تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

هل لعلم الله حدود؟ جدلية القلب والعقل (4)


بادئ ذي بدء- لابد من الإشارة إلى أمرين اثنين:
أولاً، بالرغم أن غالبية القراء قد أبدوا اهتماماً شديداً بما نقول، إلا أنّ عدداً من القراء قد ضاق صدرهم ببعض ما نزعم في مقالاتنا هذه (خصوصاً أولئك الذين لم يقرؤوا سوى المقالة الأولى من البحث، ولم يعطوا أنفسهم فرصة الانتظار لمعرفة ما سيتمخض عنه ذلك الزعم في المقالتين التاليتين)، ونحن إذ نفهم أنّ مثل هذا الانزعاج –لا شك- مدفوع بنيتهم الحسنة تجاه هذا الدين، وهو ما يجب أن نشكرهم عليه، إلا أننا نؤكد في الوقت ذاته أن الله سبحانه قد فض الخلاف في حالة الاختلاف، فنحن نطلب من القراء الكرام أن يفهموا بأن منهجيتنا تتمثل في قوله تعالى:
قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26)                                                   سبأ


وهل هناك عدل أكثر من هذا؟ لنفترض أن ما نقوم به نحن هو من باب الإجرام، فانتم لا شك لن تُسألوا عنه، ولكننا نحن سنفترض دائماً أن ما تقومون به هو من باب "ما تفعلون"، وفي الوقت ذاته لن نعدم نحن وإياكم الدعاء والتضرع إلى الله أن يفتح بيننا بالحق (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ).
          دعاء: ربي افتح بيني وبين قومي بالحق إنك أنت الفتاح العليم

ثانياً، لقد أكدّنا مراراً أن ما نزعم لا يتعدى فهمنا (الذي ربما يضل طريقه) لما في كتاب الله، وهو بكل تأكيد لا يمثل ما هو موجود فعلاً في كتاب الله، لذا فهو لا يكون جزءاً من عقيدتنا إلاّ إنْ صح، فإن صح فهو بلا شك عقيدتنا ومنهجنا، وإن تبيّن خطأه فلابد أن نضرب به عرض الحائط، وجل ما نصر عليه هو أن هذه الأفهام ربما يكون لها أصول في الآيات الكريمة التي نتعرض لها، ولا شك أن من واجبنا أن نطرق كل المعاني التي يحملها كلام الله، فلربما قادتنا هذه الأفهام (على غرابتها في بعض الأحيان) إلى مبتغانا. أما إذا ما وقفنا أمام هذه الأفهام منذ اللحظة الأولى موقف المعارض الرافض (ليس لشيء إلا لأنها تتنافى مع ألفناه واعتادت أذننا على سماعه)، وحاولنا إيقافها ووأدها في مهدها، فلا أخال أننا سنستطيع المضي خطوة واحدة إلى الأمام، فلقد ركد الفكر الإسلامي منذ قرون، وظن البعض (وتولدت القناعة عند البعض الآخر) أن كل شيء أصبح واضحاً واتخذ شكله النهائي، فنرد على من يظن ذلك بالقول: وهل فعلاً وجدتم مبتغاكم فيما خلصتم إليه؟
على الأقل، نحن لم نجد ضالتنا بعد، ولا أخال أن أحداً من الناس يستطيع أن يمنعنا البحث عنها.

أما بعد،
باب العلم
لقد زعمنا في مقالاتنا السابقة أنّ طرحنا هذا قد يحل بعض الإشكالات في الفكر الديني الإسلامي، فتعرضنا لبعضها مثل قضية التسيير والتخيير، وإحداث الفتنة، وغيرها، وسنحاول في مبحثنا هذا متابعة مثل هذه الإشكالات ومحاولة التطرق لها من هذا الباب، علّنا – بحول الله وتوفيقه- نستطيع أن نجد أجوبة على بعض التساؤلات التي يطرحها البعض، إن لم يكن على الملأ، فعلى نفسه.
 أما بعد،
لقد حاولنا جاهدين أن نميّز كيفية علم الله بما يفعل الإنسان عن محض إرادة منه، دون تدخل من أي قوة خارجية مهما كانت، وذلك بافتراضنا أن حياكة القرار تتم أولاً في القلب الذي لا يستطيع أحد الولوج إلى داخله، ومن ثم تنتقل المعلومة إلى الصدر (وعندها يأتي دور الشيطان في الوسوسة) وإلى النفس (التي غالباً ما تأمر بالسوء (إلا من رحم ربي))، ولا يعلم بها الناس من حوله حتى تبين بين يديه ومن خلفه.  حاولنا التمييز بين مراحل العلم عند الله نفسه وعند الإنسان وعند الشيطان، وخلصنا إلى الجدول التالي:

علم الله
علم الشيطان
علم البشر
العلم المكنون الذي لا يعلمه أحد
1.     لما بين أيديهم وما خلفهم
2.     لما في صدورهم
3.     لما في نفوسهم
1.     لما بين أيديهم وما خلفهم
2.     لما في صدورهم
1.     لما بين أيديهم وما خلفهم
لما في قلوبهم
         
وكان المهم في الموضوع حينئذ هو الافتراء الذي (هو بلا شك من عند أنفسنا) مفاده أن حياكة الأمر تتم في القلب الذي ليس لأحد (غير صاحبه) سلطان عليه، ويكون اطلاع الله عليه من الخارج، فينبئ الخارج ما يحتويه الداخل. فإذا ما وجد الله أن قلب ذلك الشخص قد وصل إلى درجة الصلابة التي تفوق صلابة الحجارة أصبح لزاماً أن يقفل ذلك القلب وذلك لأن أمر التوبة أو العودة أصبح مستحيلاً (كما كان حال قلب أبي لهب وامرأته فأنزل الله قرءاناً يتلي بكفره ونهايته المحتومة)، وأما إذا كان القلب لم يصل بعد إلى تلك الحالة من الصلابة فإن الأمر لازال فيه وجهة نظر (كما كان الحال بالنسبة لقلب فرعون، فما أنزل الله قرءاناً يتلى بحتمية كفره ونهايته).
للتفصيل انظر الجزء السابق من هذه المقالة، وسنحاول إن أذن الله لنا بشيء من علمه أن نبين انعكاسات هذه العقيدة في قصة صاحب موسى عندما قتل الغلام الذي لقيآه في الطريق، فالله أسأل أن ينفذ مشيئته وإرادته لي الإحاطة بعلم من لدنه لا ينبغي لغيري إنه هو السميع العليم)

