لربما قالت النسوة حينها أن امرأة العزيز تراود عن نفسها من اتخذته ولدا.
وأخيرا، عندما رأت النسوة ذلك الفتى لم تتردد امرأة العزيز أن تبين للنسوة بأن هذا الفتى غريب عن هذه الديار بدليل أن النسوة لم يخبرن يوسف من ذي قبل:
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن يوسف لم يتربى في بيت تلك النسوة وإلا لكان يوسف مألوف ومعروف ولو لبعض تلك النسوة. ولكن الأمر المفاجئ للنسوة كان رؤية يوسف نفسه، فها هي امرأة العزيز تطلب من يوسف أن يخرج عليهن ليرينه بأم أعينهن، فيتعرفن عليه لأول مرة، فما يكون ذلك إلا كوقع الصاعقة على رؤوسهن:
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)
السؤال المربك جدا: هل لو كان يوسف يتربى في بيت تلك المرأة منذ أن جاءت به السيارة، فكيف بهؤلاء النسوة لم يخبرنه من قبل حتى تكون رؤيته أكثر شيء فيه مفاجأة لهن؟ ألم يكن يوسف فتاها فيصاحبها على الدوام؟ ما الجديد الذي ستراه النسوة في يوسف؟ لم لم تكن النسوة على علم (على الأقل) باسم الفتى؟ لم جاء حديثهن عنه بالصفة وليس بالاسم؟
جواب: لو تدبرنا رد امرأة العزيز على "انبهار" النسوة برؤية يوسف لوجدنا أنها تشير إليه بطريقة تبين أن النسوة لم يخبرن هذا الفتى من ذي قبل:
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)


باب: فَذَلِكُنَّ
لقد استوقفنا لفظ فَذَلِكُنَّ في قصة يوسف كما يرد في الآية الكريمة التالية التي جاءت على لسان امرأة العزيز نفسها:
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)
فتوقفنا لنطرح التساؤل التالي: لماذا جاء اللفظ على نحو "فَذَلِكُنَّ"؟ لِم لَم يأتي اللفظ على نحو:
فهذا الذي لمتنني فيه؟
أو على نحو:
فذلك الذي لمتنني فيه؟
جواب مفترى: نحن نظن أن اللفظ جاء على لسان امرأة العزيز باستخدام اسم الإشارة الذي يدل على البعيد (أو لنقل الغائب) فاستخدمت ما يشير إلى الغائب وهو (فَذَلِكُنَّ) بدلا من اللفظ الذي يدل على القريب (أو الحاضر) مثل "هذا". ولكن لماذا؟
رأينا: عندما طلبت امرأة العزيز من يوسف الخروج على النسوة، جاء رد النسوة مباشرة في حضرة يوسف نفسه مستخدما لفظ الإشارة الذي يدل على القريب (أو لنقل الحاضر) وهو هَذَا. انظر الآية الكريمة:
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)
لتكون القصة قد حصلت (كما نحيكها في مخيالنا) على النحو التالي:
تجمع امرأة العزيز النسوة، وتعدّ لهن متكأ واحدا، وتؤتي كل واحدة منهن سكينا، ثم تطلب من يوسف أن يخرج عليهن من ذلك المتكأ (أي غرفة النوم)، فيخرج من هناك لتراه النسوة بأم أعينهن، وما أن ترى النسوة يوسف حتى يعبّرن عن دهشتهن بما رأينه، فيجري حديثهن بحضور يوسف نفسه، فيكون استخدام لفظ الإشارة هَذَا ربما ليدل (كما نفهمه) على أن يوسف لازال حاضرا في مجلسهن حينئذ:
وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ
وهنا تطلب امرأة العزيز من يوسف (نحن نتخيل) العودة إلى المكان الذي خرج منه (أي المتكأ). وتمضي النسوة معا في الحديث قدما عن الفتى الذي رأينه للتو ولكن دون حضور يوسف بينهن، فما يكون من امرأة العزيز نفسها إلا أن تشير إلى يوسف في غيابه، فتستخدم ما يشير إلى أن يوسف لم يعد حاضرا في مجلس النسوة، فجاء اللفظ على لسانها على نحو (فَذَلِكُنَّ)
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)
افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أن امرأة العزيز قد استخدمت لفظ الإشارة "فَذَلِكُنَّ" ليدل – برأينا- على أن يوسف لم يكن حاضرا بينهن في تلك اللحظة. وفي هذه اللحظة حيث يغيب يوسف عن المجلس تنبري امرأة العزيز لتبوح للنسوة بالخبر الخطير الذي حاولت أن تتملص منه في حضور سيدها من ذي قبل عندما ألفياه لدى الباب. فما يكون من امرأة العزيز إلا أن تعترف للنسوة بما حصل فعلا على أرض الواقع:
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)
ولا تتوقف عند ذلك، بل تبوح لهن بما هي عازمة على المضي قدما به بخصوص ذاك الفتى:
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)
لكن يبقى هناك تساؤل مشروع لابد من طرحه وهو: لماذا استخدمت امرأة العزيز اللفظ على نحو "فَذَلِكُنَّ"؟ لم لم تستخدم اللفظ على نحو فذلك، مثلا، وكفى؟ ألم يكن يوسف هو من لامت النسوة امرأة العزيز فيه؟ أليس يوسف شخص مذكر تستخدم مفردة ذلك للإشارة إليه كما ترشدنا القواعد اللغوية التي صاغها الآباء والأجداد؟ ألم نتعلم في الصف السابع ب الفرق بين هذا وذاك، وهذه وتلك، وذلك وتلك، الخ.
