تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

باب السامري (1)


باب السامري (1)


نتعرض في هذه المقالة إلى السؤال التالي: كيف استطاع السامري أن يخرج للقوم عجلاً جسداً له خوار؟
جواب: إننا نفتري الظن بأن السامري استطاع القيام بذلك لأنه استطاع الحصول على قبضة من عصا موسى. ولكن كيف تم
له ذلك؟



أما بعد،
لقد ذكرنا آنفاً أنّ من يملك السلطان يستطيع كذلك تحقيق المراد ودون الرجوع إلى أحد، فهل الإيمان ضروري ليستخدم الإنسان السيارة أو الطائرة أو البندقية؟ إنّ ذلك متاح لكل شخص بغض النظر عن عقيدته، وهذا من رحمة الله بالخلق جميعاً، وإلاّ لما كانت الحياة ميسرة لغير المؤمن، ولكنْ قضت إرادة الله أنْ يشترك المؤمن وغير المؤمن في أسباب هذه الحياة. وخلاصة القول أنّ من يملك السلطان يستطيع تحقيق المراد به، وإلاّ كيف يمكن تفسير استخدام موسى عصاه في شق البحر أو تفجير عيون المياه لقومه؟ فقد يظن البعض أنّ ذلك خاصاً بموسى لأنّه نبي مؤمن؟ وبكلمات أخرى فقد يظن البعض أنّ شق البحر كان بسبب إيمان موسى وليس بسبب العصا، فنقول كلا، إنّ شق البحر كان بسبب العصا وليس بسبب إيمان موسى، وإلاّ لما كان موسى أصلاً بحاجة للعصا. أي لِمَ لَمْ يشق الله البحر لموسى ودونما تدخل من موسى؟ وقد يظن البعض أنّ السبب هو حتى يرى الملأ من قوه ما يستطيع أنْ يفعله موسى كدليل على صدق دعوته. فنقول لنسلم بالأمر ونوافقكم الرأي، ولكن يبقى السؤال الاكبر:لِمَ لَمْ ينشق البحر لموسى بالمخاطبة مثلاً؟ ولِمَ يأتي ذكر العصا – على وجه الخصوص- في كل موقف يحقق فيه موسى الآيات على الملأ من الناس؟ إنّ الافتراض الذي نقدمه هنا هو على النحو التالي: أنّ عصا موسى (السلطان) هي التي بها يتحقق المراد وليس بإيمان موسى، ففطرة موسى كانت تحقق له أمورا لا تستلزم استخدام العصا (وقد ذكرنا سابقاً أمثلة عديدة على فاعلية فطرة موسى)، وعصا موسى تحقق له أموراً لا يسلتزم معها استخدام الفطرة (حتى وإنْ استخدمت). وقد وردت أمثلة عديدة على استخدام موسى عصاه، وهذا ما نفهمه بالضبط من قوله تعالى:
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ المؤمنون 45
فالآية القرآنية تثبت أنّ موسى قد جاء بأمرين: بالآيات والسلطان، فاذا كانت الآيات التي جاء بها موسى وأخيه هارون قد ذكرت عشرات المرات في القرآن الكريم، فالسؤال البسيط هو: ما هو السلطان المبين؟ وبكلمات أدق ما هو السلطان المبين الذي جاء به موسى مصاحباً للآيات؟ إننا نعلم يقيناً أنّ موسى أصلاً جاء قومه ومعه برهانان من ربه وهما العصا وإخراج يده من جيبه:
قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) " طه 21-22
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) القصص 31-32
والدقة القرآنية تتجلى بأنْ تتلازم تلك الآيات التسع مع إدخال وإخراج اليد من الجيب:
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ النمل 12
والاستنتاج الغريب الذي يفضي إليه هذا النقاش أنّ الآيات التي جاء بها موسى فرعون وقومه كثيره، ولكنّه جاء بسلطان واحد، ونحن ندعي أنّ هذا السلطان هو "العصا"، وإنّنا ندعي كذلك أنّ العصا نفسها هي التي باستخدامها كان يتحقق لموسى عليه السلام المراد، وهذا يعني بالضرورة أنّ من يملك العصا يستطيع تحقيق مراده حتى وإنْ كان لا يملك إيمان موسى. وسنورد حالاً مثالاً غاية في الغرابة والتفسير من القرآن الكريم على صحة ما نقول.
فلقد وردت قصة السامري مع قومه في القرآن الكريم، ولكن قلّما وردت التفسيرات المرضية لما استطاع السامري عمله مع قوم موسى، إنّنا ندعى أنّ الافتراض السابق يوضح بشكل لا لبس فيه قصة السامري مع قومه، قال تعالى:
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ..." طه 88
والسؤال البسيط الذي ربما تبادر إلى ذهن القارىء للنص القرآني هو: من أين جاءت قدرة السامري على إخراج العجل؟ أي كيف استطاع السامري أنْ يخرج ذاك العجل بنفسه؟ ولنبدأ بالافتراض الأبسط، فقد يظن القارىء أنّ المقصود بالعجل أنّ السامري قد أحضر لهم عجلاً عادياً واستطاع إقناع قومه بعبادته وبذلك أضل قومه. نقول كلا، إنّ ذلك غير ممكن لسبب بسيط وهو كيف يمكن للسامري أنْ يقنع قوم موسى بعبادة العجل وهارون (وهو المعروف بفصاحته) بين ظهرانيهم؟ إنّ ذلك أبعد ما يمكن عن الحقيقة، فلا يمكن أنْ يكون السامري قد ملك من الفصاحة والحجة ما يتفوق به على هارون، وإلاّ فكيف يتقبل الله شهادة موسى بفصاحة أخيه هارون:
وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ ..." القصص 34
وابسط ما يمكن أنْ تعنيه هذه الآية الكريمة أنّ موسى نفسه كان بحاجة أنْ يستعين بفصاحة هارون في إقناع قومه بصدق ما جاءهم به، نستنتج إذاً أنّ السامري قد عمل شيئاً فاق فصاحة هارون حتى استطاع التغرير بقومه، وليس هناك ما يمكن أنْ يتفوق على فصاحة هارون إلاّ ما كان يملكه موسى، أليس كذلك؟ وهذا يقودنا بالتالي إلى سلسلة من التساؤلات المترابطة نودّ أنْ نجلب انتباه القارىء لها:
- كيف تفوق موسى على أخيه هارون في حين أنّ الثاني هو أكثر فصاحة؟
- كيف استطاع السامري التفوق على هارون؟
- كيف استطاع موسى التفوق على السامري؟
أما بالنسبة للسؤال الأول فنقول إنّ ذلك بسبب ما كان يملك موسى من الآيات (كالعصا وإخراج يده من جيبه) التي لم يكن هارون يملكها، فكانت حجته على قومه أبلغ من حجة أخيه هارون. ولنقرأ الآيات التالية لنتبين الفرق بين ما كان يملك موسى وما كا يستطيع هارون فعله، فالآيات التي تتحدث عن موسى وهارون تثبت أنّ هارون كان وزيراً لموسى، ولم يكن يملك كل ما كان موسى يملكه، وابسط الأدلة على ذلك أنّه في حين أُفرد موسى بالآيات والسلطان:
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا الفرقان 35
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ هود 96
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ غافر 23
لم يكن ذلك لهارون، فما وردت الأيات والسلطان مع هارون إلاّ إذا كان بصحبة موسى:
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ المؤمنون 45