وقد حاولنا تبيان أن ذلك يقتصر على مفردة العلم (والعلم فقط)، ولا يجب تعديته إلى المجالات الأخرى، وقد ركزنا على زعمنا أن العلم يعني وصول الخبر بالنقل، وسنحاول في مبحثنا هذا تبيان ذلك بشيء من التفصيل، لأننا على يقين أنه سيحصل الكثير من الخلط في الأفهام، لظننا أن الكثيرين لا يقفون عند المفردات المقصودة، فهم غالباً ما يسقطون أفهامهم هم على ما نقول نحن، وهنا لابد من التأكيد أن ذلك يخصهم ولا يعبر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظرنا، فنحن نفهم أننا محاسبون على ما نقول ولسنا محاسبون على ما يفهمون.
فلقد أكدنا مراراً أن ما نزعم هنا لا يتعدى مفردة العلم، ولكن الكثيرون ذهبوا إلى القول أن كلامك هذا يعني أن الله "لا يعرف" ما يجري حوله، وفي هذا –لا شك- انتقاص من كمال الله. فنرد بالقول كلا وألف كلا، فلقد أكّدنا أن فهمنا لطلب الله العلم بالشيء كما في قوله تعالى:
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ                  البقرة (143)
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)      سبأ
لا ينقص بأي شكل من الأشكال من كمال علم الله (انظر مقالتنا السابقة)، بالضبط كما أن استخدام الله لملائكته لتنفيذ أوامره لا ينقص من كمال قدرته وهو الذي يقضي أمره – بلا شك- بكن فيكون. فنحن نتكفل الرد بالدليل من كتاب الله نفسه، ولكن لابد من التأكيد على الالتزام بالمفردة كما حددها النص القرآني وهي العلم، ولا يجب تعديتها إلى مجالات أخرى كالمعرفة والفهم وغيرها.
فغالباً ما وجدت أن الكثيرين يخلطون مثل هذه المجالات، ويجوزون بعضها إلى بعض، فقد كنت أثير في قاعة الدرس مثل هذه القضايا لأتيقن من ظني أن الناس يخلطون مثل هذه المفاهيم، ولا يقفون عند حدود المفردة والنص، وسأقدم مثالاً بسيطاً يبيّن كيف يتم خلط المفاهيم، فتتشابك الأفكار، وتتشتت الأفهام.
المثال
عندما كنت أقول لطلابي – مثلاً- أني "أكثر أهل الأرض علماً" في حوار حول موضوع ما، تثور ثائرة الغالبية العظمى منهم لينعتوني بالتكبر والغطرسة، وكنت أرى في أعينهم التعجب من مثل هذا القول، فهم قد جبلوا على الاعتقاد أن الجاهل هو من قال عن نفسه أنه عالم (كما ورثوه عن شيخهم الذي أظن أنه ابن المبارك)، ولكني لا أعرف ما سيصنع هؤلاء بما جاء في كتاب الله على لسان نبيه يوسف عليه السلام:
وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)
فهل كان يوسف – يا ترى- جاهلاً عندما شهد لنفسه بالعلم؟!
المهم بالموضوع ليس فقط استغراب الطلاب لمثل هذا الزعم، لا بل تتأكد لديهم القناعة "بتفاهة" ما أدعي من قول عندما أكرر على مسمع الجميع في ردي على سؤال ما بالقَسم "أني لا أفهم شيئاً" (كما أقول بالعاميّة الأردنية: والله ما أني فاهم إشي)، لأجد الاستغراب أو الاستهجان يكبر ويتعاظم في عيون الكثيرين حول هذا التناقض العجيب، ولقد ذكرها الكثيرون لي صراحة: "كيف تقول أنك لا تفهم شيئاً وأنت كنت قد زعمت قبل لحظات أو على أكثر تقدير في الدرس السابق أنك أعلم أهل الأرض؟!" فلسان حالهم يقول: ألا ترى أنك تناقض نفسك عندما تزعم أنك أكثر أهل الأرض علماً وفي الوقت ذاته تؤكد أنك لا تفهم شيئاً؟!
فما يكون ردي على مثل هذا القول سوى ترداد قول الحق: "فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا". نعم، مالِ هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا؟ هل فعلاً كلامي يناقض بعضه بعضا؟ هل ظني أني أعلم أهل الأرض يناقض قولي أني لا أفهم شيئاً؟ الجواب: كلا بكل تأكيد.
فالعلم ليس فهما، والفهم ليس علماً، ألا يستطيع هؤلاء أن يميّزوا الكلام؟ وبكلمات أدق "ألا يستطيع هؤلاء أن يفقهوا القول"؟ أليس حريّ بنا أن لا نخلط التفاح بالبرتقال والخيار بالموز؟ هل تشابه أحدهما مع الآخر في الشكل يعطنا إجازة أن نخلط الواحد منهم مع الآخر؟
فحتى نستجلي مثل هذا الادعاء دعنا نفرد الدليل من كتاب الله على التميز بين أن يقول أحدنا "أني أعلم" أو أن يقول "أني أفهم".
هل فهم داوود ما فهمه ولده سليمان؟
لربما سمع الجميع بخبر نبي الله داود وولده سليمان، فالله سبحانه قد اختصهم (كما اختص أنبياء آخرين) بالعلم والحكمة، فلقد تحصّل العلم لداود كما تحصّلت له الحكمة، أليس كذلك؟
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ     البقرة (251)
وتحصل العلم لسليمان كوالدة، فكان الاثنان أهلاً لذاك العلم:
          وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ                                                                                                           النمل (15)
ولكنّنا نعلم كذلك أنّ مشكلة ما حصلت في حياة هذين النبيين الكريمين، والملفت للانتباه أن أحدهما فهم ما حصل ولم يفهمها الآخر، فتميز أحدهما عن الآخر في ذلك المقام، وبكلمات أدق فقد تحصّل العلم لكليهما ولكن تحصّل الفهم لأحدهما ولم يتحصل للآخر، ولنقرأ ذلك من كتاب الله الكريم، قال تعالى:
وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79)                                                                                            الأنبياء
دقق النظر – أخي الكريم- بمفردات هاتين الآيتين الكريمتين، ألا تدل بشكل لا لبس فيه أن كلا من داوود وسليمان قد تحصلا لهما العلم "وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا"؟ ولكن هل تحصل الفهم لداوود كما تحصل لسليمان؟ الجواب: كلا. فبالرغم أن كلاًّ من داوود وسليمان قد علما بالأمر، إلا أنّ الابن "سليمان" فقط هو من تحصل له فهم ما حصل.
إن ما يهمنا من هذا المثال هنا هو القول بأنه لا يجب خلط هذه المفاهيم، لأن ذلك يبعدنا عن الدقة في التمييز، الأمر الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه عندما نتعامل مع كلام رب العباد.
أما ما يخص بحثنا هذا، فإننا ننشد الدقة في التمييز بين ما هو علم وما هو شيء آخر، فقد قلنا أن كلامنا السابق كله يخص "علم الله" ولا يجب تعديته إلى أكثر من ذلك. فلا يجب خلط العلم بالمعرفة مثلاً أو المعرفة بالعلم. لأننا سنحاول أن نبين لاحقاً (بحول الله وتوفيقه) أن هناك فرقاً كبيراً جداً بين العلم من جهة والمعرفة من جهة أخرى، وسنفتري الظن حينها أن الله الذي يعلم لا يعرف. وهذا افتراء خطير جداً سيكون له تبعات جمة على العقيدة التي نحملها في صدورنا. فنرجو من القارئ الكريم التريث قليلاً قبل اقتباس هذه العبارة وإخراجها من سياقها ليخرج على الناس ليحدثهم عن ما أحدث رشيد الجراح في عقيدة آباءهم وأجدادهم (وقد فعلوا، وهم في ظننا قوم لا يفقهون حديثا، فالله أسأل أن يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ).
أما ما نحن بصدده أولاً هو التفصيل فيما يخص المقصود بالعلم كما ورد في كلام الله، لا كما نظنه أو نستخدمه نحن على ألسنتنا التي غالباً ما حرَفت الكلام من بعد مواضعه.
أولاً، لقد بيّنا سابقاً أن مفردة العلم تعني وصول الخبر بالنقل، فيكون النقل من أهم خصائص العلم، فأنت عندما تقول العبارة التالية "علمت أن فلاناً مسافر"، فهي تعني - بكل تأكيد- أن الخبر قد وصلك منقولاً، أليس كذلك؟ ولتوضيح الصورة أكثر فإننا نقدم المثال التالي: فعندما نقول أن فلاناً عالم فيزياء فهذا يعني أن أخبار الفيزياء "أو العلم بالفيزياء" قد نقلت له بطريقة ما، فليس شرطاً أن تقابل اينشتاين حتى تسمى عالماً بفيزياء اينشتاين لتتلقى العلم منه شفاهة، وكم لدينا علماء بالمذهب الحنفي أو المالكي جاءوا بعد مئات السنين من موت أصحاب تلك المذاهب، لنلخص إلى نتيجة مفادها أن العلم يتحقق بالنقل، أو أن النقل يكفي لحصول العلم.