السؤال: ما قصة فَذَلِكُنَّ؟
نحن نظن أن هذا التساؤل سينقلنا على الفور إلى جزئية خطيرة جدا لطالما عرّجنا عليها في كتاباتنا السابقة، جزئية تخص صلب العقيدة فتتأثر وتؤثر بها، ألا وهي تلك الموروثات القواعدية التي أجاءتنا من عند أهل الدراية السابقون (وليس السابقين) التي نقلها أهل الرواية على مر القرون القدماء منهم والمحدثين (وليس المحدثون) – حر أنا هيك بدي أحكي!!!
وقد حاولنا حينئذ أن نقدّم بعض الافتراءات من عند أنفسنا ظانين أن الفرصة لازالت متاحة لتصحيح بعض الأخطاء الموروثة، والقارئ الكريم مدعو لمراجعة كتاباتنا السابقة ليجد أننا حاولنا في مواطن عديدة منها تقديم بعض الاقتراحات التي ظننا أنها جديدة. ونحن نجد الآن أن الضرورة تستدعي أن نوضح للقارئ الكريم (الذي لديه من الوقت ليضيعه في ملاحقة شطحاتنا غير المنضبطة) بأننا قد تبنينا على مدى السنوات القليلة الماضية موقفين من هذه القضية على وجه التحديد، فكان لنا موقف قديم آثرنا حديثا أن يحل محله موقف جديد لنا.
موقفنا القديم: كانت عقيدتنا الخاصة بهذه القضية (الموروثات اللغوية) التي أشرنا إليها سابقا في أكثر من موضع تتمثل بأننا نلقي بظلال الشك على ما وصلنا من تلك التي يرغب أهل اللغة والشريعة أن يسموها "القواعد اللغوية"، فكان طرحنا (الذي غلّفناه حينئذ بشيء من التصنع الأدبي والذي هو ليس جزءا من طبعنا القروي الجاف) يتمثل بأن نعيد النظر في تلك الموروثات من جديد لتنقيتها وتنقيحها من الشوائب والأخطاء (إن وجدتْ بالطبع).
موقفنا الجديد: ما أن وجدنا في كتاب الله من الأمثلة ما نظن أنه يكفي لدحض تلك الموروثات، أصبح موقفنا العقائدي من كل تلك الموروثات يتمثل بأن لا نعمل على تنقيحها وتنقيتها بل التخلص منها نهائيا، فها نحن نعود إلى طباعنا الأصيلة فينا فنترك التصنع الأدبي لبعض الوقت لنعبر عن رأينا بكل جلافة ووضوح لنقول بأننا قد أصبحنا من أصحاب الرأي الذي مفاده أن المكان الصحيح لما وصلنا من قواعد لغوية صاغها الآباء والأجداد هو سلة المهملات (أوrecycle bin بالمفردات الغربية المهذبة)
الدليل
إن الذي دعاني إلى نبش هذه القضية هنا في خضم حديثنا عن تفاصيل قصة يوسف هو تلك المفردة التي يسميها أهل اللغة باسم الإشارة ولم نجدها يوما (على ما أذكر) في كتب القواعد المدرسية، إنها مفردة فَذَلِكُنَّ.
وقد تزامن حديثي عن هذه الجزئية مع رسالة بريدية وصلتني من أحد القراء الذين رغبوا أن يضيعوا جزءا من وقتهم في ملاحقة شطحاتنا التي ما انفككنا أن نفتريها من عند أنفسنا. فكان ما وصلني من الأخ محمد نصر الله هو الرسالة الإلكترونية التالية:
استاذي العزيز د/ رشيد 
بعد التحية و صباح الخير و الفل و الانوار
هذه رسالة وصلتني من احد الاصدقاء و ارجو من حضرتكم التكرم بإبداء الرأي فيها 
نص الرسالة : 
اريد من يفهم في اللغه العربيه وقواعدها ان يحل هذا اللغز الألاهي في القرآن.
القرآن يكرر نفس الأيه في سورتين مختلفتين وهما المائده والبقره فيذكر نفس كلمة الصابئين في الأيتين في صورتين مختلفتي ففي الأولى منصوبه وفي الثانيه مرفوعه ولو فعلها طالب في الأمتحان لنال صفر وبجداره .
1- إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } المائدة : 69
وكان يجب أن ينصب المعطوف على اسم إن فيقول : والصابئين في كما فعل هذا وورد فى البقرة 2: 62 والحج 22: 17 (
2- إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى
والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. البقره 62 
.
3-نَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . الحج 17
أذن هناك خطأ ومن المستحيل ان يخطأ الله , فمن الذي أخطأ أما الذي كتب القرآن أو الناس التي تناقلت القرآن بأفواهها وهذا ما قالته عائشه 
حتى فطاحلة اللغه العربيه لم يجدوا حل لهذا الخطأ الا بقولهم الله أعلم وعندما سألت عائشه عن هذا الخطأ بأعتبا ان النبي قال للمسلمين ستؤخذون نصف دينكم من عند هذه الحميراء قالت هذا الخطأ سببه افواه الناس التي نقلت الأيه بالخطأ وهذا ينفي القول ان القرآن لم يحرف وأنه في لوح محفوظ وأنه من الله فالله من المفروظ ان لا يخطأ .
مع التحية و التقدير 
محمد
انتهت الرسالة الإلكترونية


فحاولت أن أرد على تساؤل السيد محمد برسالة مماثلة، أعبر له فيها عن رأي بمثل هذه القضية. وسأحاول أن أضع بين يدي القارئ هنا القضية نفسها بشيء من التفصيل لما قلته للأخ محمد باختصار حينئذ،  محاولا في الوقت ذاته تبيان خطورة مثل هذا الكلام على النص القرآني.
