تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

#تعريف : ما هو القرب الإلهي؟






ما هو القرب الإلهي؟

نتوقف هنا للحظة للحديث عن "القرب الإلهي"، الذي نظن أنه السبب لانتفاء الحاجة إلى وجود الناقل (أو الموصل) لرسالة العبد إلى ربه، ولكن لا يظنن أحد أن القرب الإلهي تعني الملاصقة كما ربما يعني مفهوم القرب المكاني بالنسبة للناس، فلا بد من وجود المسافة الزمنية والمكانية بين الإله والعبد، فمفردة القرب بالمعنى القرآني تفيد وجود فاصل مكاني بين الطرفين، ولكن لمّا كانت فكرة القرب والبعد مسألة نسبية بحد ذاتها، كان لابد من تجليتها، فبالنسبة للبشر أنفسهم يكون أحياناً ما تراه أنت قريب بعيداً بالنسبة لي أنا، والعكس صحيح، وهذه النسبية موجودة بين الإله والعبيد، وهو ما يمكن أن نخلص إليه من قول الحق:

تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5)إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) المعارج

فاليوم الذي يبعد خمسين ألف سنه هو بالنسبة لنا يوم بعيد إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، ولكنه بالنسبة للإله فهو – بلا شك- يوم قريب وَنَرَاهُ قَرِيبًا، فخمسين ألف سنة بالنسبة للإله يعتبر قرباً، نستنتج إذاً أنّ المسافة الزمنية لنا لا تتطابق في بعدها وقربها مع المسافة الزمنية للإله، فحتى يوم القيامة هو بالنسبة للإله يوم قريب:

إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (40)النبأ 

أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51)الإسراء 

ولكن بالنسبة للإنسان فالقرب هو ما لا يتجاوز نطاق حياته الدنيا:

وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44)إبراهيم 

وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10)المنافقون 

يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63)الأحزاب 

اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17)الشورى 

وربما يكون أدنى من أجله كالتوبة

إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17)النساء 

أو كالنصر

لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18)الفتح 

لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27)الفتح 

وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)الصف 

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ  (214)البقرة

أو ربما كليلة واحدة:

قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)هود 

وكذلك هو القرب المكاني:

وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)الرعد 

وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (51)سبأ 

وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ  (41)ق

فالمكان نفسه بالنسبة للناس بعيد ولكنه بالنسبة للإله قريب، ويبدو هذا جلياً عند عقد مقارنة ما جاء في الآيتين الكريمتين التاليتين:

وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (51)وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (52) سبأ

إن السرد السابق يوضح الفصل المكاني بين الإله والناس، ويتعزز هذا الفصل بوجود فكرة المقربين من الإله، فبالرغم من القرب المكاني بين الإله والناس كافة (فالله قريب من الناس جميعاً) إلاّ أنّ هناك من هم من المقربين:

لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172)النساء 

وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) الواقعة

كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) المطففين

يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) المطففين

وقد قرّب الله إليه بعض أنبياءه ورسله:

إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) آل عمران

وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52)مريم 

فحتى فرعون نفسه كان له مقربين:

قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)الأعراف 

قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42)الشعراء 

فالقرآن إذاً يميز بين القريب والمقرّب، وخلاصة القول أنه في حين أنّ الله قريب من العباد جميعاً إلاّ أن هناك من عباده من هم من المقربين عنده، وبالتالي فالقرب من الإله هي درجات، ولكن لا يمكن أن يكون هناك التصاق بالإله في أي درجة منها، فحتى الملائكة المقربون ليسوا ملتصقين بالإله. لهذا نجد الفاصل المكاني بين الطرفين، فالله طلب من آدم وزوجه عدم الاقتراب من الشجرة، وطلب من عبادة أن لا يقربوا الزنا ولا يقربوا مال اليتيم وأن لا يقربوا الصلاة وهم سكارى، وهكذا.

لذا يجب أن يستحضر الإنسان في نفسه فكرة القرب الإلهي منه، ولكن ذلك لا يعني وجود الإله ملتصقاً مكانياً معه (كأن يتصور الإنسان الداع أنّ الله موجود عنده في نفس الغرفة التي يدعو فيها في جنح الظلام مثلاً)، ولكن بالرغم من هذا البعد المكاني بالنسبة لنا إلاّ أن تلك المسافة المكانية الشاسعة لا تمثل بعداً بالنسبة للإله نفسه، بالضبط كما لا يمثل بعد اليوم الذي مقداره خمسين ألف سنة (والذي نراه نحن بعيدا) بعداً زمنياً بالنسبة للإله.

النتيجة: هناك فاصل مكاني بين الإنسان وربه إلاّ أن هذا الفاصل المكاني بالرغم من بعده بالنسبة لنا نحن البشر إلا أنه غير بعيد بالنسبة للإله نفسه لذا قال عن نفسه:

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ البقرة (186)

صحيح أننا قد نكون نحن بعيدين عن الإله ولكن الإله قريب منا. ولو أمعنا التفكير بالآية نفسها لوجدنا أن الله لا يقر بأننا قريبين منه ولكنه يؤكد حقيقة ثابتة وهي أنه هو قريب منا، وفي هذا فرق كبير، هذا بالرغم أن المسافة المكانية بين الطرفين هي نفس المسافة. ولو استخدمنا التشبيه لتقريب الصورة إلى الذهن (ولله المثل الأعلى) لقلنا: تخيل أنك تسكن في مدينة ما وصديقك يسكن في مدينة أخرى تبعد عن مدينتك 1000 كم وتريدان أن تتزاورا، ولكنك أنت ستذهب إليه ماشياً وهو سيأتيك بقطار تصل سرعته 500كم/س، فبالرغم أن المسافة بينك وبينه هي نفس المسافة لكن صديقك بالنسبة إليك بعيد إن أردت أن تزوره ماشياً على الأقدام أما أنت بالنسبة له فإنك قريب مادام أنه سيقله القطار السريع.



من مقالة : صلاة الاستسقاء 2