ثانياً، ليس من شروط العلم بالشيء أن يكون صحيحاً، فقد يتبين لك بعد فترة أن خبر سفر فلان ليس صحيحاً، ولكنّ ذلك لا يخرجه من دائرة العلم، فحصول العلم لا يعني صدق أو كذب الخبر، فأنت إن كنت عالم رياضيات فلا شك أن أخبار الرياضيات قد وصلتك، ولكن ذلك لا يعني بأي شكل من الأشكال أن كل تلك الأخبار صحيحة على إطلاقها، فليس كل ما في الرياضيات أو الطب أو الهندسة صحيحاً، ولكننا لا نتردد أن ننعت المتخصصين بتلك العلوم بصفة العلماء (وإن كنا مخطئين كما سنحاول تبيانه لاحقاً).

ثالثاً، إننا نزعم أن العلم بالشيء لا يعني حصول الفهم بالشيء، فليس شرطاً أن يكون من لديه العلم بالشيء فاهماً فيه، فقد يتحصل لك العلم ولكنك قد لا تعدو أكثر من مردد لذلك العلم، غير فاهم ما فيه، وقد قدمنا مثال داوود وسليمان سابقا، ولكننا نرغب بتقديم مشاهدة بسيطة من حياتنا المعاصرة للتدليل على صحة ما نزعم:
فهل ينكر أحد أن لدينا الكثير من علماء الرياضيات؟ ولكن هل وجدنا أحداً منهم يقف صارخاً بالناس بالقول أنه لا يجوز طرح المعادلة الرياضية في كتاب الله حول عمر نوح "ِفَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا" بتلك السذاجة لأن المعادلة تحتوي على متغيرين (سنة وعام)؟ أليست تلك من أبسط مبادئ الحساب؟ ربما لا أحد من علماء الرياضيات يجهل مثل هذه المعلومة، ولكن هل فعلاً فهموها كما يجب حتى يطبقوها كما يجب؟ (للتفصيل في هذا الموضوع انظر مقالتنا تحت عنوان: كم لبث نوح في قومه؟)
لذا فإننا عندما نتكلم عن علم الله لا يجب تعدية ذلك والخروج باستنتاج خاطئ وكأننا نقول أن الله –حاشاه جل وعلا- غافل عن ما يحصل؟ فهذا خطأ في فهم ما نزعم لأننا ببساطة نتحدث عن حصول العلم فقط، وأنا أدرك صعوبة تلقي مثل هذه المعلومة لأن الناس جبلوا على التفكير بالمفردات كما ألفوها هم، فهم يظنوا أن العلم بالشيء هو ما يفهموه هم من مفردة العلم، وأظن أن علمائنا الأجلاء هم سبب هذا الخلط لأنهم غاصوا في مواضيع كبيرة وعظيمة ولكنهم استخدموا الألفاظ بطريقة فضفاضة بعيدة عن الدقة والتمييز.