أما بعد،
بداية، نحن نظن أن علماءنا الأجلاء (من أهل اللغة وأهل الشريعة) هم من وضعوا في أيدي من يتربص بهذا الدين الكنز الثمين الذي يمكن أن يهاجموا القرآن من خلاله: إنها تلك الموروثات التي ظنوا أنها أخطاء لغوية وردت في كتاب الله (كما يصورها الكثيرون الذي ما انفكوا يوما عن القدح بمصداقية كتاب الله). فكم من المؤلفات المنشورة تناولت ما يشذ من استخدامات لغوية في القرآن؟ ولو أن شخصا قّلب في ساعة واحدة فقط محطات التلفزة الحديثة خاصة الفضائية منها، المهتمة بالشأن الديني وبنقاش ما يسمونه حوار الأديان، لوجد أن جلّ مهمة الكثير منها التربص بأخطاء وعثرات الآخرين، فهذا ينبش بين السطور، وهذا يقلب في أوراق هذا بحثا عن دليل يدين خصمه مما خطت يمينه، وهكذا.
موقفنا: نحن نظن أن البحث والتنقيب في الملفات ظاهرة إيجابية لأن الله لا شك متم نوره ولو كره الكافرون، ولكن بشرط واحد وهو أن يكون الهدف للباحث هو تقصي الحقيقة وليس الإيقاع بالآخرين. فمن كان بيته من زجاج (كما يقول المثل) فلا يجب أن يرمي بيوت الآخرين بالحجارة. فنحن نظن أن الكل (مسلما كان أو مسيحيا أو يهوديا أو بوذيا بمختلف الملل والمذاهب) قد بنى بيته (عقيدته) من أرخص أنواع الزجاج الذي يمكن أن يتكسر بكل يسر وسهوله. فإذا كنت تظن أنك ستجد العثرات في عقيدتي، فأنا على استعداد أن أقدم لك عشرات الأمثلة (بل المئات والألوف) من مثلها في عقيدتك، وهكذا. فما الحل؟
الجواب: نحن نعتقد جازمين أن الله قد اتخذ على نفسه عهدا بأن يتم نوره ولو كره الكافرون، ولا أشير هنا إلى الكافرين الذين لم يؤمنوا بهذا الدين، لكني أشير إلى الكافرين الذين هم الظالمون كما جاء في الآية الكريمة التالية:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)
فالقرآن يثبت بصريح اللفظ أن "وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ"، ومادام أن الكافرين هم الظالمون، فإننا نظن أن من حقنا أن نفتري القول بأن الظالم هو من افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام، أي كل من كتب شيئا بيمينه (من مثلي) وادعى بأن هذا من عند الله:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)
فالذين يكتبون شيئا بأيديهم ثم ينسبون ذلك إلى الله، فإنهم ممن افترى على الله كذبا، وهم بلا شك ممن يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ).
ولا يتوقف الأمر عند من كتبوا بأيديهم وافتروا ذلك كذبا على الله، وإنما يتعدى إلى الذين يشككون بما في كتاب الله لأنه لا يوافق ما كتبه الناس بأيديهم، فيستخدموا ذلك كحجة لهم ليكذبوا بآياته.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)
والجهتان هما من الظالمين الذين لن يفلحوا (ولله الحمد والمنّة).
وحتى يصبح حديثنا أكثر صراحة ووضوحا، فإننا نفتري القول من عند أنفسنا أن الآية الكريمة التالية تتحدث عن فئتين من الظالمين وهم:
  1. الذي افترى على الله الكذب (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا)، فصاغ بيمينه – مثلا- ما سماه بنفسه قواعد لغوية، وقام بعد ذلك بإلباسها لكتاب الله فطبقها عليه، فثبت أن كتاب الله لا يوافقها، ولكنه بقي متمسكا بما خطت يمينه من تلك القاعدة التي كتبها من عند نفسه، فهو – برأينا- ممن افترى على الله كذبا، وهو من الظالمين الذين لن يفلحوا، انظر الآية الكريمة مرة أخرى:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)


  1. الذي استخدم تلك القواعد اللغوية التي صاغها أقرانه من البشر (أي إنسان مثله)، ثم وجد أن تلك القواعد لا تتطابق مع ما في كتاب الله، فاستخدمها كسيف مسلط على كتاب الله لغرض أن يكذب بآياته (أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ) فهو أيضاً من الظالمين الذين لن يفلحوا (إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ). انظر الآية الكريمة مرة ثالثة:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن الذي يعرض عن آيات الله لمجرد أنها لا تتماشى مع ما خط الناس بيمينهم (كتلك المسماة بالقواعد اللغوية) هو من الظالمين الذين ستقع عليهم لعنة الله لأنه نسى أن هذا مما قدمت أيدي الناس (وهو لا شك واحد منهم):
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57)
كيف ينطبق هذا المنطق على أهل اللغة؟
رأينا المفترى: لقد اختط كثير من أهل اللغة (وأقصد هنا اللغة العربية) بيمينهم قواعد لغوية من بنات أفكارهم، ما أنزل الله بها من سلطان، ثم بدأوا يطبقون ذلك على النص القرآني، ومع مرور الزمن ورسوخ المنهج نسي كثير من الناس (أو لربما تناسوا) أن هذه القواعد التي يتحدثون عنها هي في الأساس صناعة بشرية، خطوها بأيديهم.