أما بالنسبة للتساؤل الثاني (أي كيف استطاع السامري أنْ يتغلب بحجته على هارون ولم يستطع أنْ يتغلب بها على موسى؟) فنحن نعرف أنّه في اللحظة التي رجع فيها موسى إلى قومه تهاوت قدرة السامري فبطلت:
قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) طه 95-97
ولكن يبقى التساؤل المثير قائماً، فنقول مرة أخرى ما نوع القدرة التي كان يتمتع بها السامري ولم يكن هارون يملكها؟ إنّ الجواب البسيط الذي نقدمه هو أنّ السامري قد امتلك حجة أقوى من حجة هارون، وهذا يعني بالضرورة أنّ تلك الحجة تشبه أو تقارب حجة موسى. وبكلمات أدق لقد استطاع السامري أنْ يقدم ما يشبه ما كان موسى نفسه يقدمه لهم وبذلك استطاع التغرير بهم، فعجل السامري (بالنسبة لقومه) هو آية تشبه الآيات التي كان يقدمها موسى نفسه، وتأتي الدقة القرآنية في ذلك غاية في الروعة، حيث كانت ردة الفعل الأولى لقومه على إخراج العجل أنْ قالوا هم وليس السامري أنّ ذلك إله:
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ ..." طه 88
وإنْ صحّ هذا الافتراض فالتساؤل الذي لا مهرب منه هو: كيف إكتسب السامري تلك المعرفة وتلك القدرة؟ أي كيف يستطيع السامري أنْ يقدم لهم ما يشهدوا هم بأنفسهم "فَقَالُوا" على أنّه إله ويجعلهم في الوقت ذاته يتجاهلوا فصاحة هارون وحجته؟
وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي طه 90
إنّنا ندعي أنّ الافتراض الذي قدمناه في البداية يفسر كيفية إكتساب السامري تلك المعرفة والافتراض هو على النحو التالي: إنّ من يملك السلطان يستطيع تنفيذ مراده في الحال ودون الرجوع إلى أحد مهما كانت عقيدته، وبكلمات أخرى فإنّ من يملك العصا مثلاً يستطيع تحقيق مراده، فإذا امتلكها موسى حقق مراده وإن امتلكها السامري حقق مراده وإن امتلكتها إنا حققت مرادي، وهكذا. وسنورد الآن الجواب على التساؤل الذي أثرناه سابقاً: من أين امتلك السامري السلطان الذي به استطاع أنْ يخرج العجل لقومه؟ ونستميح القارىء العذر مسبقاً إنْ وجد في هذا التفسير من الغرابة ما يلقي ظلال الشك على جميع ما سبق من التفسيرات والتأويلات، فهدفنا هنا ليس إثبات صحة أو خطأ تلك التفسيرات بل هو قراءة الآيات القرآنية من زاوية أخرى.
نقول اولاً أنّنا نحتاج أنْ نربط جميع الأحداث مع بعضها البعض حتى نستجلى الصورة بكليتها، وبالتالى نفهم الذي حدث فعلا على أرض الواقع. ولهذا سنورد أولاً الآيات القرآنية التي تتحدث عن السامري وقصته مع قومه ومع موسى وأخيه هارون:
وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98) طه 83-98
تثبت الآيات السابقة بما لا يدع مجالاً للشك الأمور الآتية:
1. حصول العجلة من قبل موسى للقاء ربه (وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى)
2. لحاق قوم موسى نبيهم (قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي)
3. حصول الفتنة لقوم موسى (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ)
4. حصول الضلالة (وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ)
5. حصول الغضب والأسف عند موسى (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا)
6. إخلاف الموعد من قبل قوم موسى (قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا)
7. حمل قوم موسى أوزاراً من زينة القوم (وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا)
8. إلقاء السامري (فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ)
9. إخراج العجل (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ)
10. هارون يقدم النصيحة لقومه (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي)
11. إصرار قوم موسى على موقفهم (قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى)


لقد حصلت الفتنة من الله لقوم موسى وهذا هو شأن الله مع جميع خلقه، فلابد من تمحيص الغث من السمين، فالفتنة هي من الله، وهي ليست أكثر من الاختبار الحقيقي لمعرفة المؤمن الحقيقي من غير المؤمن، قال تعالى:
أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ العنكبوت 2
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ العنكبوت 3
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ الدخان 17
فالله سبحانه قد إمتحن الأنبياء أنفسهم بالفتنة:
"وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ص 24
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ص 34
وهاهو نبي بني إسرائيل نفسه موسى عليه السلام يتعرض للفتنة من ربه:
إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى طه 40
نستنتج إذاً فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ".



وبالاضافة إلى الفتنة والضلالة، تتحدث الآيات عن حصول العجلة من قبل موسى للقاء ربه:
وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى طه (83)
والسؤال الذي نثيره هنا هو: ما نتيجة عجلة موسى؟ لِمَ يعاتب الله نبيه موسى في موضوع العجلة في حين أنّ موسى كان يقصد العجلة والشوق للقاء ربه؟
قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى طه 84
أي هل كان لعجلة موسى نتيجة سلبية؟ نقول نعم. فبادىء ذي بدء لم تذكر العجلة في القرآن الكريم إلاّ على سبيل الذم، ولم ينتج عن العجلة إلا ما لا يحمد عقباه:
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ الأحقاف 24
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ الرعد 6
يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ العنكبوت 54
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ الذاريات 59
وإنْ صحّ هذا الافتراض فالسؤال الذي لا مهرب منه هو: ما الأمر السلبي الذي نتج عن عجلة موسى؟ ماذا كانت عاقبة عجلة موسى؟ لقد درج بعض الفكر الإسلامي على افتراض أنّ تلك العجلة كانت السبب في فتنة قوم موسى. نقول أنّ ذلك غير صحيح، فالفتنة - كما بيّنا سابقاً- هي من الله وليست من السامري، وما كان وجود موسى أو عدم وجوده سيرد أمر الله، وقد يبادرنا البعض بالسؤال فما الأمر السلبي إذاً الذي نتج عن عجلة موسى؟ نقول أنّ القراءة المتأنية للآيات القرآنية تثبت أنّ عجلة موسى قد كانت السبب الحقيقي وراء ضلالة السامري لقوم موسى، وبكلمات أدق فإن ضلالة السامري كانت نتيجة حتمية لعجلة موسى. والسؤال هو: كيف كان ذلك؟ أي ما علاقة عجلة موسى للقاء ربه بضلالة السامري لقوم موسى؟
إنّنا ندعى أنّ العلاقة بين عجلة موسى وفتنة السامري كانت مباشرة، وهي على النحو التالي: أنّ موسى كان قد نسي شيئاً بسبب عجلته للقاء ربه
وأنّ السامري كان قد وجد شيئاً، وإننا ندعي كذلك أنّ الشيء الذي نسيه موسى هو نفس الشيء الذي وجده السامري، وهو السبب الذي عاتب الله موسى من أجله لأنّ السامري استخدمه ليضل قوم موسى: إنه العصا. لقد نسى موسى عصاه عندما أسرع للقاء ربه، وقد وجد السامري تلك العصا فاستخدمها في إخراج العجل لقوم موسى، أي لقد وجد السامري السلطان الذي به يستطيع تحقيق مراده، ويأتي برهاننا لذلك على النحو التالي:
أولاً، لقد حصلت الأمور التالية بعد عودة موسى لقومه:
قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98) طه 92-98