رابعاً، إن بحثنا هنا لا يتعدى اطاره ما يمكن استخلاصه من ما ورد في القرآن الكريم بشكل متكرر وهو: البحث الإلهي عن العلم بما سيفعل الإنسان كما في قوله تعالى:
وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ                                               المائدة (94)
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ             محمد (31)
ولو حاولنا ربط الأمور مع بعضها، سنجد أن مثل هذا الطرح ربما يحل إشكالية كبيرة في الفكر الديني سنتعرض لها حالاً، ألا وهي: مهمة الملائكة الموكلون بالخلق جميعهم، والسؤال الرئيس الذي نطرحه هنا هو: لماذا يعهد الله إلى الملائكة للقيام بتسجيل أعمال العباد ما دام أن علم ذلك عنده؟
ربما لا أحد من أهل الفكر الديني يعارض الاعتقاد بأن أعمال العباد تسجل عليهم، ويقوم بهذا التسجيل ملائكة موكلون بالمهمة:
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا ۚ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ ۖ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)                                                       يونس
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ                  الزخرف (80)
وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا ۚ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19)
ونحن نطرح هنا سؤالاً بسيطاً جداً: لماذا يقوم أولئك الملائكة بتسجيل أعمال العباد؟ ألا يعلم الله ما يعملون وما يفعلون وحتى ما يسرّون وما يعلنون، سرهم ونجواهم، الخ؟ فما فائدة ذلك التسجيل إذا كان الله عالماً بكل ما يفعلون وما سيفعلون، عالماً بسرهم ونجواهم؟ وما فائدة وجود أولئك الملائكة في الأساس؟
ربما يكون الرد الجاهز لدى علمائنا الأجلاء بالقول بأن ذلك التسجيل يكون لإثبات الحجة على الناس، ولكننا نرد عليهم بالسؤال الأكثر تعقيدا: ألا يكفي بأن يكون الله شهيداً عليهم؟  ألم يقل الله في كتابه الكريم؟
          لَٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا (166)
نعم الملائكة يشهدون، ولكن ألا تبين الآية الكريمة نفسها أن شهادة الله كافية؟ ثم لنتصور الموقف على النحو التالي:
يبعث الله الناس من قبورهم ليحاسبهم على ما عملوا، فيعرضون على ربهم، ولا يكون بينهم وبين خالقهم ترجمان، فهل نتصور أن من بعث من قبره وعرض على ربه سينكر أو ربما يكذّب شهادة خالقه في ذلك الموقف الرهيب؟ لا أخال أن الموقف يحتمل مثل هذا السيناريو، ثم لنوافقكم الرأي للحظة أن ذلك لإقامة الحجة عليهم وحتى يقتنعوا بما عملوا في حياتهم الدنيا، ولكن ألم يقل الله تعالى في كتابه الكريم أن أعضاء أجسادهم – كألسنتهم وأيديهم وأرجلهم وجلودهم- ستشهد عليهم؟
          يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)
وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ                                                               فصلت (21)
وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ                                                         فصلت (22)
فهل من شهد عليه لسانه ويده ورجله وجلده وسمعه وبصره يحتاج إلى برهان أكبر من ذلك؟ فهل سيستطيع أن يجادل  في صدق شهادة ربه أولاً وشهادة أعضاء جسمه بعد ذلك؟
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: إننا نستنتج أن تسجيل أعمال العباد ليست لإقامة الحجة على الناس وذلك لسبب بسيط وهو: لأن هناك طرق أكثر قوة ستستخدم لإقامة الحجة على الناس تتلخص بشهادة الله نفسه أولاً وقبل كل شيء، وشهادة (نطق) أعضاء جسم الإنسان، أي شهادة الإنسان على نفسه. ولا أخال أنّ أحداً سيجادل في مثل هذا القول خصوصاً إذا ما قرأ قوله تعالى:
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُلْ لَا أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ                                                                    الأنعام(19)
وإنني على يقين أن من سيكذّب شهادة ربه وشهادة أعضاء جسمه (إن حصل فعلاً) لن يتواني عن تكذيب ما كتب في صحيفته، أليس كذلك؟
فما الغاية من التسجيل إذاً؟ وما الغاية من وجود ملائكة يكتبون أعمال العباد؟
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا ۚ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ                                                           يونس (21)
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)[1]
ولنكرر السؤال نفسه: فما فائدة أن يكتب رسل الله أعمال العباد؟ وما فائدة أن يكون على الإنسان رقيب عتيد عن اليمين وعن الشمال قعيد؟
إننا نظن أن الجواب موجود في الآيات نفسها، وهو حصول العلم "وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ"، فكيف يتم علم الله "بما توسوس به نفس الإنسان؟
رأينا: إنه النقل: فالملائكة ينقلون أخبار العباد إلى ربهم فبذلك يتحصل العلم الرباني بما يعمل الناس؟ ولا نشك قيد أنمله أن من واجبات أولئك الملائكة هي نقل الأخبار إلى ربهم؟ وهذا بالضبط ما نعني بالعلم؟ إنه ذلك الفرع من المعرفة الذي يتحصل بالنقل.
ولكن قد يرد البعض علينا بالقول: ما فائدة نقل أخبار العباد إلى ربهم ما دام أنه سيشهد عليهم بنفسه يوم القيامة وما دام أن أعضاء جسمهم ستشهد عليهم؟
فنرد بالقول أن شهادة الله عليهم وشهادة أعضاء جسمهم عليهم ستكون في يوم القيامة، أليس كذلك؟ فكيف سيعلم الله بحالهم قبل ذلك الوقت؟ فهل سيترك الله "الحبل على الغارب" (كما نقول في المثل- ولله المثل الأعلى) حتى يأتي ذلك اليوم ليشهدوا على أنفسهم؟ كلا، فلابد أن يعلم الله بحالهم قبل أن يشهدوا هم على أنفسهم في يوم الحساب.
ونحن لا نشك كذلك أن هؤلاء الملائكة مؤتمنون، فهم ينقلون الخبر صادقاً، وتحفظ تلك الصحف بأيدي ملائكة موكلون بتلك المهمة:
فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)
لذا فإن العلم الرباني بأخبار العباد ينقله ملائكة مؤتمنون فيكون علما صادقا، ويحفظ بأيد ملائكة مؤتمنون فلا يتبدل ولا يتغير حتى يستلم كل إنسان كتابه بيمينه أو من وراء ظهره.
ولكن ذلك لا ينفي وجود فروع وطرق أخرى لتحصيل المعلومة، ونستعرض حالاً إلى ضرورة التفريق بين قولنا "أن يعلم" و "أن يعرف":