وبدأ الخطر يتعاظم مع مرور الوقت عندما بدأ كثير من الناس (خاصة العامة منهم كحالتي) يربطون تلك القواعد بالوحي الإلهي. فأنزلوها منزلة من قد أوحي إليه:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)
إن أخشى ما أخشاه أن يكون هؤلاء (وأظن نفسي واحدا منهم) من الذين كذبوا على ربهم:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18)
(دعاء: اللهم أبرأ إليك مما كتبت يميني إن كان فيه كذب عليك. وأعوذ بك أن أنسب ما كتبت بيميني إليك. وأشهدك أن كل ما كتبت وما أكتب ما هو إلا افتراء من عند نفسي. فقولك الحق. وقولي فيه الحق وفيه الباطل. وأسألك وحدك أن تقذف بالحق على الباطل فتدمغه فإذا هو زاهق، إنك أنت الواسع العليم – آمين)
وازداد الخطر اشتدادا عندما استخدم المتربصون بهذا الدين تلك الموروثات (التي خطها أهل العربية والإسلام بأيديهم) ليروجوا لهدف واحد في أنفسهم لا يمكن لأي لبيب أن يفوته وهو القدح بهذا الدين (ولا شيء غير ذلك).
مثال
تخرج علينا برامج الفضائيات المعادية صراحة للقرآن لتنشر بين الناس خبر ما يشذ من ألفاظ في القرآن عن ما يسميّه أهل اللغة بقواعد العربية. فنجد في قولهم الحق الذي أريد به الباطل. فهم يقدمون مئات الأمثلة (وهم لا شك محقون) على وجود ما يشذ من استخدامات قواعدية في كتاب الله. وقد حاولنا في مقالة سابقة لنا تحت عنوان ماذا كتب في الزبور؟ أن نقدم بعض تلك الأمثلة. ولا أظن أني بحاجة إلى إعادة طرح هذه الأمثلة هنا. فمن أراد الاستزادة في ذلك فليفتح ذلك الملف.


ولكن الذي يزيد الطين بلّه هو أن تتصدى فضائيات أخرى ممن يعتبرون أنفسهم أهل القرآن للرد على ما يسمونه بالشبهات. فما يكون منهم إلا أن ينكرون الحق جهارا نهارا، ويكأن لسان حالهم لا يريد أن يقرّ بوجود تلك الأخطاء، وفي الوقت ذاته لا نجد في أجوبتهم ما يرد الحجة بالحجة، وإنما يوكلون الأمر إلى الغيب، فينتهي قولهم في جميع الأحوال بالعبارة الاعتذارية التالية: الله أعلم بمراد ذلك.
السؤال: ما المخرج؟
جواب مفترى: نحن نظن أننا نستطيع أن نرد الحجة بالحجة بطريقة سهلة وبسيطة لا تدعو إلى التعصب الأعمى الذي لا يجلب إلا الضرر على الطرفين. ولكن كيف ذلك؟
رأينا: نحن نظن أن الحوار يجب أن يبنى على الأساس المتين التالي: أن كل ما خطته أيدي الأجداد (مما يسمونه بالقواعد) هو صناعة بشرية خاطئة لا ترقى أن تعبّر عن ما في كتاب الله. فكتاب الله حجة على تلك القواعد، ولا يمكن لتلك القواعد مهما بلغت من الإتقان في الصياغة أن تكون حجة على ما في كتاب الله. فالقرآن صناعة بوحي إلهي والقواعد صناعة بشرية، ولا يجوز لما هو بشري (بأبسط أنواع التفكير) أن يكون حجة على ما هو إلهي، وكفى.


الدليل
مثال 1: الفاعل هو من قام بالفعل
سأحاول أن أقدم الأمثلة التي أظن أنها بسيطة ميسرة أولا، ليتسنى للقارئ العادي (غير المتخصص) أن يتابع النقاش بكل يسر وسهوله بحول الله وتوفيق منه. ومن ثم سننطلق إلى ما هو أكثر تعقيدا وإشكالا للعامة وأهل الاختصاص على حد سواء. وسأبدأ النقاش بالمثال الذي "دوّخنا" به معلم العربية منذ الصف الثالث الابتدائي شعبة ب عن تعريف الفاعل. فكان مما لازلت أتذكر (وأظن أن الكثيرون سيتذكرون) من كلام معلمنا الذي لا تغيب صورته البدنية بسوطه المطاطي عن بالي في تعريفه للفاعل بأنه من قام بالفعل:
القاعدة اللغوية: الفاعل هو من قام بالفعل
كما في الأمثلة التالية:
  • نام الطفلُ
  • زرع الفلاحُ الحق
  • شرح المدرسُ درس القواعد المفيدة
  • الخ
فالطفل – قال معلمنا كما استطيع أن أتذكّر فحواه- هو الفاعل لأنه هو من قام بفعل النوم، والمزارع هو الفاعل لأنه هو من قام بفعل الزراعة، والمدرس هو الفاعل لأنه هو من أجهد نفسه في نخر القواعد المفيدة في عقولنا بالمعروف آنذاك (السوط).
تساؤلي: لازلت أتمنى لو كنت على قدر من المعرفة حينئذ ربما لأسأل معلمنا عن الأمثلة التالية التي ما أجاءتني إلا متأخرا جدا:
  • مات الرجلُ
  • انشق القمرُ
  • واقتربت الساعةُ
  • الخ
فهل الرجل – كنت سأسأل معلمي حينها- هو من قام بفعل الموت كأن يكون قد قال (يله خلينا نروح نموت)؟ وهل القمر هو من اتخذ قرار الانشقاق أو هو من قام بفعل الانشقاق دون قوة خارجية أثرت عليه؟ وهل الساعة مقتربة إلينا باختيارها؟ من يدري!!!
الخطورة: إن من أخطر ما يمكن أن يصيب كتاب الله من أذى أن تحاول (عزيزي القارئ) أن تُلْزِم كتاب الله بتلك القواعد التي صاغتها عقول بشرية وكتبتها أيدي الناس، ثم تبدأ محاكمة ما جاء في كتاب الله بناء عليها ناسيا (أو ربما متناسيا) أنها من صناعة الناس أنفسهم.