1. معاتبة موسى أخيه هرون (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا)
2. إقدام موسى على ضرب أخيه (قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي)
3. محاورة موسى السامري (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ)
4. السامري يبصر شيئاً لم يبصره قومه (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِه)
5. السامري يقبض قبضة من أثر الرسول فينبذها (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا)
6. السامري تسول له نفسه أمرا (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي)
7. العقاب يقع على السامرى (قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ)
8. إحراق العجل (وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا)
9. موسى يوجه الخطاب لقومه (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا)


ولنحاول ربط هذه الأحداث مع بعضها ومع ما سبق عودة موسى من أحداث لنثبت إمرين إثنين: أولهما إنّ موسى قد نسي عصاه، وثانيهما أنّ السامري وجد تلك العصا، فاستفاد منها في إيقاع قوم موسى في الضلالة.
موسى ينسى عصاه
إنّنا ندعي أنّ موسى قد نسي عصاه، أي لم تكن العصا مع موسى لحظة لقاءه مع ربه هذه المرة، ونسوق الأدلة التالية على هذا الإدعاء.
أولاً، لم يكن هناك ذكر للعصا في محاورة موسى ربّه هذه المرة، فنحن نعلم أنّ العصا كانت أحد محاور الخطاب بين موسى وربه، فهذا اللقاء الأول عند النار:
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ النمل 10
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ القصص 31
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) طه 17-18
وهذا الحوار الثاني عند البحر:
وفي الحوار الثاني:
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ الاعراف (117)
وفي الحوار الثالث:
فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ الشعراء (63)
وفي الحوار الرابع:
وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ البقرة 60
وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ الاعراف 160
ولكن في هذا اللقاء الذي واعد فيه موسى ربُه يغيب أي ذكر للعصا، والسؤال الذي نثيره هو: لِمَ غاب ذكر العصا في هذا اللقاء؟ إنّنا ندعي أنّ العصا قد غابت من الحوار لانّها على غيرالعادة لم تكن موجودة آنذاك مع موسى.
ثانياً، إنّنا نعلم بنص القرآن أنّ موسى عليه السلام كان يستخدم العصا لأغراض عديدة:
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) طه 17-18
والسؤال الذي ربما تبادر إلى أذهان الكثيرين هو: ماذا كانت تلك المأرب الأخرى؟ فقد يظن البعض أنّ قول موسى "وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى" قد جاءت من باب اختصار الكلام، أي أنّ موسى كان لا يريد الإسهاب في الكلام في هذا الموضوع، فنقول كلا، لقد كان مراد موسى من ذلك هو التستر على الاستخدام الحقيقي للعصا، إّننا ندعي أنّ موسى قد أخذه الخجل أمام ربه أنّ يذكر الاستخدام الثالث للعصا، فلقد كان موسى - حسب ظننا - يستخدم العصا لحظة غضبه ضد خصمه، فهو قد استخدمها عندما أردى الذي كان من عدوه قتيلا:
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ القصص 15
فنحن نظن أنّ معنى "وكزه" إي ضربه بعصاه، ولكنّ موسى خجل أنّ يذكر صراحة أمام ربه ذلك الاستخدام للعصا لأنّه علم بخطأ فعلته، فما كان موسى ليصر على خطأه أمام ربه، فهو يحاول خجلا أنْ يتستر ولو من باب المقر بذنبه أنْ يذكرها صراحة، وهو كذلك لا يستطيع أنْ لا يذكرها إطلاقاً لانّه يعلم أنّ الله بكل شىء عليم، فكيف به أنْ يخفى عن الله ما الله أعلم به من موسى نفسه؟! فخلاصة القول أنّ موسى كان عليه أنْ يذكر كل استخدامات العصا، فذكر أنّه يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه وهو كذلك يستخدمها لضرب خصمه لحظة الغضب، ولكن لانّه كان قد أخطأ مرة في استخدام العصا خجل أمام ربه أنْ يذكرها صراحة، فاستخدم كلاما عاماً ليغطي على السبب الحقيقي، وقد يتساءل البعض وما علاقة استخدامات العصا بنسيان العصا؟
نقول أنّ موسى قد عاد إلى قومه "غضبان أسفا" وكان أول ما فعله كعادة موسى عند الغضب هو أنْ يسبقه غضبه فيبادر المغضوب منه بعصاه، ونحن نعلم أنّ المغضوب منه هذه المرة هو أخيه هارون، فما الذي كان من موسى عندها؟ لقد بادر موسى إخيه بالعراك:
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الأعراف 150
قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي طه 94
والسؤال البسيط الذي نجهد للوصول إليه هو: لِمَ استخدم موسى يداه هذه المرة في العراك ولَمْ يستخدم العصا وهي التي لا تفارقه وخصوصاً لحظة غضبه؟ إنّنا ندعي أنّ موسى لم يستخدم العصا لضرب أخيه في لحظة الغضب تلك لأنّ العصا لم تكن معه انذاك، فلو كانت العصا بيد موسى في تلك اللحظة لبادر أخيه بها (أو على الأقل لهمّ باستخدامها).
ثالثاً، أما الدليل الأكبر الذي نسوقه على أنّ موسى كان قد نسي عصاه لحضة لقاه ربه هذه المرة هو أنّ أول ما فعل موسى لحضة عودته إلى قومه ووجدهم يعبدون العجل أنّه وبنص القرآن قد ألقى ما كان يحمل:
"... وَأَلْقَى الألْوَاحَ... " الأعراف 150
إنّ ذلك يعني أنّ موسى قد ألقى ما كان يحمل بيديه "وهي الألواح"، ولم يكن هناك ذكر للعصا، فأين ذهبت عصا موسى؟ فهو إذاً لم يلقها على الأرض مع الألواح، وقد يظن البعض أنّ العصا كانت بيده الأخرى، أي الألواح بيد والعصا باليد الاخرى، نقول كلا، لانّ موسى عندما ألقى الالواح أخذ برأس أخيه يجره إليه:
وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ الأعراف 150
فكلتا يديه كانتا تجر رأس أخيه ولم يرد ذكر للعصا، وقد يرد البعض أنّ موسى ربما كان (بعد أنْ ألقى الألواح) يجر رأس أخيه بيد ويمسك العصا باليد الاخرى، فنقول أنّ ذلك غير ممكن ايضا، ولنرى رد هرون على عراك موسى:
"قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي... " طه 94
وهذا يعني بما لا يدع مجالاً للتأويل أنّ موسى قد استخدم كلتا يديه في جر أخيه، ولنتصور المشهد على النحو التالي: موسى يلقى ما كان يحمل من الالوح (ولم يذكر القرآن أنّه ألقى معها العصا)، ويمسك رأس أخيه بيد ولحية أخيه باليد الأخرى (ولم يذكر أنّه استخدم العصا في العراك)، وإنْ صح هذا الخيال، فانّنا نعتقد جازمين أنّ من حقنا أنْ نسأل أين ذهبت عصا موسى التي كانت على الدوام تلازمه كظله؟ إنّنا ندعي أنّ موسى قد نسي عصاه نتيجة عجلته للقاء ربه. وما أجمل التصوير القرآني الذي يثبت حصول النسيان عند موسى:
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ طه 88
والسوال البسيط الذي تثيره هذه الآية الجميلة هو: لماذا وردت كلمة " فَنَسِيَ" في آخر هذه الآية الكريمة؟ فمن الذي نسي هنا وماذا نسى؟ إنّنا ندعي أنّ النقاش السابق يوصلنا إلى النتيجة التالية: إنّ الذي نسى هو موسى وأنّ الذي نساه موسى هي العصا.