باب المعرفة
إننا لا شك أن رسل الله قد آتاهم الله علما، أليس كذلك؟ فنبي الله يوسف عليه السلام- مثلاً- كان يعلم تأويل الأحاديث، فذاك العلم قد تحصل له من ربه، أي نقل له العلم بتأويل الأحاديث، والملفت للانتباه أننا لا نجد أحداً من النبيين والرسل وحتى من أولياء الله الصالحين ينسب العلم لنفسه، وإنما يقر بحقيقة صارخة ألا وهي أن ذلك العلم قد تلقاه من مصدر آخر، وهو المصدر الرباني:
قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ                                 يوسف (37)
ولكننا نجد المكابرين المتجبرين يفعلوا مثل ذلك، أي نسبة العلم لأنفسهم:
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)            القصص
ولكن هل الوسيلة الوحيدة "للحصول على المعلومة" هي "العلم"؟ وبكلمات أخرى، هل كان يوسف – مثلاً- يعتمد فقط على "العلم"، أي ما ينقل له من المصدر الرباني؟
الجواب: كلا، فـ بالإضافة إلى أن يوسف كان يعلم، فقد كان يعرف؟ فما هي المعرفة؟ أي كيف كان يعرف؟ لنتدبر ما جاء في كتاب الله عن قصة نبي الله يوسف مع إخوته، قال تعالى:
          وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58)
فيوسف إذاً قد عرف إخوته، ولكننا لا نقول أنه قد علمهم، فلا أظن أن أحداً نقل خبرهم إلى يوسف ليتم له العلم بأنهم إخوته، لهذا لم يقل الله في كتابه الكريم أن يوسف قد علم إخوته، ولكنه عرفهم، ولو دققنا النظر في الآيات القرآنية التي تتحدث عن المعرفة لوجدنا أنها غير نقلية، وغالباً ما تكون مباشرة أو استنتاجية بوجود دليل ملموس عليها، ولنتدبر الآيات الكريمة التالية:
وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتٰبٌ مِّنْ عِنْدِ اللّٰهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْۙ وَكَانُوْا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُوْنَ عَلَى الَّذِيْنَ كَفَرُوْا ‌ۖۚ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُوْا کَفَرُوْا بِه فَلَعْنَةُ اللّٰهِ عَلَى الْكٰفِرِيْنَ
اَلَّذِيْنَ اٰتَيْنٰهُمُ الْكِتٰبَ يَعْرِفُوْنَه كَمَا يَعْرِفُوْنَ اَبْنَآءَهُمْ وَاِنَّ فَرِيْقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُوْنَ الْحَـقَّ وَهُمْ يَعْلَمُوْنَ                                                                                       البقرة 147
‌لَيْسَ عَلَيْکُمْ جُنَاحٌ اَنْ تَبْتَغُوْا فَضْلاً مِّنْ رَّبِّکُمْ فَاِذَآ اَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفٰتٍ فَاذْکُرُوْا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَـرَامِ وَاذْکُرُوْهُ کَمَا هَدٰٮکُمْ‌ۚ وَاِنْ کُنْتُمْ مِّنْ قَبْلِه لَمِنَ الضَّآلِّيْنَ‏                        البقرة 199