مثال 2: الفعل المضارع والفعل الماضي مرتبطات بالزمن
قال لنا معلم العربية: "الفعل الماضي هو الذي يدل على حدث حصل في الزمن الماضي" "والفعل المضارع يدل على أن الفعل لازال حاضرا كما في الأمثلة التالية:
  • قال المعلم الحقيقة
  • يقول المعلم الحقيقة
  • الخ
ليتني كنت على معرفة كافية لأسأل معلمي حينها أن يميز لي بين فعل القول (قال) في الآيتين الكريمتين التاليتين:
إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)
وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116)
أليس الفعل قَالَ هو نفسه ما يظهر في الآيتين؟ فلم إذن تتحدث إحداهما عن ما قاله الله لعيسى في الزمن الماضي بينما تتحدث الأخرى عن ما سيكون القول عليه يوم الدين؟
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: عند محاولتهم التصدي لمثل هذه الأمثلة، لم يخطر ببال علمائنا الأجلاء أن ما كتبته أيديهم من القواعد يقع في باب الكلام المفترى كذبا، ولكنهم أصروا على صحته وما كان منهم إلا أن يطيروا في عالم المجاز لتجويز ما لا يجوز، فانفجرت حناجرهم بتعليلات وتفسيرات لا ترقى في أغلب الأحيان أن ترضي صاحبها.
وإذا كان الكثير من أهل الكلام قد قبلوا بتلك التفسيرات وظنوا أنها صحيحة، يبقى التساؤل قائما بالنسبة لي كطفل حينها: كيف بي سأعرب قَالَ في الحالتين على أنه فعل ماض (كما يريد معلمي) وما يدور في ذهني لا يطابق ما أكتبه على ورقة الامتحان؟ ألا تصور الآية الكريمة التالية بفعلها (قَالَ) وبصيغته الماضية مشهدا من مشاهد يوم القيامة التي لم تقع بعد:
وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116)
افتراء من عند أنفسنا: إن الذي ينفطر له الفؤاد حزنا (برأينا) هو أن علماءنا الأجلاء (أهل اللغة وأهل الشريعة) لم يرضوا يوما أن يتنازلوا عن قواعدهم الثمينة التي صاغتها عقول أجدادهم، وخطتها أيدي أبائهم، وتناقلها الأحفاد كتابة ومشافهة، فأحبها بعضهم كما أحب ما في كتاب الله بل أشد حبا.
لمثل هؤلاء، فإننا نوجه التساؤل الطفولي البريء التالي: ألم يتنبّه علماؤنا الأجلاء إلى الاستخدامات الثلاثة التالية للفعل المضارع مثلا:
  • لم أعرف الحقيقة
  • لا أعرف الحقيقة
  • لن أعرف الحقيقة
- أليس الفعل "أعرف" بمضارعته المعهودة هو نفسه ما جاء في الاستخدامات الثلاث؟
- ألا يرتبط الاستخدام الأول (لم أعرف الحقيقة) بالزمن الماضي بالرغم أن الفعل في صيغة المضارعة؟
- ألا يرتبط الاستخدام الثاني (لا أعرف الحقيقة) بالزمن المضارع؟
- ألا يرتبط الاستخدام الثالث (لن أعرف الحقيقة) بمستقبل الزمن بالرغم أن الفعل في صيغة المضارعة نفسها كما في الاستخدامين السابقين؟
- فما بال الفعل ( أعرف) يستخدم فيها جميعا فلا يغير شكله بناء على عامل الزمن المرتبط بكل جملة؟
- ألم يخطر ببال علمائنا الأجلاء (أهل اللغة والشريعة) بأنه لا علاقة بين الزمن والفعل، وأن فكرة الزمن مرتبطة بالأداة (لم - لا – لن، للزمن الماضي والمضارع والمستقبل على التوالي).
والآن كيف بك (عزيزي القارئ) تقبل أن تنقل "مثل هذه القواعد الذهبية" إلى كتاب الله، وتطلب مني احترامها والالتزام بها. فانظر يرحمك الله في الآية الكريمة التالية مثلا:
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1)
فما بال الفعل المضارع "يَكُنِ" يستخدم للحديث عن ما تم وانقضى (أي الزمن الماضي)؟
جواب: أعرف أن كثيرا من القراء الكرام سيردون على الفور بالقول بأن أهل اللغة قد قدّموا إجابات على هذه التساؤلات، وأن ما تقوله ليس جديدا.
رأينا المفترى: أقول لربما أن هذا صحيحا، لكن يبقى هناك ملاحظتان أساسيتان لا يمكن إنكارهما، وهما:
  1. أن معظم إجابات السادة العلماء قد وقعت في باب المجاز (أي الالتفاف على الأمر بأي طريقة طارت إليها أذهانهم لتثبيت القاعدة اللغوية لأنهم لا يريدون التخلص مما كتبت أيديهم)، فبقيت تلك الحلول (برأينا) غير مقنعة حتى لمن قدمها بنفسه.
  2. أن إجاباتهم غالبا ما تمحورت حول القضايا البسيطة التي ربما يستطيع حتى العامة من الناس إثارتها كتلك التي قدّمناها في المثالين الأول والثاني، ولكنهم لا شك وقفوا عاجزين أمام الخيارات التي ظنوا أنها فعلا صعبة كتلك التي بعثها لي صديقي محمد نصر الله في رسالته الإلكترونية والتي تطالب بتفسير لغوي لما جاء في آيتين كريمتين بخصوص مفردة الصابئين (منصوبة) والصابئون (مرفوعة) بالرغم أن التركيب القواعدي هو نفسه.