السامري يلتقط عصا موسى
ويأتي السؤال الأهم على النحو التالي: أين ذهبت عصا موسى إذاً؟ فهذا السؤال ينقلنا إلى الأمر الآخر الذي نود أنْ نثبته وهو أنّ عصا موسى قد وقعت بيد السامري، فاستخدمها في الايقاع بقوم موسى، وسنورد الأدلة على صحة هذا الاعتقاد.
إنّنا نعلم أنّ القرآن الكريم يثبت أنّ قوم موسى كانوا على أثر نبيهم، أي كانوا يلحقونه حيث كان يمضي:
وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) طه 83-84
ونستطيع أنْ نستنتج كذلك أنّ القوم كانت حركتهم بطيئة لانّهم كانوا يحملون من المتاع (أوزاراً) ما كان يعيق سرعة الحركة التي كان موسى بحاجة لها ليشبع رغبته في لقاء ربه:
قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ طه 87
والآية تثبت كذلك أنّهم كانوا يحملون الغالي النفيس، وذلك مثبت بقولهم "مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ"، فما كان من موسى أنْ يمشي على إيقاع حركتهم، بل تركهم مشغولين بمتاعهم الثمين، وأسرع هو للقاء ربه، ومن الطبيعي أنّ الذي يحمل متاعه على ظهره في سفره لابد له من أخذ قسط من الراحة بين الحين والآخر، وهذا بالضبط ما كان من قوم موسى لما غلبهم التعب، فما كان منهم إلاّ أنْ يلقوها عن ظهورهم لنيل قسط من الراحة:
"... وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا..." طه 87
وقد يظن البعض أنّ معنى فَقَذَفْنَاهَا"أي تخلصنا منها"، فنرد قائلين أنّ ذلك غير ممكن، فنحن نفهم "فَقَذَفْنَاهَا" على أنّها لا تعني سوى "وضعناها عن ظهورنا لفترة قصيرة"، وهنا لقصد الراحة التي يحتاجها المسافر عند غلبة التعب، ودليلنا على هذا المعنى يأتي من مكان آخر من القرآن الكريم، ذلك الموقف الذي يوحي الله سبحانه فيه إلى أم موسى ما تفعله عندما وضعت موسى:
إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) طه 38-39
ولا يمكن أن يكون معنى إقذفيه "أي تخلصي منه"، فكيف يطلب الله من أم موسى أنْ تتخلص من طفلها؟ وإذا كان كذلك فكيف ترضى هي أنْ تتخلص من وليدها؟! إنّ ما طلبه الله من أم موسى وما فهمته هي من الطلب هو المعنى الذي قدمناه هنا وهو "ضعيه في هذا المكان لفترة قصيرة" وذلك لانّه لا محالة عائد إليك بعد وقت قليل. وهذا بالضبط ما حصل:
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ القصص 7
"إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ..." طه 40
ونعود إذاً القول أنّ قوم موسى قد وضعوا ما كانوا يحملوا من أوزار لفترة قصيرة بقصد الراحة، ونقول كذلك أنّ كلمة "أقذفيه" تفيد كذلك "التداخل"، فأم موسى تقذف وليدها في التابوت وتقذف التابوت في الماء، وهذا يعني أنْ يتداخل المقذوف مع المقذوف فيه، وربنا كذلك يقول:
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ الأنبياء 18
وهذا يعني أنّ القوم قد ألقوا ما كانوا يحملون من أوزار على الأرض بقصد الراحة فتداخلت مع بعضها، وهم سيكملوا بعدها مسيرتهم للحاق نبيهم الذي سبقهم شغفاً للقاء ربه، وهم حتى اللحظة يبذلوا قصارى جهدهم في المسير وهذا مثبت بقولهم:
قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ طه 87
وهذا يعني أنّنا قد بذلنا ما استطعنا من جهد (بملكنا)، ولكن كان سبب التأخير ذلك الحمل الذي على ظهورنا الذي حصل والقيناه على الأرض بقصد الراحة وعندها حصل ما حصل من أمر السامري. ولكن ما الذي حصل بعدئذ؟ لقد طلب موسى نفسه عند عودته (وبعدما فرغ من محاسبة أخيه هارون) تفسيراًً من السامري عن الذي حصل:
قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ طه 95
فجاء رد السامري على النحو التالى:
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي طه 96
ولنمعن النظر في هذه الكلمات، لنطرح بعض الاسئلة التي قد تقودنا إلى ما نبغي:
"ما الشى الذي أبصره السامري؟ ما الشى الذي لم يبصروا هم به؟ ومن هم الذين لم يبصروا ما أبصره السامري؟ وأين أبصر السامري ما لم يبصره غيره؟
نقول ليس هناك أدنى شك بأنّ السامري قد أبصر شيئاً لم يبصره غيره، وقد ظنّ البعض أنّ "بصرت" هنا تعني "علمت أو وظننت أو خلت أو أعتقدت أو ما شابه"، فنقول أنّ ذلك غير صحيح، فبصرت لا تعني أكثر من "رأيت بأم عيني"، فقد ورد الإبصار في القرآن في أكثر من موقع نذكر منها على سبيل المثال:
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ الأعراف 179
أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ الأعراف 195
وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ يس 66
وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ الأعراف 198
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ السجدة 27
نستنتج إذاً أنّ السامري قد أبصر بأم عينه ما لم يبصره غيره، والسوال التالي هو: أين أبصر السامري ذاك الشىء؟ نقول أنّ القصة برمتها قد حصلت بعد إغراق قوم فرعون، وعبور موسى مع قومه البحر، وهذا يعني أنّ ضمير الجمع الوارد في الآيات هذه لا يمكن أنْ يعود إلاّ على قوم موسى الذين تركهم موسى خلفه:
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي طه 96
ومراد الآية إذاً يصبح على النحو التالي: أنّ السامري قد رأى بأم عينه ما لم يره قوم موسى، ونحن نعلم أنّ الذي يرى شيئاً لا يراه غيره ويدرك قيمة ذلك الشيء يحاول إخفاءه عن الأخرين ليستفيد هو منه. ويبقى السؤال قائماً إين أبصر السامري ذاك الشيء؟ نقول أننا أوضحنا سابقاً أن قوم موسى كانوا يحملون الغالي النفيس "من زينة القوم" فما كانوا يحملوا إلا ما كان غالي القيمة، فهم كانوا خارجين من مصر فارين بدينهم وأنفسهم من فرعون وعسكره، ولا يمكن أنْ يحمل الشخص في مثل هذا الموقف إلاّ ما خف وزنه وزادت قيمته، وقلنا كذلك أنّ الذي حصل هو عندما غلبهم التعب ألقوا على الأرض ما كانوا يحملوا من متاع، ولنتصور الآن الموقف على النحو التالي: القوم يتوقفوا عن المسير بقصد الراحة بعد أنْ كدّوا في المسير للحاق نبيهم، يضعوا في مكان ما ما كانوا يحملوا دفعة واحدة، فتتداخل الاوزار مع بعضها، فتتهيأ الفرصة أنْ يرى القوم متاع بعضهم بعضا، وهنا فقط يرى السامري ذاك الشيء الثمين الذي جذب انتباهه على الفور. وكما قلنا سابقاً من يرى شيئاً ثميناً يحاول إخفاءه عمن سواه، وهذا يفسر تلازم قذف القوم متاعم (أوزارهم) وإلقاء السامري
قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ طه 87
ولكنّ السوال الذي يجب أنْ يثار هو: ماذا كان ذلك الشيء؟ وتأتي تكملة الآية الكريمة لتجيب على هذا التساؤل بشكل لا لبس فيه:
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي طه 96
ألا يعني ذلك أنّ ما قبضة السامري كان شيئاً من أثر الرسول؟ والسؤال الذي ربما توصّل إلى جوابه القارىء بنفسه: من الرسول الذي قبض السامري شيئاً من أثره؟ لعلنا جميعاً نجزم أنّه ليس شيئاً من أثر هارون وذلك لأنّ هارون كان بين ظهرانيهم، فالأثر لابد أنْ يكون لشخص غائب، فمن الرسول الذي كان غائباً أنذاك عن السامري ومن معه؟ وهل هناك سوى موسى؟
فقد يظن البعض (كما درج عليه الفكر الاسلامي منذ القدم) أنّ المقصود بالرسول هنا هو ليس موسى، فنرد عليهم قائلين أنّنا ربما بحاجة أنْ نمعن النظر بالآيات القرآنية التالية، وبعدها قد نستطيع أنْ نحسم جميعاً هذا الأمر:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ الزخرف 46
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18). وَأَنْ لَّا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (19) الدخان 17-19
فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ الشعراء 16
وحتى تستيقن عزيزي القارىء أنّ المقصود هنا بالرسول الكريم الذي جاء فرعون وقومه بالسلطان هو موسى على وجه الخصوص (وليس هارون مثلاً) فإنك بحاجة أنْ تربط الآية السابقة بالآيات التالية
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ هود 96
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ غافر 23
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ إبراهيم 5
فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ القصص 36
وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ العنكبوت 39
وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) الأعراف 104-105
ولنقرأ الآية التالية من سورة الدخان لنستيقن أنّ الرسول هو موسى بعينه:
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَّا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (19)
فمن غير المفهوم أنْ نقر- ودونما أدنى مساءلة- أنّ الرسول المقصود في هذه الآيات هو موسى بعينه، بينما لا نقر أنّ الرسول الذي قبض السامري شيئاً من أثره هو رسول آخر، فهل هذا هو المقصود بقوله تعالى "... لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ..." (يونس64)!!!
ونعود إذاً القول لقد قبض السامري شيئاً من أثر موسى على وجه الخصوص. ويأتي السؤال الآن على النحو التالي: وماذا كان يملك موسى حتى يتركه خلفه كأثر؟ إنّنا نعلم علم اليقين أنّ موسى ما كان يملك إلا يده وعصاه:
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) طه 17-18
وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى طه 22
قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ (108) الأعراف 106-108
فهذا ما كان يملك موسى (عصاه ويده)، ونحن نجزم أنّ موسى لا يمكن أنْ يكون قد ترك يده خلفه، فذاك غير ممكن، فقد عاد من لقاءه مع ربه يحمل الألواح. ولا يبقى إذاً سوى عصاه، وهذا بالضبط ما نبغي التوصل إليه: موسى يترك العصا كأثر خلفه بسبب عجلته فيبصر بها السامري عندما أضطر القوم إلى التوقف عن المسير لبعض الوقت، فيلتقطها ليستغلها بطريقته، ولنستعرض الدليل الأكبر على أنّ عصا موسى قد وقعت بيد السامري، وذلك بسرد التساؤل المثير التالي: فقد يتسرع البعض ليقول لِمَ لا يكون الأثر هو أهل موسى، مثلاً؟
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ القصص 29
فنرد على هذا الافتراض بالتساؤل المثير التالي: ماذا فعل السامري بالعصا؟ أو بكلمات أدق ماذا فعلت العصا للسامري؟
إنّنا نعلم أنّه -وبنص القرآن- عندما أبصر السامري ما لم يبصره غيره، يعترف هو بنفسه بما يلي:
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي طه 96
وهذا يعني أنّ السامري قد أمسك ذلك الأثر بيده، فالقبضة هي ما تستطيع أنْ تمسكه بيمينك، فهل يعقل أنْ يقبض السامري أهل موسى بيده؟! وإنْ كان كذلك فهل السامري فقط من أبصر بأهل موسى دون القوم جميعاً؟ إنّ ذلك أبعد ما يمكن عن الحقيقة؟ ونلخص ما سبق على النحو التالي: لا يذكر القرآن الكريم من ممتلكات موسى إلاّ ثلاثة أشياء: عصاه ويده وأهله، فما الذي يمكن أنْ يتركه موسى كأثر خلفه ليقبضه السامري بيده: إنّه العصا لا محالة.
ولنرى ماذا فعل السامري عندما قبض "شيئاً" من أثر الرسول، ولنمعن النظر بالآية نفسها مرة أخرى:
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي طه 96
ولعل القارىء بقراءته للآية الكريمة قد وصل إلى ذروة الدليل الذي نقدمه لنثبت أنّ عصا موسى قد وقعت بيد السامري، وهو الإجابة على تساؤل بسيط: ماذا فعل السامري بتلك القبضة من أثر الرسول؟ والجواب بنص القرآن هو كما يسرده السامري:
"...فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا..." طه 96
والنبذ هو أنْ تأخذ شيئاً معين على وجه الخصوص من بين المجموعة، وتضعه في مكان ما قد لا يصل إليه الأخرون، فعندما نقول أنّ فلاناً منبوذ فهذا يعني بالضروره أنّه مأخوذ من بين المجموعة ليكون في مكان ما وحيدا، قال تعالى:
أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ البقرة 100 فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ الصافات 145 لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ القلم 49
فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ القصص 40
كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ الهمزة 4
فالسامري يقول إذاً أنّه قد إستخرج شيئاً واحداً على وجه الخصوص من بين الكومة "أوزار القوم التي ألقوها على الأرض".
أما الجواب على السؤال نفسه (ماذا فعل السامري بتلك القبضة من أثر الرسول) كما يرويه قوم موسى لنبيهم بعد عودته من لقاءه مع ربه فهو:
قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ طه 87
فقوم موسى إذاً يعترفوا صراحة لموسى ما كان يفعل السامري لهم في غيابه وعلى وجه الخصوص بعد أنْ القوا أوزارهم التي كانوا يحملونها: وهو "الإلقاء"، ولعلنا جميعاً ندرك ما تعني تلك الكلمة في سياق الحديث عن قصة موسى مع ربه، وقصته مع فرعون وآله، وقصته مع قومه:
قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ الأعراف 115
قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ الأعراف 116
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ الأعراف 117
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ النمل 10
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ النمل 31
قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى طه 19
فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى طه 20
نستنتج إذاً أنّ السامري قبض العصا بيمينه كما كان يفعل موسى، وفعل بالعصا ما كان موسى يفعله، وهنا قد ينبري البعض ليتساءل: وماذا كان موسى يفعل بالعصا؟ فنقول ألم يكن يلقيها ليري القوم الآيات التي تبين صدق رسالته، "فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ"، أي لقد فعل السامري بالعصا ما كان يفعل موسى للقوم. ولعلنا الآن ندرك أنّ السامري عندما رأى تلك العصا بين أوزار القوم، وقعت في نفسه الريبة والشك، فأراد أنْ يتيقن من ما كان قد شاهده من أمر موسى يوم الزينة، وهذه الريبة التي وقعت في نفس السامري مثبتة بنص القرآن:
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي _ طه 96
فقد سولت نفس السامري له بالسوء: فأخذ وقتأً يخطط لتنفيذ مآربه، فهذه العبارة "سولت لي نفسي" توحي لنا بالمعاني التالية:
  1. أنّ الأمر تم خفية عن القوم – فما تحدث النفس صاحبها لا يطلع عليه غيره من البشر.
  2. أنّ الأمر احتاج إلى تخطيط – فما تحدث به النفس صاحبها يحتاج إلى تقليب وتمحيص.
  3. أنّ الامر قصد منه السوء – فلا تسول النفس لصاحبها إلا سوءاً:
وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ يوسف 53
والدليل الذي نسوقه على أنّ هذه العبارة تحمل كل هذه المعاني مجتمعة تلك الآية الكريمة التي جاءت على لسان يعقوب عندما أقدم إخوة يوسف على فعلتهم مع أخيهم:
وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ يوسف 18
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ يوسف 83
فاخوة يوسف "سولت لهم أنفسهم أمرا"، وقال السامري بملء فيه " وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، ونحن نعرف أنّ إخوة يوسف حدثتهم أنفسهم بالسوء، فخططوا له، وفعلوا فعلتهم النكراء التي فعلوا، وهذا ما كان من شأن السامري: حاك الامر في نفسه بالسوء فخطط له وفعل فعلته النكراء التي فعل.
ولعل هذا الفهم للآيات الكريمات التي تتحدث عن قصة السامري تحل أيضاً لغزاً آخر يخص جنسية السامري. فنحن نعلم الآن أنّ السامري لحظة أنْ أمسك الأثر بيده "سولت له نفسه، فما كان منه إلاّ أنْ يلقي، ونحن نعرف كذلك أنّ "الإلقاء" هنا هو صنعة السحرة آنذاك، أليس كذلك؟ فهذا يعني بالضرورة أنّ السامري قد حدثته نفسه بالسحر، فهو إذاً على دراية بالسحر وفنونه، فضعفت نفسه فعاد إلى سابق عهده، وكما يقال بالمثل الشعبي "عادت حليمة لعادتها القديمة" أي أنّ السامري ما حدثته نفسه بالسحر إلا لأنّه هو بالاصل كان ساحراً قبل أنْ يتبع موسى، ولِنُذَكّر القارىء الكريم بيوم الزينة، فماذا فعل فرعون في ذلك اليوم؟ ألم يحشر السحرة من المدائن ليتحدى ما جاء به موسى؟
قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112)            الأعراف 111-112
قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)         الشعراء 26-37
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ             الشعراء 53