لِلْفُقَرَآءِ الَّذِيْنَ اُحْصِرُوْا فِىْ سَبِيْلِ اللّٰهِ لَا يَسْتَطِيْعُوْنَ ضَرْبًا فِىْ الْاَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ اَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ‌ۚ تَعْرِفُهُمْ بِسِيْمٰهُمْ‌ۚ لَا يَسْـَٔـلُوْنَ النَّاسَ اِلْحَــافًا‌ وَمَا تُنْفِقُوْا مِنْ خَيْرٍ فَاِنَّ اللّٰهَ بِه عَلِيْمٌ‏                                                                                         البقرة 247
وَاِذَا سَمِعُوْا مَاۤ اُنْزِلَ اِلَى الرَّسُوْلِ تَرٰٓى اَعْيُنَهُمْ تَفِيْضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوْا مِنَ الْحَـقِّ‌ۚ يَقُوْلُوْنَ رَبَّنَاۤ اٰمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشّٰهِدِيْنَ‏                                                                   المائدة 84
اَلَّذِيْنَ اٰتَيْنٰهُمُ الْـكِتٰبَ يَعْرِفُوْنَه كَمَا يَعْرِفُوْنَ اَبْنَآءَهُمُ‌ۘ اَلَّذِيْنَ خَسِرُوْۤا اَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُوْن
                                                                                                الأنعام 21
وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ‌ۚ وَعَلَى الْاَعْرَافِ رِجَالٌ يَّعْرِفُوْنَ كُلاًّۢ بِسِيْمٰٮهُمْ‌ۚ وَنَادَوْا اَصْحٰبَ الْجَـنَّةِ اَنْ سَلٰمٌ عَلَيْكُمْ‌ لَمْ يَدْخُلُوْهَا وَهُمْ يَطْمَعُوْنَ‏                                                          الأعراف 47
وَنَادَىٰۤ اَصْحٰبُ الْاَعْرَافِ رِجَالاً يَّعْرِفُوْنَهُمْ بِسِيْمٰٮهُمْ قَالُوْا مَاۤ اَغْنٰى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُوْنَ‏
وَجَآءَ اِخْوَةُ يُوْسُفَ فَدَخَلُوْا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَه مُنْكِرُوْنَ‏
وَقَالَ لِفِتْيٰنِهِ اجْعَلُوْا بِضَاعَتَهُمْ فِىْ رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُوْنَهَاۤ اِذَا انقَلَبُوْۤا اِلٰٓى اَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُوْنَ‏
يَعْرِفُوْنَ نِعْمَتَ اللّٰهِ ثُمَّ يُنْكِرُوْنَهَا وَاَكْثَرُهُمُ الْكٰفِرُوْن
وَاِذَا تُتْلٰى عَلَيْهِمْ اٰيٰتُنَا بَيِّنٰتٍ تَعْرِفُ فِىْ وُجُوْهِ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا الْمُنْكَرَ‌ يَكَادُوْنَ يَسْطُوْنَ بِالَّذِيْنَ يَتْلُوْنَ عَلَيْهِمْ اٰيٰتِنَا‌ قُلْ اَفَاُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّنْ ذٰلِكُمُ‌ النَّارُ وَعَدَهَا اللّٰهُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا‌ۚ وَبِئْسَ الْمَصِيْرُ
اَمْ لَمْ يَعْرِفُوْا رَسُوْلَهُمْ فَهُمْ لَه مُنْكِرُوْنَ
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ سَيُرِيْكُمْ اٰيٰتِه فَتَعْرِفُوْنَهَا‌ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُوْنَ
يٰۤاَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّاَزْوَاجِكَ وَبَنٰتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِيْنَ يُدْنِيْنَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيْبِهِنَّ ذٰلِكَ اَدْنٰٓى اَنْ يُّعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللّٰهُ غَفُوْرًا رَّحِيْمًا‏
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَـنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ‏
وَلَوْ نَشَآءُ لَاَرَيْنٰكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيْمٰهُمْ‌ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِىْ لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللّٰهُ يَعْلَمُ اَعْمَالَكُمْ‏
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُوْنَ بِسِيْمٰهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِىْ وَ الْاَقْدَامِ‌ۚ‏
وَاِذْ اَسَرَّ النَّبِىُّ اِلٰى بَعْضِ اَزْوَاجِه حَدِيْثًا‌ۚ فَلَمَّا نَـبَّاَتْ بِه وَاَظْهَرَهُ اللّٰهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَه وَاَعْرَضَ عَنْۢ بَعْضٍ‌ۚ فَلَمَّا نَـبَّاَهَا بِه قَالَتْ مَنْ اَنْۢبَاَكَ هٰذَا‌ قَالَ نَـبَّاَنِىَ الْعَلِيْمُ الْخَبِیْرُ‏
تَعْرِفُ فِىْ وُجُوْهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيْمِ‌ۚ‏
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَاَنْ لَّمْ يَلْبَثُوْۤا اِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُوْنَ بَيْنَهُمْ‌ قَدْ خَسِرَ الَّذِيْنَ كَذَّبُوْا بِلِقَآءِ اللّٰهِ وَمَا كَانُوْا مُهْتَدِيْنَ‏
يٰۤاَيُّهَا النَّاسُ اِنَّا خَلَقْنٰكُمْ مِّنْ ذَكَرٍ وَّاُنْثٰى وَجَعَلْنٰكُمْ شُعُوْبًا وَّقَبَآٮِٕلَ لِتَعَارَفُوْا‌ اِنَّ اَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ اَتْقٰٮكُمْ‌ اِنَّ اللّٰهَ عَلِيْمٌ خَبِيْرٌ‏
والمتدبر لهذه السياقات القرآنية يجد أن المعرفة تتم بوجود قرينة، فأنت تعرف الفقراء الذين لا يسألون الناس بسيماهم:
لِلْفُقَرَآءِ الَّذِيْنَ اُحْصِرُوْا فِىْ سَبِيْلِ اللّٰهِ لَا يَسْتَطِيْعُوْنَ ضَرْبًا فِىْ الْاَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ اَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ‌ۚ تَعْرِفُهُمْ بِسِيْمٰهُمْ‌ۚ لَا يَسْـَٔـلُوْنَ النَّاسَ اِلْحَــافًا‌ وَمَا تُنْفِقُوْا مِنْ خَيْرٍ فَاِنَّ اللّٰهَ بِه عَلِيْمٌ‏                                                                               البقرة 247
والنبي يستطيع أن يعرف المنافقين بسيماهم (إن أراهم الله إياهم) أو في لحن القول:
وَلَوْ نَشَآءُ لَاَرَيْنٰكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيْمٰهُمْ‌ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِىْ لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللّٰهُ يَعْلَمُ اَعْمَالَكُمْ‏
وكذلك يعرف أهل الأعراف :
وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ‌ۚ وَعَلَى الْاَعْرَافِ رِجَالٌ يَّعْرِفُوْنَ كُلاًّۢ بِسِيْمٰٮهُمْ‌ۚ وَنَادَوْا اَصْحٰبَ الْجَـنَّةِ اَنْ سَلٰمٌ عَلَيْكُمْ‌ لَمْ يَدْخُلُوْهَا وَهُمْ يَطْمَعُوْنَ‏                                                          الأعراف 47
وَنَادَىٰۤ اَصْحٰبُ الْاَعْرَافِ رِجَالاً يَّعْرِفُوْنَهُمْ بِسِيْمٰٮهُمْ قَالُوْا مَاۤ اَغْنٰى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُوْنَ‏
وإخوة يوسف لا شك سيعرفون بضاعتهم عندما يفتحوا متاعهم:
وَقَالَ لِفِتْيٰنِهِ اجْعَلُوْا بِضَاعَتَهُمْ فِىْ رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُوْنَهَاۤ اِذَا انقَلَبُوْۤا اِلٰٓى اَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُوْنَ‏  يَعْرِفُوْنَ نِعْمَتَ اللّٰهِ ثُمَّ يُنْكِرُوْنَهَا وَاَكْثَرُهُمُ الْكٰفِرُوْن
وإن تم تغطية الأمر تنتفي المعرفة (أو على الأقل تقل فرص المعرفة)، لذا فعندما تدني المرأة من جلبابها تقل فرصة معرفتها:
يٰۤاَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّاَزْوَاجِكَ وَبَنٰتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِيْنَ يُدْنِيْنَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيْبِهِنَّ ذٰلِكَ اَدْنٰٓى اَنْ يُّعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللّٰهُ غَفُوْرًا رَّحِيْمًا‏
ولحصول المعرفة لابد من التواصل، فلو لم يكن يوسف يعرف إخوته من قبل لما استطاع أن يعرفهم يوم أن قابلهم بعد زمن طويل (إلا بوجود دليل آخر)، وكلما ازداد ذلك التواصل ازدادت المعرفة، لذا فإن الله خلق الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا:
يٰۤاَيُّهَا النَّاسُ اِنَّا خَلَقْنٰكُمْ مِّنْ ذَكَرٍ وَّاُنْثٰى وَجَعَلْنٰكُمْ شُعُوْبًا وَّقَبَآٮِٕلَ لِتَعَارَفُوْا‌ اِنَّ اَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ اَتْقٰٮكُمْ‌ اِنَّ اللّٰهَ عَلِيْمٌ خَبِيْرٌ‏
وهذا ما سيكون من أمرهم يوم أن يبعثهم الله:
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَاَنْ لَّمْ يَلْبَثُوْۤا اِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُوْنَ بَيْنَهُمْ‌ قَدْ خَسِرَ الَّذِيْنَ كَذَّبُوْا بِلِقَآءِ اللّٰهِ وَمَا كَانُوْا مُهْتَدِيْنَ‏
فكلما ازداد التواصل بينهم كلما ازدادت المعرفة، وكلما قل التواصل تناقصت المعرفة، لذا فإن أهل الكتاب يعرفون كتابهم كما يعرفون أبناءهم:
اَلَّذِيْنَ اٰتَيْنٰهُمُ الْكِتٰبَ يَعْرِفُوْنَه كَمَا يَعْرِفُوْنَ اَبْنَآءَهُمْ وَاِنَّ فَرِيْقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُوْنَ الْحَـقَّ وَهُمْ يَعْلَمُوْنَ                                                                                       البقرة 147
لذا لم يستغربوا ما جاء به محمد من الحق لأنهم أصلاً يعرفون ذلك من ذي قبل:
وَاِذَا سَمِعُوْا مَاۤ اُنْزِلَ اِلَى الرَّسُوْلِ تَرٰٓى اَعْيُنَهُمْ تَفِيْضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوْا مِنَ الْحَـقِّ‌ۚ يَقُوْلُوْنَ رَبَّنَاۤ اٰمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشّٰهِدِيْنَ‏                                                المائدة 84
واستحق الذي كفر منهم بما جاء به النبي اللعنة لأنهم ببساطه قد كفروا بما كان يعرفون:
وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتٰبٌ مِّنْ عِنْدِ اللّٰهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْۙ وَكَانُوْا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُوْنَ عَلَى الَّذِيْنَ كَفَرُوْا ‌ۖۚ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُوْا کَفَرُوْا بِه فَلَعْنَةُ اللّٰهِ عَلَى الْكٰفِرِيْنَ
وعرفات هو المكان الذي يتعارف به الناس عندما يأتونه من كل حدب وصوب:
‌لَيْسَ عَلَيْکُمْ جُنَاحٌ اَنْ تَبْتَغُوْا فَضْلاً مِّنْ رَّبِّکُمْ فَاِذَآ اَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفٰتٍ فَاذْکُرُوْا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَـرَامِ وَاذْکُرُوْهُ کَمَا هَدٰٮکُمْ‌ۚ وَاِنْ کُنْتُمْ مِّنْ قَبْلِه لَمِنَ الضَّآلِّيْنَ‏              البقرة 199