القضية محور النقاش
لقد وردت مفردة (الصابئين أو الصابئون) في سورتي البقرة والحج بالنصب:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)
ولكنها وردت في سورة المائدة بالرفع (وَالصَّابِئُونَ)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)
ولما كانت القاعدة اللغوية التي صاغها الأجداد تطالب بأن يكون النصب هو من نصيب أسم إنّ المشددة وأخواتها (ولا أعرفهن جميعا)، استل المعادون لهذا الدين سيوفهم لينخروا في أذهان العامة (خاصة في عالم الفضائيات الحديث) كيف أن إله محمد لا يعرف كيف ينصب اسم إنّ المشددة في آية المائدة:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)
رأينا المفترى من عند أنفسنا: كان الأولى بمن وضع تلك القاعدة اللغوية الذهبية الخاصة بأنّ المشددة أن يذهب بها بنفسه إلى الجحيم. فنحن نظن أن الذي وضع تلك القاعدة وظن أن إنّ (المشددة) تنصب اسمها وترفع خبرها (على عكس كان الناقصة وأخواتها مثلا) هو ممن افترى على الله كذبا. لقد كان الأولى به أن ينتبه إلى ما في كتاب الله قبل أن يهذي بمثل هذا الكلام الذي يعارض ما في كتاب الله بصريح اللفظ.
وكان الأولى بمن لحق به أن يدقق في تلك القواعد الذهبية في ضوء ما جاء في كتاب الله قبل أن يتقبلها دون تمحيص للغث والسمين (كما يقولون بألسنتهم العربية التي أظن أنها قد اعوجّت).
وكان الأولى بكل لبيب (سواء آمن بهذا الدين أو لم يؤمن به) أن يكون منصفا في خصامه، فلا يستخدم تلك القواعد التي اختطها البشر بأيديهم (والتي لا شك هي خاطئة في جلها) ليهاجم من خلالها كتاب الله نفسه. وإن هو فعل بخلاف ذلك فليعلم أنه هو أيضا من الظالمين لأنه كذّب بآيات الله لمجرد أنه وثق بما قال الذين يفترون على الله كذبا، كأولئك الذين صاغوا القواعد الكاذبة بأيديهم:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)
فالذي صاغ القواعد الخاطئة وصدقها كان ظالما لأنه افترى على الله كذبا عندما ظن أنها تنطبق على ما جاء في كتاب الله. فلو وقف مع نفسه لحظة ليسألها: هل الله هو من قال أن إنّ (المشددة) تنصب أسمها (هذا إن كان لها أصلا شيء ليسمى اسمها)؟ فما بال الإله إذن يتلو علينا قرآنا يكون فيه (ما يسمى باسم إنّ) مرفوعا:
 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)
وأما الثاني فقد كان (برأينا) من الظالمين لأنه استخدم تلك الحجة المكذوبة على الله من عند الذين كتبوا شيئا بأيديهم ونسبوه للإله لا لشيء وإنما ليكذب بآيات الله فقط، فكان الأول والثاني (في عقيدتنا) من الذي لا يفلحون- ولله الحمد.
دعاء: اللهم إني أبرأ إليك مما خط الأول بيمينه وأفهم الناس أن هذا ما اشتقه من كتابك الكريم، وأعوذ بك من شر الذي جعل ما كتب الناس بيمينهم تهمة في كتابك الكريم. فهؤلاء – نحن نفتري الظن- هم شياطين الإنس الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا:
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)
لذا لا أتردد أن أقدم النصيحة لنفسي وللعامة من مثلي أن يذروا هؤلاء جميعا وما يفترون (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ). وذلك لأننا نملك خيارين اثنين لا ثالث لهما:
  1. أن نصدق قواعد أجدادنا فنعترف بأن ما يشذ عنها هو خطأ سواء كان في القرآن أو في غيره. فلا نكذب جهارا نهارا، ولا ننكر الحق الواضح وضوح الشمس في رابعة النهار
  2. أن نفترض أن قواعد أبائنا وأجدادنا ليست صحيحة وعلينا أن نعيد النظر فيها لنفهم ما في كتاب الله


أما أنا، فأكاد أجزم القول بأني قد عرفت طريقي منذ زمن بعيد، فتركت قواعد الآباء والأجداد، بل وألقيت بها في سلة المهملات، وجل ما أحاول أن أفعل في جميع كتاباتي (السابقة منها والجارية) أن أتفكر (بحول الله وتوفيق منه) بما في كتاب الله بمنظور الكتاب نفسه، طارحا أقوال الآخرين أرضا متى ما تعارضت مع منطوق النص من كتاب الله (كما أفهمه).
جواب مفترى من عند أنفسنا: أظن مفتريا القول من عند نفسي أن المخرج من هذه المطبات (التي أوقع أهلُ اللغة أهلَ الشريعة فيها، والذين بدورهم أوقعوا العامة في فخهم) هو التعرض لما في كتاب الله دون التسلح مسبقا بتلك التخريصات التي سمّوها بالقواعد اللغوية.
سؤال: وهل هذا ممكنا؟ وكيف يمكن برهان ذلك بالدليل العملي؟
رأينا: دعنا نعود إلى الآيات التي وردت فيها مفردة "الصابئون والصابئين" بالرفع والنصب، ثم نتدبرها دون ربطها بقواعد آباءنا وأجدادنا:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)
السؤال: وكيف ذلك؟
جواب مفترى: نحن نرى استحالة أن يتم تخريج اللفظ من ظاهره فقط دون تدبر المعنى المراد. لذا من أراد أن يفهم الفرق بين اللفظين فعليه أن يستنبط الحكمة من اختلاف اللفظ، ولا أظن أن هذا ممكنا دون تدبر النص بشكل جيد. لذا علينا أن نحاول أن نفهم النص أولا قبل أن نحاول الخروج باستنباطات قد لا يكون لها أساس )كما فعل أهل اللغة الذين تطيروا بلغتهم فظنوا أنها إلهية لمجرد أن الله قد أنزل الكتاب بها(، فلقد ظن بعضهم أن الإعجاز مصدره لغة آباءه وأجداده، ونسي (أو ربما تناسى) أن الإعجاز يأتي كله من منزل الكتاب نفسه.