إنّنا نفهم القصة على النحو التالي: فرعون يرسل في المدائن طالباً العون على موسى، فيلبي السحرة نداء "ربهم" ظانين أنّهم لا محالة الغالبين والفائزين بالجائزه، فيأتوا من جميع المناطق والأمصار، فمنهم الأسكندراني (نسبة إلى مسقط رأسه الذي جاء منه) وكذلك الدمياطي والخليلي والشامي والأردني ومنهم كذلك السامري (نسبة إلى موطنه الأصلي)، فالسامري إذاً ليس من قوم موسى، (فقوم موسى كانوا مستضعفين في أرض مصر) بل هو أحد السحرة الذين خروا سجداً لحظة أنْ راوا العجب العجاب من أمر عصا موسى:
وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ الأعراف 120
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى طه 70
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ الشعراء 46
ولكن السامري يوم أنْ رءا تلك العصا بين أوزار القوم طارت إلى رأسه الفكرة بأنّ تلك العصا هي التي قهرتهم يوم الزينة، وها هي الفرصة تلوح له ليتأكد مما راء في ذلك اليوم، فيقبضها ويلقها، ولنتذكر أنّ السامري ما كان لينسى ما طلبه بنو إسرائيل من نبيهم يوم أنْ جاوزوا البحر:
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ الأعراف 138
فيخرج بها لهم ذلك العجل الذي له خوار، وهنا تتهاوى أمام القوم تلك الآيات التي قدمها لهم موسى يوم الزينة، فهذا شخص آخر يستطيع أنْ يقدم لهم من الآيات ما يشهدوا هم بأنفسهم على أنّه إله:
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى ..." طه 88
وهنا ما كان من قوم موسى إلاّ أنْ تفتر عزيمتهم وينتفي السبب الذي من أجله كدّوا قبل الآن للحاق نبيهم، فينبري منهم من يقول لمن تبقى من المؤمنين بصدق رسالة موسى (ولا أخال أنّ أحداً بقي يؤمن بما جاء به موسى سوى هارون وقلة قليلة من بني إسرائيل):
قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى طه 91
فهم الآن بحاجة إلى تبرير من موسى لما استطاع السامري أنْ يفعله لهم، فلسان حالهم يقول أنّنا صدقنا رسالة موسى لأنّه قدمّ لنا الدليل العملي على صدقها، فما من أحد كان يستطيع تقديم الآيات البينة كما فعل موسى، ولكنّ الأمر الآن قد اختلف، فها هو السامري يقدم لهم الآيات البينة، والحالة كذلك فهم الآن بحاجة إلى القول الفصل فيما فعل السامري وما كان يفعل موسى من قبل، والحلّ بالنسبة لهم هو أنْ لا يتابعوا مسيرهم للحاق نبيهم بل ينتظروه حتى يعود هو إليهم، فلِمَ يبذلوا جهداً اضافيا ما دام أنّ الامر لم يعد يستحق بذل الجهد من أجله؟ أليس هذا ديدن بني إسرائيل؟ فهل نسينا ما قالوا لموسى عندما طلب منهم أنْ يدخلوا الأرض المقدسة:
قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ المائدة 24
وتتجلى الدقة القرآنية عند عودة موسى، فيبين ضعف السامري الآن وينتصر موسى لدينه، فيحرق العجل الذي قدمه لهم السامري:
قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا طه 97
وهنا ينبري أصحاب التفكير البسيط من أمثالي لطرح بعض الأسئلة:
لماذا تهاوت قدرة السامري أمام موسى؟ أي لِمَ لَمْ يستطع تقديم المزيد من الآيات؟ ولِمَ لم يظهر أدنى علامة تحدي بوجود موسى بينما كان يصول ويجول في غيابه وحتى رغماً عن هارون نفسه؟ ولِمَ أحرق موسى العجل؟ ولِمَ لَمْ يحرق تلك القبضة التي قبضها السامري من أثر الرسول؟
والجواب على الأسئلة السابقة جميعها يتلخص بكلمة واحدة هي "العصا". فالسامري تهاوت قدرته لأنّه لم يعد يملك العصا، فهو بنص القرآن يقول " فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ"، ولنمعن النظر بكلمات هذه الآية الجميلة، فلِمَ يقول فَقَبَضْتُ قَبْضَةً؟ لِمَ لَمْ يقل "قبضت من أثر الرسول" وحسب؟ أي لِمَ استخدم كلمة "قَبْضَةً"؟ لعلنا نتفق جميعاً أنّ صيغة " قَبْضَةً" تدل في العربية على الهيئة والمرة، ويكأن السامري إذاً يقول "قبضت ذلك الأثر بيدي ولمرة واحدة"، فما تهيأت للسامري الفرصة أنْ يقبض من أثر الرسول أكثر من مرة، فهو لم يعد يملك ما يمكّنه من تحقيق مآربه بيده. وموسى أحرق العجل ولم يكن ليحرق ما أمره الله أنْ يحافظ عليها وهي العصا:
قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى طه 21