نستنج من المناقشة السابقة أن المعرفة تستند إلى دليل:
          وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)
والمعرفة تحتاج إلى تواصل
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ                                                                    الحجرات (13)
والمعرفة تحتاج إلى جهد:
          وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)
فحتى يعرف النبي هؤلاء الناس كان لابد أن يراقب قولهم ويتدبره، ومن ثم يخلص إلى نتيجة مفادها أن في قولهم شيء يختلف عن قول الآخرين. ومراد القول أن المعلومة لو نقلت للنبي نقلاً من خالقه لأصبح ذلك علماً وليس معرفة.
هل الله يعرف؟
رأينا: لما كانت المعرفة تحتاج إلى دليل وإلى بذل جهد للوصول إليها، وهي بلا شك تزيد وتنقص بمقدار الجهد والتواصل، الخ. فإننا نزعم الظن بأن ربنا الذي نعرفه لا يعرف ولكنه يعلم.
الدليل
إن الملفت للانتباه أننا لا نجد في كتاب الله اقتران المعرفة بلفظ الجلالة إطلاقاً، فلا نجد آية واحدة تدلنا على أن الله يعرف أمور العباد، وهذا دليل صارخ يثبت لنا أن أخبار العباد تنقل إلى خالقهم نقلاً، فيكون ذلك علماً وليس معرفة. ونحن نظن أن علم الله لا يحتاج أن يستند إلى دليل، ولا يحتاج الله للعلم بالشيء أن يتواصل معه، والله لا يبذل جهداً في الحصول على علمه، لذا فهو علم وليس معرفة. وحتى يرى القارئ الكريم وجاهة ما نزعم فإننا ندعوه إلى إمعان التفكير بـ تبديل الألفاظ الذي حصل في الآية الكريمة التالية، ليرى كيف تبدّل اللفظ عند الحديث عن علم الله بعد أن كان سياق الآية كلها قد بدأ الحديث عن معرفة البشر (ومنهم الرسول نفسه):
          وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)
ففي حين أن الحديث كان من باب المعرفة عندما كان يخص النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الآية "وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ" تبدّل اللفظ مباشرة للحديث عن علم الله في نهاية الآية نفسها " وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ"، فلو كان علم الله معرفة لكانت تكملة الآية – في ظننا- على نحو "والله يعرف أعمالكم"، أليس كذلك؟ وتتأكد مثل هذه المعاني في قوله تعالى:
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ۚ بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ                                                                            النحل (28)
ولو دققنا النظر في مفردات الآية التالية، لربما وجدنا الدليل على الفرق بين أن يتحصل الشخص على المعلومة بطريقة العلم (علم) أو بطريقة المعرفة (عرف):
تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ                                                                             هود (49)
فخبر الغيب لا يصل الإنسان إلا بالنقل، فهو إذاً من باب العلم، ولو كانت المعرفة وحدها توصل إلى تلك الأخبار لما كان البشر بحاجة إلى رسل وإلى ملائكة لينقلوا لهم أخبار الغيب، فمهما بلغ الإنسان من المعرفة (بالتدبر والدليل) لا يستطيع أن يصل إلى تلك الأخبار، فيبقى بحاجة إلى العلم بها، لذا لا بد من نقلها، لتصله على شكل علم وليس على شكل معرفة. ونحن إذ لا ننكر فائدة التفكر والتدبر (أي المعرفة) لكننا نبقى نسأل الله العلم (فالله أسأل أن يعلمني من لدنه علماً)
ولنتدبر كيف يطلب كبير إخوة يوسف منهم أن يعبروا عن خبر سرقة أخيهم عندما يرجعوا إلى أبيهم، فلقد قال كبيرهم:
ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ
يوسف (81)
نعم، إن أبسط ما يمكن أن نخلص إليه من قول كبيرهم هو أن يبلّغوا أبيهم أنهم قد علموا (ولكنهم لم يعرفوا) أن أخاهم قد سرق، فهم إذاً لم يشاهدوا أخاهم يسرق، ولم يكن لديهم حجة أو دليلاً على سرقة أخيهم، ولهذا فإنهم يبعثوا برسالة واضحة إلى أبيهم مفادها أن خبر سرقة أخينا قد نقل لنا نقلاً (أي علما)، لذا فإننا لا نشهد إلا بما علما "وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا"، ويكأن كبيرهم هذا يريد أن  يقول لأبيه رسالة مفادها أننا لا نتهم أخانا بالسرقة، ولم نشهد سرقته بأم أعيننا، ونحن لا نملك إلا أن نشهد فقط بما نقل إلينا من خبر سرقة أخينا.
لذا جاء تكملة القول في الآية التالية على النحو التالي:
          وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82)
فهم إذاً يؤكدوا أنهم صادقون ليس أن أخاهم قد سرق، ولكننا صادقون فقط بشهادتنا، أي أننا تلقينا خبر سرقة أخينا كما تتلقاه أنت الآن. فصدقنا يخص شهادتنا هذه، وما حصل معنا.
لذا جاء رد النبي الواثق بربه على النحو التالي:
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)
ولو قارنا شهادتهم هذه بشهادتهم يوم أن رجعوا إلى أبيهم عشاءً يبكون وقد تركوا يوسف في غيابت الجب، لوجدنا الفرق واضحا جلياً:
          قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا
صَادِقِينَ                                                                              يوسف (17)
فهم أنفسهم يشككوا بصدق شهادتهم، بوضعهم اللوم على أبيهم أنه لن يصدقهم "وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا
صَادِقِينَ"، فهم إذاً ليسوا صادقين. أما يوم أن أدلوا بشهادتهم بخصوص أخيهم الذي أتهم بجرم السرقة فقد جاء كلامهم بصيغة الواثق مما يقول:
          وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82)
لذا جاء رد أبيهم هذه المرة يخلو من عبارة كانت واضحة في رده على شهادتهم بخصوص يوسف، ولنقارن الرد في الحالتين:
رد نبي الله يعقوب على شهادة أولادة بموت يوسف:
وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (18)
رد نبي الله يعقوب على شهادة أولادة بسرقة أخيهم:
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)
إنها تدل بما لا يدع مجالاً للشك أن يعقوب النبي قد فهم أن شهادة أبناءه كانت شهادة كاذبة بحق يوسف لذا قال: وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ، بينما كان مصدّقاً لشهادتهم بخصوص أخيهم الذي أتهم بالسرقة، لذا خلا كلامه من هذه العبارة.

وللحديث بقية

بقلم د. رشيد الجراح




[1] هنا يجب أن أفتري القول أن رقيب عتيد لا تعني أن هناك رسولين يكتبان أعمال كل واحد من العباد، بل هو رسول واحد فقط، فعبارة "رقيب عتيد" تدل على الشيء نفسه، لأنهما صفتان لنفس الكينونة، ولو كانا كينونتين لجاء النص على نحو (رقيب و عتيد)، فنحن عندما نقول أن الله سميع عليم أو بصير خبير أو فتاح عليم لا يعني أننا نتحدث عن كينونتين، وإنما هي كينونة واحدة لها صفتان مثل (رقيب عتيد)، لذا نحن نحتاج أن نفهم معنى رقيب وعتيد لنفهم كيفية عمل تلك الكينونة التي ظن علماؤنا أنهما الرسولان اللذان يكتبان أعمال العباد والتي نظن أنها رسول واحد يكتب أعمال كل عبد.