السؤال: ما علاقة هذا الكلام باللفظ الوارد في الآيتين (اللتان تكادان تكونان متطابقتين) بشكلين مختلفين: النصب (وَالصَّابِئِينَ) والرفع (وَالصَّابِئُونَ
رأينا: أظن أن السبب يمكن فهمهم (بإذن الله) إن نحن حاولنا أن نفهم بداية معنى المفردة (الصابئين أو الصابئون) نفسها التي أظن أنها تخص من "يتخذ دينا"، لأنها ببساطة مرتبطة بالذين آمنوا والذين هادوا وبالنصارى بغض النظر عن الترتيب:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى
والحمد لله أن مفردة " وَالصَّابِئُونَ" في الآية الثانية لم تأتي في نهاية المجموعات لأن علماؤنا الأجلاء لن يعدموا الحيلة حينها أن يرفعوها على الابتداء كما فعلوا في أكثر من مرة في آيات أخرى.
السؤال: ما معنى الصابئون أو الصابئين؟
رأينا: نحن نظن أنهم مجموعة من الذين اتخذوا دينا غير دين قومهم بالضبط مثل الذين آمنوا من المسلمين والذين هادوا والنصارى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى). فعندما نقول أن فلانا قد هاد، فهو قد اتخذ اليهودية دينا، وعندما نقول أن فلانا قد آمن، فهو قد ترك الكفر، وبالمثل فإننا عندما نقول أن فلانا قد صبأ فذاك يعني أنه قد اتخذ دينا جديدا يختلف عن ما كان سائدا حينئذ. فهل هذا منطق صعب على أي منا أن يستوعبه؟
السؤال: وما علاقة هذا كله بالنصب (وَالصَّابِئِينَ) والرفع (وَالصَّابِئُونَ
جواب: ربما يمكن أن نستجلي ذلك بكل يسر لو حاولنا التعرض للتساؤل التالي: هل يؤمن الناس جميعا بنفس الطريقة؟ وهل هاد كل من اتخذ من اليهودية دينا بنفس الطريقة؟ وهل صبأ كل الصابئين بنفس الطريقة؟ وهل تنصر كل من اتخذ النصرانية دينا بنفس الطريقة؟
وبكلمات أكثر دقة نقول: كيف يؤمن البشر عادة؟ وكيف يتخذوا لهم عقيدة سواء كانت يهودية أو نصرانية أو صابئة، الخ؟
وبكلمات أكثر عملية أقول: ما الفرق بين إيماني أنا بالإسلام دينا مقابل إيمان أبي بكر وعمر مثلا؟ وما الفرق بين إيماني أنا مثلا وإيمان شخص أمريكي من عائلة يهودية يتخذ الإسلام دينا بعد أن ترك ديانته اليهودية؟ وما الفرق بين مسيحية جورج بوش ومسيحية طالب عربي (كان مسلما) وما أن ذهب ليدرس في المدارس الأمريكية حتى أحب طريقة حياتهم وتقبل دينهم فتنصر؟ وهكذا.
رأينا: علينا أن نميز بين من يؤمن برغبة وبدافع منه، فيترك دين الآباء والأجداد من تلقاء نفسه ويتبع دينا جديدا لأنه وجد فيه ضالته كما فعل أبو بكر وعمر وعثمان وسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي، مقابل من وجد نفسه مسلما لأنه ولد في عائلة مسلمة (من مثلي) فلم يكن الإسلام خياره بنفسه؟
فهل يستطيع أحد أن يقنعني بأني اتخذت الإسلام دينا لأني اقتنعت به؟ ألم يكن مولدي في عائلة مسلمة هو سبب تمسكي بهذا الدين قبل كل شيء؟ ومن منا اختار دينه طواعية؟!
السؤال: هل أُوضع أنا وأبو بكر في الخانة نفسها من الإيمان؟ أي هل أنا وهو في نفس المجموعة المؤمنة (مسلمين)؟
السؤال: وهل يقع السحرة الذين آمنوا بموسى عندما لقفت عصاه ما يأفكون في خانة الذين هادوا مع شمعون بيريس وإسحق رابين ونتنياهو اللذين يدافعون عن موروثات آبائهم وأجدادهم؟
السؤال: وهل يقع حواريو المسيح عيسى بن مريم في الخانة نفسها من النصارى مع جورج بوش وتوني بلير وجيسي جاكسون وربما (بارك أوباما إن ثبت أنه مسيحي أصلا)؟
الجواب: كلا وألف كلا، فنحن نميز بين نوعين من المؤمنين ونوعين من اليهود ونوعين من النصارى ونوعين من الصابئين
  1. هناك من آمن ومن هاد ومن تنصر ومن صبأ باختيار منه شخصيا، فكان هو المسيطر المتحكم بإيمانه على الدوام فهؤلاء.  ونكاد نجزم القول (مفترينه من عند أنفسنا) أن هؤلاء هم الذين يستحقون أن يوضعوا في خانة الرفع. ولما كانت الحركة الإعرابية (كما يحب أهل اللغة أن يسموها) أن تظهر على جميعهم لثقل أو لتعذر، ظهرت فقط في مفردة من صبأ، فكانوا صابئون:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى


  1. وهناك – بالمقابل- من آمن ومن هاد ومن تنصر ومن صبأ لأنه – ببساطة- وجد نفسه في الفئة التي أختارها له غيره ممن حوله (كالأهل)، فقبل بها، واتخذها عقيدة وإن لم يكن عن محض إرادة مطلقة منه. فكان هو فاعل فيها بجزء بسيط يتعلق بقبوله لها، ولكن معظم تعاليم الدين كانت واقعة عليه دون اختيار حر منه، فكان في خانة النصب، فكان من الصابئين:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ
افتراء من عند أنفسنا (1): نحن نظن أن علينا أن نميّز بين من يأخذ العقيدة عن قناعة منه ويكون هو من اختارها كأولئك الذين تركوا دين آباءهم وأجدادهم ولحقوا بدين محمد أو بدين موسى أو بدين عيسى مقابل من اتخذ الدين كموروث عن آباءه وأجداده كأمثال غالبية الناس الذين وجدوا غيرهم من حولهم قد اعتنقوا عقيدة، فاعتنقوها مثلهم، فأصبحت أنا من المسلمين لأن من حولي هم من المسلمين، ووجد غيري نفسه في عائلة مسيحية فأصبح مسيحي، ووجد ثالث نفسه في بيت يعتنق اليهودية فأصبح يهودي، وهكذا.