خلاصة
إنّ الفكرة الرئيسية التي جهدنا للوصول إليها هي أنّ السامري بامتلاكه عصا موسى استطاع تنفيذ مآربه بيده ودون الرجوع إلى أحد، وهذا يعني بالضرورة أنّ من يملك السلطان يستطيع استخدامه لتحقيق أغراضه بغض النظر عن عقيدته، فموسى والسامري هم على طرفي نقيض فيما يخص الوازع الإيماني إلاّ أنهم باستخدام السلطان نفسه استطاعا تقديم الآيات التي كانت سبباً في هداية أو سبباً في ضلال بني إسرائيل. إنّنا نسعى لنثبت أنّ من يملك السلطان لا يحتاج إلى الفطرة أو إلى الحكمة لتحقيق أغراضه وأهدافه. فهذه طرق ثلاثة مختلفة تصب جميعها في غاية واحدة وهي تحقيق مراد الإنسان على هذه الأرض، ولعلنا جميعاً ندرك أنّ بني البشر وخصوصا غير المؤمن والمشكك قد سعى منذ بدء البشرية إلى تحقيق مراده بهذه الطريقة وهي امتلاك السلطان، ولم يحاول إستغلال الطريقتين الأخريين (الحكمة والفطرة) لتحقيق ما يصبو إليه، ومن هنا تأتي دعوتنا للقلب والعقل المؤمن أنْ يبحث عن الحقيقة باستخدام الطرق الثلاثة جميعها (الحكمة والفطرة والسلطان)، فجميعها مثبتة الفاعلية في عقيدتنا، وجميعها متاحة لنا إنْ نحن بحثنا عنها، فنحن لن نعدم الوسيلة في كشفها ما دام أنّ الله سبحانه لم يمنعنا عنها، وسنعيد التأكيد على هذه الفكرة لاهميتها المتناهية في صياغة فكرنا الذي نسعى لتأطيره.
فإذا كان الله سبحانه قد منّ على عيسى بالعلم والحكمة:
وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ الزخرف 63
فالله اختصنا كذلك بها، لا بل علمنا إياها:
لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ آل عمران 164
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ الجمعة 2
وما دام الله قد منّ على لقمان بالحكمة:
وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ لقمان 12
فالله سبحانه لم يحرمنا منها:
يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ البقرة 269
وما دام الله قد منّ على موسى عليه السلام بالسلطان:
يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا _ مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا النساء 153
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ هود 96
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ المؤمنون 45
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ القصص 35
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ غافر 23
وَأَنْ لَّا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ الدخان 19
وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ الذاريات 38
فالله لم يمنعنا طلبه:
وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا الإسراء 80
لا بل لقد أمرنا الله بها:
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ الرحمن 33
وأذا كان الله سبحانه قد تقبل فطرة رسله وأولياءه الصالحين:
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) الكهف 10-11
فالله قد طلب منا أنْ نطلب ما طلبوا هم أنفسهم:
رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ آل عمران 8
أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ الزمر 9
فخلاصة القول أنّ الله لم ولن يمنعنا ما كان لغيرنا (وحتى للأنبياء أنفسهم):
رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ آل عمران 194
أما السؤال الأكبر الذي يتلهف كل مؤمن أنْ يصل إلى إجابة شافية له هو: كيف يمكن التدليل على صحة هذا الاستنتاج بالبرهان العملي؟ نقول أنّنا سنتعرض للإجابة على هذا التساؤل بحول الله ولكن بعد سرد الإطار النظري بمختلف زواياه بصورة أكثر شمولية.


النوع الثالث: الذي لا يؤمن إلا بالدليل المادي
لقد بيّنا آنفاً أنّ الطريقة الثالثة لتحقيق المراد تتمثل باستخدام الدليل المادي "السلطان" فقط وعدم الإعتراف بالحكمة أو الفطرة. نقول إن هذه هي طريقة أصحاب الفكر المادي (وخاصة الالحادي منه) الذي سيطر على الفكر البشري منذ بدء الخلق وحتى يومنا هذا، وأكبر ما يمثل هذا النوع من التفكير هو ما يسمى "بالطريقة العلمية للوصول الى الحقيقة"، وهي تلك التي لا تؤمن إلا بالظواهر ومسبباتها المادية، وهنا نورد ملحظين خطيرين على هذه الطريقة.
أولهما: إن هذه الطريقة مستنده على الفكر الإنساني الذي هو بأصله ضعيف ومشوش، وهي في طلبها معتمدة على ما يسمى بالنظريات، والنظريات بتعريفها العلمي ليست أكثر من رؤية إنسانية للوصول إلى الحقيقة، وما دامت أنها رؤية إنسانية فهي إذا متأثرة بخوالج النفس البشرية وعندها تكون خاضعة "لهوى" الإنسان وميوله وظنه, ولقد كان "هوى" الإنسان سبباً في رفض معظم (إنْ لم يكن جل) ما يسمى بالنظريات العلمية عبر تاريخ الإنسان البشري، فكم من نظرية بشرية وضعت وبان خطأها أو ضَعفها حتى لحضة ولادتها.
ثانيهما: إنّ هذه الطريقة تستند كذلك إلى المشاهدات الكونية التي قد ينتج عنها قوانين قد تصل في نادر الأحوال الى مرحلة الثبات، ولكن هذه القوانين بالرغم من تاريخ البشرية الطويل لا زالت تعد على أصابع اليد الواحدة، وحتى أنّ بعض تلك القوانين (أو ما قد سمي قوانين في مرحلة ما) قد ثبت خطئها، وجرى عليها التعديل والتغيير ولا داعي لذكر الأمثلة على ذلك لأنّ هذا الأمر بالنسبة للقارئ مفروغ منه.
نستنتج إذاً أنّ الفكر المادي (ممثلاً بالفكر الغربي) يتقبل هاتين الطريقتين (النظريات والقوانيين) في التفكير العلمي ويرفض الطريقة الأولى (الحكمة) والطريقة الثانية (الفطرة)، وذلك لأنهما ليستا من أدواته، وليس أكثر دقة على هذا القول من ما أثبته الله تعالى في كتابه الكريم عن أصحاب هذا الفكر المادي البحت في قوله تعالى:
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الْأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) القمر 1-5
فهذه الآيات تبين أنّ ضمير الغآئب يعود على اولئك الذين يكذبوا آيات الله وما جاءهم من أنباء الرسل والامم السابقة، فإن أنت حدثتهم عن مقدرة عيسى على إحياء الموتى أو حكمة الخضر في معرفة ما سيكون ظنَوا أنك تتحدث عن أساطير من الزمن الغابر، وإن أنت حدثتهم عن شق القمر بطلب من نبي الله محمد ما زادوا القول أنّ ذلك سحر مستمر (حتى لما حصل ذلك أمام أعينهم)، فهم كما تذكر الآية السابقة فقط يتبعوا أهوآءهم (أي النظريات) وكل أمر مستقر (أي القوانين الثابتة)، ولنسرد مثالاً يبين التناقض الجلي بين أصحاب الفكر الإيماني وأصحاب الفكر المادي.