افتراء من عند أنفسنا (2): ونحن نفتري الظن بأن وجود إنّ المشددة في هذين السياقين القرآنيين لم يكن لتقرير شكل لغوي بالنصب أو بالرفع، وإنما لتقرير حقيقة مطلقة لا جدال فيها، فالكلام الذي يبتدئ بان المشددة يدل – في السياقات القرآنية- على تأسيس حقيقة لا جدال فيها، كما في قوله تعالى:
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)
يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)
وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (69)
وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89)
إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10)
إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7)
قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (6)
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161)
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (218)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (277)


السؤال: وما فائدة الاختلاف في اللفظ بين الرفع والنصب في مفردتي (وَالصَّابِئِينَ  وَالصَّابِئُونَ) في الآيات محور النقاش؟
جواب: نحن نظن أن في ذلك عدالة إلهية مطلقة، ولكن كيف ذلك؟
رأينا: هل تظن عزيزي القارئ أن مولدك في عائلة مسلمة كفيل بحد ذاته أن ينجيك؟ وهل للمسيحي المولود في عائلة مسيحية ويظن أنها الدين الحق أن يظن بأن وجودة في تلك العائلة هي كفالة له بأن يشمله المخلص الذي يؤمن به؟ وهل لليهودي المولود في عائلة يهودية أن يفتخر بأن الله قد فضله على العالمين؟
السؤال: هذا وجودك في عائلة تعتنق ديانة ما كفيل بأن ينجيك ويخلصك ويفضلك؟
جواب: كلا وألف كلا، إن وجودك في أي عائلة بغير إرادة منك، ودون اختيارك ليس كفيلا بخلاصك، لأن الشرط المطلوب منك في هذه الحالة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ) لا يختلف عن الشرط في حالة الذين اتخذوا الدين بمحض إرادتهم (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى)، فالشرط هو الأيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)
فإياك أن تركن - عزيزي المؤمن بغض النظر عن عقيدتك- أن إسلامك أو مسيحيتك أو يهوديتك بحد ذاتها كفيل أن تكون عاقبتك من الذين (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) مادام أن ذلك لم يكن قرارك بنفسك، فإسلامك الذي ليس من اختيارك، ويهوديتك التي لم تكن من اختيارك، ومسيحيتك التي وجدت نفسك فيها بلا حول لك ولا قوة لن تنجيك إلا إذا ما اتخذت أنت القرار في أمرين اثنين:
  1. الإيمان بالله واليوم الآخر
  2. العمل الصالح
نتيجة مفتراة: نحن نرى أن هناك مجموعتان منفصلتان من الذين آمنوا بالإسلام أو اليهودية أو النصرانية أو الصابئة، وهما:
(1) من اتخذ الإيمان من تلقاء نفسه فصبأ فأصبح من أصحاب القرار فكان من مجموعة (َالصَّابِئُونَ) و
(2) من اتخذ الإيمان الذي اختاره له غيره، فأصبح من مجموعة (وَالصَّابِئِينَ)


هذا والله أعلم


وفي نهاية هذا الجزء من المقالة، لابد أن أذكر القارئ العزيز أن كل هذا الكلام الذي قلته لا يعدو أن يكون أكثر من افتراءات من عند نفسي، وهذا مما خطته يميني، فإياك إياك - عزيزي القارئ- أن تظن أن ما قلت هو الحق بعينه وأنه موجود فعلا في كتاب الله، بل هو من صناعتي بيدي التي ظننت مفتريا القول من عند نفسي أنها موجودة في كتاب الله كما فهمتها أنا بنفسي. فأنا أعلم أن العاقبة خطيرة إن أنا زعمت أن هذا من عند الله وتبين بعد ذلك أنها ليست كذلك:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ (68)
ولكن لا تنسى عزيزي القارئ (بغض النظر عن عقيدتك) أن إنكار الحق يمكن ينجح بالمكابرة، فإنكارك الحق هو الظلم بحد ذاته، لأن الانتقام سيكون حينها خطيرا:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ (22)
وسنحاول في بداية الجزء القادم أن نعود إلى تقديم افتراءاتنا الخاصة بمفردة "فَذَلِكُنَّ" في قصة يوسف، وهي المفردة التي استدعت جل النقاش السابق وإن لم يطلها النقاش في شيء حتى الآن. فالله أسأله وحده أن يعلمني ما لم أكن أعلم، فيأذن لي الإحاطة بشيء من علمه لا ينبغي لغيري، وأن يعلمني الحق الذي أقول فلا أفتري عليه الكذب، وأساله وحده أن يهديني إلى نوره الذي أبى إلا أن يتمه ولو كره الكافرين، إنه هو الواسع العليم – آمين.


وللحديث بقية


المدّكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان


بقلم: د. رشيد الجراح
10 كانون أول 2013