موسى وفرعون
وهنا نتمثل نموذجين متضادين، مثال موسى الذي لا يملك الحكمة، ولكنّه يؤمن بها باتباعه فطرته السليمة التي فطره الله عليها، ومثال فرعون الذي لا يملك الحكمة ولا يؤمن بها ولا يتبع فطرة الله التي فطر الناس عليها، فموسى عليه السلام كان يملك "العصا" "السلطان" التي بها ينفذ المراد بعد الرجوع إلى الله الذي يملك الحكمة، وفرعون كان يملك السحرة الذين يستطيعوا أنْ يسحروا أعين الناس، ولكن الغلبة كانت لموسى ومن معه على فرعون وقومه، وهنا نقول أنّ موسى كان يملك وسيلة حقيقة وفرعون كان يملك وسيلة "سلطان" وهمية، وشتان بين الحقيقي والوهمي، قال تعالى:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ (26) إبراهيم 24-26
فكلمة الله تعالى هي كلمة حقيقية "ثابتة لا تتغير":
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ الأنعام 115
لها أصل كالشجرة الضارب جذورها في عمق الأرض وفروعها تطاول السماء، أما كلمة سحرة فرعون فهي كلمة خبيثة لا أصل لها، ونحن نرى أنّ السبب في ذلك أنّ الله هو الحكيم (عارف العلاقة بين الجذر والفرع)، معرفة العلاقة الحقيقية بين الاشياء ومسمياتها، وبالتالي يسير الأمور بتلك المعرفة (الحكمة)، فكان أمره إذاً "كن فيكون"، ولا يمكن أنْ يأتي ذلك إلا:
الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ هود 1
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ النمل 6
فقالت الملائكة مثلاً لما رأوا حكمة الله في تعليم آدم الاسماء:
قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ البقرة 32
وقال في حالة إبراهيم:
"... قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ البقرة 260
وقال في حالة نوح:
وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ هود 45
ولكنّ الله صاحب الحكمة المطلقة قد منّ ببعض الحكمة وشيء من علمه على بعض عباده، فقال في حالة عيسى:
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ آل عمران 48
"وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ..." المائدة 110
وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ الزخرف 63
وقال في حالة داوود مثلاً:
وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ص 20
وخاطب محمداً بالقول:
"... وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا النساء 113
وتفضل على آل إبراهيم بها:
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا النساء 54
ولم يحرمنا الله هذا الفضل وتلك المنّة:
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ الجمعة 2
لا بل وجعل شيئاً من علمه ممكناً للبشر كافة:
"... مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ البقرة 255
دعاء: اللهم إني أسألك نفاذ مشيئتك لي الاحاطة بشيء من علمك، اللهم علمني ما لم تعلم أحداً من خلقك


والقارىء مدعو للبحث في الآيات التي يرد فيها ذكر للحكمة ليجد أمراً غايةً في الدقة والروعة مفاده أنّها جميعاً تتحدث عن أمور يصعب على العقل البشري تفسيرها بالدليل المادي (أي باستخدام ما يسمى الطريقة العلمية في البحث)، ولكن العقل الايماني يتقبلها بكل يسر وسهولة. وسنفرد لهذا الموضوع بابا من البحث لاحقاً.
ففي علم السحرة نجد أنّ العلاقة بين الاشياء ومسمياتها ليست أكثر من إتباع للهوى، لا ترقى إلى معرفة العلاقة الحقيقية بين الشيء واسمه، ونتيجة لذلك سرعان ما تتغير وتتبدل فتضل من يتبعها وليس أدق على هذا المعنى من قول الله تعالى:
يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء إبراهيم 27
فقول الله حق:
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ الأنعام 73
وقولهم ظناً واتباع الهوى:
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى النجم 23
ولعل هدفنا كمؤمنين برسالة ربنا هو بلا شك:
وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ يونس 36
وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا النجم 28
بقلم  د. رشيد الجراح